السبت 10 أغسطس: أزمة كشمير.. تاريخ من الاشتعال
 
 

ربما يبدو اسم إقليم كشمير معتادًا لمن تابعوا التغطيات الإخبارية في التسعينيات للتمرد المُسلح هناك ضد الحكومة المركزية في الهند، فضلًا عن كون الإقليم مسرحًا لنزاع عسكري دائم بين دولتي الهند وباكستان. 

في الأيام الماضية عاد اسم كشمير للتغطيات الإخبارية مجددًا مع تطور الأزمة هناك بعد إلغاء الحكومة الهندية المادة رقم 370 من الدستور التي تمنح كشمير وضعًا خاصًا يشبه الحكم الذاتي.

بدأت الأزمة في 5 أغسطس الجاري، عندما ألغت حكومة الهند برئاسة ناريندرا مودي، المادة رقم 370 من الدستور، التي تمنح الجزء الخاضع للسيطرة الهندية في إقليم كشمير وضعًا خاصًا يشبه الحكم الذاتي. بالتزامن مع إلغاء الحكم الذاتي، أرسلت آلافًا من الجنود إلى الإقليم لتنفيذ القرار، ومنعت التجمعات في الأماكن العامة، وفرضت حظر التجول، وقطعت الإنترنت وخطوط التليفون عن الإقليم، مما جعله معزولًا عن العالم، بينما طُلب من السياح المغادرة فورًا. لاحقًا، أصدرت نيودلهي قرارًا بتقسيم كشمير الهندية إلى ولايتين خاضعتين بشكل مباشر للحكومة المركزية.

انتشار قوات الشرطة والجيش داخل العاصمة سريناجار حوّلها إلى ثكنة عسكرية، حيث عمدت القوات إلى نشر نقاط التفتيش والأسلاك الشائكة وعزل مناطق المدينة عن بعضها، بحسب تغطيات صحفية، التي رصدت كذلك حالة الغضب التي أدت إلى نشوب عدة مظاهرات متفرقة في أرجاء المدينة، واجهتها الشرطة بأعيرة الخرطوش والغاز المسيل للدموع، فيما بدأت أعداد كبيرة من العاملين في الإقليم من غير مواطني كشمير في المغادرة. 

في خطابه يوم الخميس الماضي، برر مودي القرار، الذي أطاح بتطلعات الإقليم طوال 70 عامًا لتقرير مصيره بنفسه، بأنه في مصلحة شعب كشمير، وأنه منذ الآن أصبحت مشكلات الإقليم مسؤولية الحكومة المركزية في نيودلهي. ووعد مودي بأن حكومته ستنجح في تنمية اقتصاد كشمير «والقضاء على الإرهاب والانفصاليين».

غير أن وعود رئيس وزراء الهند لم تجد صدى لدى نحو 10 آلاف متظاهر احتشدوا يوم الجمعة في عاصمة كشمير الهندية سريناجار دفاعًا عن المادة 370. ورغم تصريح مودي قبل يوم من المظاهرة أنه يتفهم وجهة نظر أولئك الذين يرفضون قرار حكومته، هاجمت الشرطة المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والأعيرة المطاطية والخرطوش وإطلاق الرصاص الحي في الهواء لتفريقهم، ما أدى لإصابة نحو ثمانية متظاهرين، بحسب تغطيات صحفية.

دوليًا، رفضت باكستان، التي تسيطر على النصف الشمالي من إقليم كشمير، قرار نيودلهي بإلغاء الحكم الذاتي لكشمير الهندية. وقال رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، إن بلاده ستختصم قرارات الهند أمام مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية مضيفًا: «إذا لم يتدخل العالم اليوم، إذا لم يطبّق العالم المتقدّم قوانينه، فإن الأمور ستذهب إلى مكان لن نكون مسؤولين عنه». 

من جانبها، تمسكت حكومة الهند بروايتها أن قرارها ليس له أي تأثير خارج حدودها، وأنها فقط تعيد ترتيب الأمور داخل الدولة دون مساس بالحدود بين الهند وباكستان داخل إقليم كشمير، المُقسّم بين الدولتين. 

يُمكن اعتبار أن الأزمة الحالية في كشمير الهندية ستكون حاسمة في علاقة الإقليم بنيودلهي، حيث وصف تقريرًا صحفيًا قرار الحكومة الهندية بأنه نهاية السياسة كما عرفها الجميع في كشمير. يعود بنا ذلك التقرير إلى عام 1947، عندما نالت شبه القارة الهندية استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية، التي خرجت من أكبر مستعمراتها بعدما قررت تقسيمها إلى دولتي الهند وباكستان. وبقيت كشمير في المنتصف بينهما. بينما كان من المفترض أن يقرر الإقليم مصيره بنفسه حسب اتفاق التقسيم، سيطرت الهند وباكستان على أجزاء من الإقليم أثناء الحرب بينهما التي اندلعت في نفس عام تأسيسهما كدولتين مستقلتين، وادعت كل من الدولتين أن لها حقًا في ضم كامل الإقليم لباقي أرضها.

ورغم دعوة الأمم المتحدة، سنة 1948، كلا البلدين للانسحاب من الإقليم وإجراء استفتاء داخله لتقرير المصير، إلا أن ذلك لم يحدث. ووقعت الهند وباكستان اتفاقًا سنة 1949 على وجود خط وقف إطلاق نار يقسم الإقليم إلى جزئين، أحدهما خاضع لباكستان والآخر للهند، وهو ما أصبح معترف به دوليًا بعد ذلك باسم كشمير الهندية وكشمير الباكستانية.

كانت هناك أيضًا وعود أول رئيس وزراء للهند المستقلة، جواهر لال نهرو، للشيخ عبد الله، السياسي من كشمير الذي لعب دورًا بارزًا في مواجهة حكم المهراجا الإقطاعي في الإقليم قبل استقلال الهند، والذي ربطته علاقة قوية بنهرو. بينما لعب الشيخ عبد الله دورًا في انضواء كشمير الهندية تحت سيادة الهند سنة 1947 أملًا في الحصول على استقلال مستقبلي، كان نهرو يعد باستفتاء لتقرير المصير في المستقبل القريب. 

أُنتخب الشيخ عبد الله رئيسًا لوزراء كشمير الهندية سنة 1948 وحصلت كشمير على برلمانها ودستورها الخاص، ورغم وضعها الخاص بقيت جزءًا من الدولة الهندية، ولم تتحقق أبدًا وعود نهرو بتنظيم استفتاء لتقرير المصير. 

ففي عام 1953، عُزل الشيخ عبد الله من منصبه وسُجن لمدة 11 عامًا بدعوى أنه فقد ثقة باقي أعضاء حكومته واتهامه بالتآمر ضد الدولة عبر التحالف مع باكستان. فيما رأى الشيخ عبد الله، كما قال لاحقًا، أن عزله وسجنه جاء بقرار من نهرو شخصيًا وبترتيب من حكومة نيودلهي بسبب تمسكه بإجراء استفتاء لتقرير مصير كشمير.

أدى سجن الشيخ عبد الله إلى تكوين جبهة للدفاع عن استقلال كشمير على يسار حزب المؤتمر الوطني الحاكم للإقليم وقتها، وانشقت الجبهة عن الحزب، وظلت تطالب بإجراء الاستفتاء والإفراج عن الشيخ عبد الله. 

أُفرج عن الشيخ عام 1964 وأُسقطت الاتهامات ضده، وبدأ في استعادة علاقته مع نهرو وساعد في بدء مباحثات السلام بين الهند وباكستان. إلا أنه بعد الوفاة المفاجئة لنهرو في نفس العام، أعلنت حكومة الهند سنة 1965 تقليص استقلالية حكومة كشمير، فأصبح الإقليم يحكمه محافظ يُعين من الحكومة المركزية، بدلًا من رئيس للإقليم يختاره المجلس التشريعي لكشمير، وتعرض الشيخ عبد الله للسجن مرة أخرى لمدة ثلاث سنوات بعد مطالبته في مقال بحل للنزاع بين باكستان والهند وكشمير بما يحفظ للإقليم حقه في تقرير مصيره، كما صدر قرار، سنة 1965، بحل حزب المؤتمر كحزب مُستقل في كشمير، ليصبح مجرد فرع لحزب المؤتمر الوطني الهندي. وفي ذلك الوقت، كان النزاع المُسلح بين باكستان والهند حول كشمير مُستمرًا طوال الفترة من 1962 إلى 1972. 

سنة 1971، وقت حكومة أنديرا غاندي، نُفي الشيخ عبد الله خارج البلاد، وصدر قرار بحظر الجبهة المطالبة بالاستفتاء على تقرير المصير. سبقت تلك القرارات الانتخابات التشريعية في كشمير، التي فاز فيها حزب المؤتمر الهندي [المؤيد للبقاء ضمن الدولة الهندية] بسهولة بطبيعة الحال، بعد تفكيك المعارضة.  

واستمرت سياسات نيودلهي طوال عقود في تعقيم الحياة السياسية في كشمير من كل المطالبين بحق تقرير المصير مثل جبهة الاستفتاء، أو باستقلالية داخل الدولة الهندية مثل حزب المؤتمر، أو بالحكم الذاتي مثل حزب الشعب الديمقراطي. أصبح المجال السياسي طاردًا. وتدريجيًا أصبحت قدرة الأحزاب السياسية الكشميرية على البقاء مرهونة بتحالفها مع المركز في نيودلهي. 

وفي سنة 1987، شككت الأحزاب الإسلامية التي خاضت الانتخابات في كشمير في نتيجتها، وقالوا إنها تعرضت للتزوير لمنعهم من الفوز، وهو ما تبعه تحول عدد من قادة هذه الأحزاب إلى العمل المسلح. عقب الانتخابات بدأ تمرد مُسلح داخل كشمير ضد السلطة المركزية الهندية والمحلية، وهو التمرد المستمر حتى الآن، بينما اتهمت نيودلهي باكستان بدعم المتمردين.

منذ ذلك الوقت، خسرت الهند إقليم كشمير على المستوى الشعبي، خاصة مع تكرر مقتل متظاهرين على يد قوات الجيش الهندية في أعوام 1990، و2010، و2013، بينما تزايد نفوذ الجماعات الجهادية مثل حزب المجاهدين في نفس الفترة، وهو ما أدى إلى عسكرة الإقليم من قِبل الحكومة الهندية، فضلًا عن تكرار المواجهات المسلحة مع باكستان على خط وقف إطلاق النار الذي يفصل كشمير الهندية عن الباكستانية. 

قرار 5 أغسطس بإلغاء الوضع الخاص للإقليم واقعيًا يسدل الستار على كل هذه الحقبة الزمنية الماضية، ويؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين كشمير والهند.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن