حج الغلابة

في موسم الحج، يسافر آلاف المسلمين سنويًا إلى مكة، في المملكة العربية السعودية، لأداء شعائر الركن الخامس من أركان الإسلام.

ويخطط فقراء المسلمين المتصوفين في مصر ودول شمال أفريقيا لأداء الحج مرة واحدة فقط في العمر. وعادة ما تكون بعد التقاعد، وغالبًا ما تكون رحلتهم الوحيدة إلى الخارج. ولكن، قد تستنزف الحياة مواردهم قبل أداء الرحلة التي تُعد حلم حياتهم. ويُقام مولد الشيخ أبو الحسن الشاذلي سنويًا في وادي حميثرة؛ منطقة صحراوية تقع في صحراء مصر الشرقية.

أطلق الناس اسم «حج الغلابة» على رحلة الحج إلى مقام الشيخ أبو الحسن الشاذلي؛ مؤسس الطريقة الشاذلية الصوفية في مصر، مع مريديه. كان الشيخ مسافرًا من المغرب إلى مكة، ومات بالقرب من شاطئ البحر الأحمر في وادي حميثرة، حيث دفنه مريدوه وأصبح قبره مقامًا ومزارًا فيما بعد. وأفتى فقهاء باعتبار من ماتوا في الطريق للحج قبل وصولهم إلى مكة حُجاج.

ويجد فقراء المتصوفين في مصر العزاء والإلهام في محاكاة تجربة الشيخ أبو الحسن الشاذلي أثناء رحلته للحج. ويتبع الحجاج خطى الشيخ، ولكنهم يقصدون مقامه، حيث يحاكون شعائر الحج لإحياء ذكرى وفاته.

في مركز للنقل في إدفو، أسوان، على مسافة نحو 300 كيلومتر شمال غرب وادي حميثرة، تتجمع العائلات والأصدقاء قبل شروق الشمس لإعداد شاحناتهم للسفر. يستأجر الشيخ شادي، وهو من الأقصر، شاحنة «بيك آب» ويجمع الأخشاب والحبال اللازمة لإنشاء المستوى الثاني على سطح الشاحنة. رجل من ذوي الخبرة في مجال السيارات الميكانيكية يتحقق من سلامة محرك الشاحنة. يملأ الشباب الذين يرافقون الشيخ شادي «جراكن» من الماء استعدادًا للرحلة. يجلب سائق الشاحنة الماء في دلو ويغسل النافذة الخلفية والمقصورة الأمامية والعجلات الأربع لشاحنته بقطعة من الإسفنج. الطفل عمر، تسع سنوات، جاء بصحبة والده، يعتني بماعز جلبوه للاحتفال بالعيد. رجال آخرون يجلبون مقاعد من مقهى في الشارع للنساء والأطفال لكي يستريحوا حتى تنتهي استعدادات الرحلة.

قضيت بضع ساعات في حزم حاجياتي والاستعداد للسفر، قبل الذهاب لدورة المياه للمرة الأخيرة أو إجراء مكالمة هاتفية قبل اختفاء تغطية شبكة المحمول. تشغل النساء والأطفال والماعز المستوى السفلي للشاحنة، إلى جانب الطعام والماء واسطوانة غاز للطهي. يأخذ الرجال مكانهم في المستوى العلوي من الشاحنة الصغيرة. ينام البعض على الفور، بعد ليلة من العمل الطويل، في حين يغني الآخرون على إيقاع الدفوف؛ يبتهلون لله، ويمدحون النبي محمد والشيخ الشاذلي، كما يحاكون طقوس الحج بابتهاج: «شاذلي يا أبو الحسن، أنا خدام أبو الحسن.. رايحة فين حاجة يا أم شال قطيفة.. رايحة أزور نبينا محمد والكعبة الشريفة».

وبعد تسع ساعات، نفد الماء من المجموعة وأصيبوا جميعًا بالإرهاق بسبب حرارة الشمس. وفي النهاية، وصلت الشاحنة إلى وادي حميثرة.

يزور الحجاج مقام الشيخ أبو الحسن الشاذلي بمجرد وصولهم، ويدورون حول ضريحه مع عقارب الساعة مثلما يدور الحجاج حول الكعبة. ويصعد الحجاج جبل حميثرة مثلما يصعد الحجاج جبل عرفات في المملكة العربية السعودية، وبعدها يتجمع المشاركون في حلقات لتناول الطعام والصلاة وإقامة الشعائر والذِكر والغناء والرقص على أنغام الموسيقى.

Read in English
 
 
اعلان
 
 
More from Panorama