للفقر وجوه متعددة في مصر

أخيرًا خرج إلى العلن تقرير بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي يقوم به مشكورًا الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بمعاونة فريق من الباحثين المتميزين أعرف منهم الأستاذة الدكتورة هبة الليثي التي هي بحق خبير الفقر الأول في مصر. والتقرير يحظى كما هو الحال في أعداده السابقة بمصداقية كبيرة، ولذلك فإن النتائج التي توصل إليها والتي ربما كانت سببًا في تأخر إعلانه يجب أن تكون مصدر قلق كبير لكل من تهمه أوضاع البشر في مصر، ولا نستثني منهم الحكومة المصرية.

التقرير يقول ببساطة أن واحدًا من بين كل ثلاث من المصريين يعيش تحت خط الفقر، أي أن الدخل الذي يحصل عليه، والذي قدره التقرير 735.5 جنيه شهريًا لا يكفي لتغطية حاجاته الأساسية من مأكل وملبس وخدمات تعليمية وصحية، بل إن نسبة لا يستهان بها من المصريين تصل لنحو 6.2% أو  قرابة ستة ملايين مواطن، تعيش تحت مستوى من الفقر يقل كثيًرا عن ذلك، فلا يحصل الواحد منهم على ما يتجاوز 491 جنيهًا شهريًا. وإذا تصورنا أن الحجم المتوسط للأسرة في مصر يقل قليلًا عن خمسة أفراد، وهو بكل تأكيد أعلى وسط الأسر الفقيرة، فإن الأسر التي تحصل على دخل شهري يقل عن 3677 جنيهًا تعيش تحت هذا الخط، والأسر التي تحصل على 2455 جنيهًا تعاني الأمرين في الحصول على أبسط مقتضيات الحياة.

التقرير يتجاوز التعريف الشائع للفقر بربطه بمستوى الدخل، وإنما يستخدم تعبير الفقر المادي، وهو قريب من مفهوم فقر القدرات، أو عدم امتلاك القدرات التي تمكن من الخروج من دائرة الفقر، مثل ملكية بعض الأصول، كالأرض أو المسكن أو التعليم والمهارات الفنية، والمستوى الصحي الملائم، لأن تعريف البحث للفقر المادي هو عدم قدرة الفرد على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية من الطعام والمسكن والملابس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات. وطبعا من لا يملك الحصول على التعليم أو الخدمات الصحية ولا يمتلك أصولًا مادية سوف يفتقر لتلك القدرات الأساسية. ويؤكد على ذلك البحث إذ تبلغ نسبة الأميين بين الفقراء حوالي  39.2% وإن كان أكثر من عشر الفقراء تقريبًا (11.8%) قد حصلوا على شهادة جامعية في نفس عام البحث، ولذلك فالفقر في مصر لا يقتصر فقط على غير المتعلمين. كما يفتقد أقل من 40% منهم عملًا دائما (37.6%).

ولتقدير خطورة النتائج التي انتهى إليها التقرير، يجب أن ندرك الوجوه الأخرى للفقر المرتبطة بفقر الدخل والقدرات. هناك طبعًا الأبعاد الجغرافية له حيث يوجد ثلثا الفقراء في الريـف، ويعيش الثلث الآخر في المدن، كما أن نسبة الفقراء في الوجه القبلي هي أعلى منها في الوجه البحري. يغيب أيضًا عن مناقشة ظاهرة الفقر في مصر البعدان الثقافي والسياسي، وهما جانبان له احتلا مساحة واسعة من مناقشات الفقر في العالم، ويرتبطان بكل تأكيد بسبل الخروج منه. فمن الواجب أن نبحث في مدى فعالية السياسات التي تنتهجها الحكومات المصرية المتعاقبة منذ بداية الألفية الثالثة في مكافحة الفقر.

هل هناك ثقافة فقر في مصر؟

شاع تعبير ثقافة الفقر في الكتابات حول الفقر في أمريكا اللاتينية في ستينيات القرن الماضي، وتجدد الحديث حوله مؤخرًا بين علماء الاجتماع والانثروبولوجيا، ويدعي أوسكار لويس، مبتكر هذا التعبير، أن الفقراء لهم ثقافتهم الخاصة التي تختلف عن ثقافة غير الفقراء في نفس المجتمع، فهم يشعرون بالدونية وبمركب النقص، ويائسون من إمكانية تغير أحوالهم، كما يتسمون بالفردية، وبالتواكل والاعتماد على الغير، وأقل إحساسًا بالانتماء، وأقل تمسكًا بالمعايير الأخلاقية المرتبطة عادة بالطبقة المتوسطة، والتي يرون أنهم أقل قدرة على التمسك بها بسبب ظروف حياتهم الشاقة، وهم أميل للبحث عن حلول فردية لمشكلاتهم، ولا يعولون كثيرًا على استراتيجيات جماعية للخروج من صعوبات الحياة.

هل تنطبق هذه السمات على ثقافة الفقراء في مصر؟ ليس هناك جواب حاسم على هذا السؤال لندرة الدراسات الخاصة بثقافة الفقراء المصريين، ولكن هناك شواهد وكذلك دراسات محدودة توضح أن بعضها ينطبق على أحوال الفقراء المصريين، فالروابط العائلية هشة، وأفراد العائلة تتحدد قيمتهم، أطفالًا كانوا أو نساء، بحسب قدرتهم على كسب دخل، ونفس الأمر بالنسبة لأفراد العائلة الأوسع، ولذلك فتزويج القاصرات مصدر دخل للأسرة والتعليم لا قيمة له طالما أنه لا يفضي إلى دخل مضمون في الأجل القريب. ولكن لا يختلف الفقراء في مصر عن أفراد المجتمع الآخرين في الانتماء إلى ديانات مشتركة، وإن كان لهم تفسيرهم الخاص لهذه الديانة، فختان البنات مثلًا هو بالنسبة لهم أحد تعاليم الدين. وهم في الريف خصوصًا أميل إلى الرضاء عن أحوالهم، باعتبار أن الفقر هو اختبار لهم من الله عز وجل، وأنهم سيكافئون على عكس الأغنياء في الآخرة بسبب نجاحهم في هذا الاختبار. وتشير بعض الدراسات إلى أن فقراء المدن أقل رضاءً عن أحوالهم حتى ولو لم يكونوا أقل تدينًا بالضرورة.

البعد السياسي لثقافة الفقر

يرى أوسكار لويس، واتفق في ذلك مع تحليل كارل ماركس، لمن يعانون الفقر في المدن ولا يجدون عملًا منتظمًا ممن أسماهم بالبروليتارية الرثة، أن هؤلاء الفقراء ليس لهم موقف سياسي ثابت ولا إيديولوجية واضحة، وهم أميل لاتباع من يقدم لهم خدمات سواء كان حزبًا فاشيًا أو حكومة مستبدة. يرى أيضًا أن المخرج من ثقافة الفقر هو في تمكينهم سياسيًا من خلال حزب يتبنى قضاياهم عن حق، ولا يستغلهم فقط لكسب الأصوات في الانتخابات. ونجد تأييدًا لذلك في حالتنا المصرية. صحيح أن أنصار الحركات الإسلامية لم يكونوا كلهم من الفقراء، فالنخبة التي قادت هذه الحركات من إخوان مسلمين وسلفيين كانت ممن تلقوا تعليمًا جامعيًا بل وفوق الجامعي ومن أساتذة الجامعات خصوصًا من خريجي كليات الهندسة والطب والعلوم، ولكن الأصوات التي أوصلت أحزابها إلى السلطة كانت في الكثير من الأحوال في الدوائر الفقيرة في المدن الكبرى والأقاليم.

كما لم تسمح الأوضاع المنظمة للحياة السياسية في مصر عمومًا، والضعف الذاتي لأحزاب اليسار بظهور هذا الحزب الذي يتبنى قضايا الفقراء، وينشط معهم وبينهم، ويغذيهم بالأمل أنهم قادرون على تغيير أحوالهم من خلال العمل الجماعي المنظم في إطار أحزاب سياسية كما كان حال الأحزاب الاشتراكية والشيوعية في أوروبا. ولذلك فإن التمكين السياسي للفقراء هو السبيل للتغلب على ثقافة الفقر وتغيير الأوضاع التي تولده باستمرار.

هل تكفي سياسات الليبرالية الجديدة لمكافحة الفقر؟

إحدى النتائج الأخرى الجديرة بالتأمل في بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء هو أن معدل الفقر في تزايد مستمر في مصر منذ نهاية القرن الماضي، فقد كانت 16.7% فقط في سنة 2000/1999، وارتفعت إلى 25% قبيل ثورة يناير في 2011 ثم تصاعدت إلى 27.8% في سنة 2015، وعاودت الارتفاع إلى 32.5% في سنة 2018/2017 وذلك في أعقاب الأخذ ببرنامج الإصلاح النقدي والمالي الذي جرى الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي. النتيجة المباشرة للأخذ بهذا البرنامج هي قفز أعداد ونسبة الفقراء في مصر بحوالي 4% خلال عامين. طبعًا يمكن القول إن  هذا الارتفاع في نسبة الفقراء هو النتيجة قصيرة الأجل للبرنامج، وهو تكلفة لا مفر منها في الأجل القصير، ثمن لا بد من دفعه للوصول إلى أوضاع يستقر فيها الاقتصاد، وينتشر الرخاء بين جميع المواطنين.

ويمكن أن يكون هذا التوقع صحيحًا لو كانت السياسات المتبعة لمكافحة الفقر في مصر في الوقت الحاضر تختلف عن السياسات التي اتبعت في السنوات السابقة. ولكننا نستمر في اتباع نفس السياسات التي زاد بسببها الفقر. ارتفع معدل النمو في ظل السياسات الليبرالية التي أخذت بها مجموعة جمال مبارك في وزارات المالية والاستثمار والتنمية الاقتصادية، وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي قرابة 7% في سنة 2006، ولم يقل عن5 % حتى بعد الأزمة المالية العالمية في 2007-2008، وهو معدل نجاهد للوصول إليه في الوقت الحاضر. ولم تكن مكافحة الفقر غائبة تمامًا عن واضعي السياسات في تلك الفترة، فقد ظهر برنامج الألف قرية الأكثر فقرًا. ومع ذلك كله استمر معدل الفقر في صعود.

السياسات المتبعة الآن لا تختلف عما كان يحاول فريق جمال مبارك صنعه. بيع مؤسسات القطاع العام، تخفيض الدعم، تعويم الجنيه، ومكافحة الفقر من خلال برنامج حياة كريمة الذي يستهدف الألف قرية الأكثر فقرًا، واستهداف الأسر الفقيرة من خلال برنامج تكافل وكرامة، وتشييد مدن جديدة بما في ذلك العاصمة الإدارية والعاصمة الصيفية ومدن جديدة أخرى في المنصورة وأسيوط وغيرها. ولكن ألا يتعلق ذلك كله بالخدمات؟ ماذا عن فرص العمل المنتج والمستدام؟ طبعًا هذه المشروعات العمرانية تخلق عمالة، ولكنها عمالة غير دائمة تنتهي الحاجة لها بانتهاء هذه المشروعات. والنهوض بالبنية التحتية وبخدمات الصحة والتعليم في القرى الفقيرة له آثار إيجابية من حيث تحسين قدرات المواطنين، ولكن انعكاس ذلك على فرصهم في الحصول على عمل -إن حدث- لن يكون إلا في المدى البعيد. ثم ماذا عن فقراء المدن الذين هم الأقل رضا عن أوضاعهم، والذين لا يستفيدون من مشروعات التنمية الحضرية التي تتجاهل مدن الدلتا والصعيد ومعظم المدن الكبرى.

الفكر الاقتصادي في العالم تخلى عن وهم أن النمو الاقتصادي في حد ذاته يوفر العمالة ويقضي على الفقر. والدول التي أنجزت أكبر النجاح في مكافحة الفقر كانت هي تحديدًا الدول الصناعية الجديدة في شرق وجنوب آسيا التي حققت معدلات نمو عالية بالتركيز على النهوض بالصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، وبالتعويل على القطاع الخاص ومؤسسات الدولة. والدولة الأكثر نجاحًا في هذا المضمار هي تحديدًا الصين التي تقفز لكي تحتل مكانة أكبر اقتصاد في العالم. تتكرر زيارات مسؤولينا الكبار للصين ولكننا لا يبدو أننا نتعلم الدرس.

اعلان
 
 
مصطفى كامل السيد