مشروع «مشروع ليلى»
 
 

كان من المفترض أن يُقام حفل لـ «مشروع ليلى» في لبنان اليوم، 9 أغسطس، ضمن مهرجانات بيبلوس، لكن ذلك لم يحدث بعد حملة كنسية اتهمت الفريق بالإساءة للديانة المسيحية. في المقابل نُظمت حملة للتضامن مع الفريق اللبناني أونلاين كما انتشرت دعوات لبثّ موسيقاه من المحال بالعاصمة بيروت وفي مختلف الأماكن بلبنان مساء اليوم. كما أعلن ناشطون عن تنظيم حفل بالحمرا عنوانه «صوت الموسيقى أعلى».

بوستر حفل «صوت الموسيقى أعلى»

بعد أيام من طلب مطرانية جبيل المارونية بإلغاء حفل الفريق، أعلنت إدارة مهرجانات بيبلوس الذي يُقام بجبيل عن مخاوف أمنية ستمنع إقامته. علّق الفريق  ببيان نشر في 30 يوليو الماضي، يسرد وقائع صادمة، حسبما يصفها، متناولًا الكثير من الأكاذيب التي رُوّجت حوله «قيل إن تسمية ليلى إنما تشير إلى ليل الظلام الأبدي».

يُقال إن سرّ تسمية الفريق جاءت من أول ليلة، في إشارة إلى الحفل الذي أُقيم في الجامعة الأمريكية بيروت في فبراير 2008 وشهد انطلاق الفريق، وهو ما يفسره كتابة اسم الفريق بالإنجليزية هكذا «leila». بينما اختار الفريق «ليلى» بدلًا من «ليلة» لأن الاسم الأول أكثر رومانسية. ترك الفريق سبب التسمية احتمالًا بين تفسيرين، مُفضلًا صناعة مراوغة وستصبح المراوغة من سمات مشروعه الأساسية.

في 2019، يضطر الفريق لشرح ما يقصد من أغانيه، والتخلي عن روح المراوغة التي شملت مشوار إنتاج 50 أغنية؛ «ما صدمنا هو حجم التهم وتحوير معاني الأغاني، والأكاذيب وصولًا إلى فبركة الصور. الحملة المبرمجة وصلت إلى حد التهديد المباشر وإهدار الدم».

«الناس بتقول إن نحنّا فرقة تحكي عن السياسة والمجتمع، مبدئيًا نكتب عن قصص بنشوفها في حياتنا، يا إما بحياة أصحابنا»، يقول حامد سنو مغني الفريق الرئيسي وكاتب أغانيه في حوار أُجرى مع مشروع ليلى في 2016. ثم يستنكر أن تكون موضوعات الأغاني غريبة. في الحوار نفسه يقول عازف الكمان وملحن الفريق فراس أبو فخر: «في إشيا بالحياة ببيروت ما فيك تتجنبها، والموسيقى العربية كانت بتتجنبها.. إحنا كنا حابين نحكي عنها.. نغنّي عن إشيا نحنا بنآمن بيها بدنا ننتقدها».

حُجبت أغنيتا «أصنام» و«جن»، الصادرتان ضمن ألبوم «ابن الليل» 2015، عن جمهور قناة مشروع ليلى الرسمية على يوتيوب منذ 25 يوليو الماضي. الأمر الذي سبقه تصريح رئيس المركز الكاثوليكي اللبناني عبده أبو كَسم للميديا بأن «مشروع ليلى» أقرّ بالإساءة للديانة المسيحية بأغنيتين وسيعتذر.

لم يعتذر الفريق، بل تحدّث في البيان عن الفروق بين معنى الكلام لفظًا ومعناه في الفن:

«كل التحوير والتفسير الخاطئ لبعض العبارات الواردة في أغنيتين للفرقة من أصل 50، يهمّنا التوضيح بأن هاتين الأغنيتين تمّ تأديتهما في لبنان منذ 2015 ولم يعترض عليهما أحد منذ ذلك. ونكتفي هنا بالقول والتذكير أن المعاني التي يحملها العمل الفني غالبًا ما تختلف عن المعاني اللغوية المباشرة، وبخاصة إذا نُزعت من سياقها. وهذا هو سبب كل هذا اللغط».

لم يكن إلغاء حفل جبيل أول أزمات الفريق، فسبق أن ألغى الأردن حفلًا في يوليو 2017، حينما تخوفت السلطات من أن يضمّ «فقرات تستفز المشاعر العامة». وبعد شهرين أحيا الفريق حفلًا بالقاهرة، تلاه ملاحقة الشرطة لبعض جمهوره وجرت محاكمة بعضهم سريعًا، فيما عُرف بـ «حادث رفع علم قوس قزح». بعد الحفل أعلنت نقابة المهن الموسيقية المصرية منع إقامة أي حفلات لـ «مشروع ليلى» مستقبلًا. يحتمل أن تقلّ فُرص تنظيم ليالٍ جديدة في المنطقة، وهو ما يوحي بأن «مشروع ليلى» يمثّل خطورة تستوجب التصدي لها من سلطات ثلاثة بلدان عربية.

بالتأكيد لا يتعلق ذلك بما يبدعه الفريق موسيقيًا؛ كونه يوّلف بين البوب والموسيقى الإلكترونية والروك والطرب العربي، بل يرتبط بالكلام المُغنى مع الموسيقى. في تعريفه على فيسبوك بالإنجليزية يشير «مشروع ليلى» إلى غنائه عن موضوعات السياسة وحقوق مجتمع الميم، والعِرق، والهوية العربية المعاصرة. وذلك هو التحدي الأكبر الذي خاضه «مشروع ليلى» منذ انطلاقه حتى الآن، وإن كان سببًا آخر لتكرار مشاهد رفع علم قوس قزح في حفلات الفريق، وكان آخرها يونيو الماضي، حينما حلّ الفريق ضيفًا على مهرجان موازين المغربي، وهو الأمر الدي مرّ دون إعلان موقف مغربي رسمي ضد الفريق. كما يرتبط «مشروع ليلى» بجمهور الأندرجراوند، الذي وجد ضالته في موسيقاه التي قدمت صوتًا مغايرًا عن التيار السائد بما يتناسب مع تململ هذا الجمهور.

خلافًا للمعتاد في الروك اللبناني، اختار «مشروع ليلى» الغناء بالعربية وليس الإنجليزية. كما لا يشبه حامد سنو المغنيين العرب، فهو صاحب صوت خشن تشوبه مسحة نشاز، دون إغفال تميز الأداء الصوتي وجماله. يمكن القول إن اختيار سنو تحديدًا للغناء يعد تحديًا لثقافة موسيقية قوامها الطرب، ورهانًا على قوة الإحساس وتأثير الموسيقى.

على مدار سنوات تسربت بسلاسة موسيقى «مشروع ليلى»، كأنها مشاعر حب تنمو بين الفريق وجمهوره الصغير، خاصة أنه كان يغني لكل حراك سياسي أو موضوع اجتماعي. في حوار 2016، يبدأ المحاور في عرض أغنية «فساتين» على الفريق، مشيرًا إلى أن أغنيتهم تتناول الزواج من دين آخر، يقاطعه حامد سنو مضيفًا أن الزوجين في الأغنية كانا من دينين وطبقتين مختلفتين، ثم يستنكر فراس أبوفخر معتبرًا أن المواضيع التي يناقشها الفريق أصعب من حكي أزمة زواج أحد من آخر ينتمي إلى طائفة دينية أخرى، ثم ينتقل الحوار إلى أن الموضوعات التي يختارها الفريق تعبّر عن قناعات أفراده.

«يهمنا شكل الأغنية العربية.. الهيكلية، تقنيات الموسيقى»، يقول فراس أبوفخر، ثم ينفي أن يكون الفريق ملتزم سياسيًا.

مع اندلاع الثورات قدّم الفريق «غدًا يوم أفضل»، وأهدى الأغنية «إلى جيل الثورة»، والتي لم تخل من المراوغة والإشارة إلى الحراك المدفوع بأمل في حدث كبير مفتوح على المجهول. وبتأمّل تجربة «مشروع ليلى» وألبوماته الخمسة، فإن موسيقاه لم ترتبط بالسياسة بشكل مباشر مثل اللبنانيين مارسيل خليفة وزياد رحباني مثلًا، مع الفروق ما بين التجارب من الناحية الموسيقية. ولا يتشابه كذلك مع الغناء النضالي المرتبط بالقضايا العربية الكبرى فهو غناء مطلبي، مشغول بسؤال المعاصرة، وإدراك قضايا الأجيال العربية الأحدث، فلا يعيد مشروع ليلى مثلًا غناء الشيخ إمام عيسى مثلًا، وإنما يقدم رؤية موسيقية معاصرة، وهو ما نسمعه مثلًا في تناول الفريق للثقافة الأبوية المستوحاة من الأسطورة الإغريقية في أغنية «ايكاروس».

تحكي الأسطورة أن ديدالوس وولده اُحتجزا في جزيرة كريت، وفي محاولة منهما للهرب من المنفى صنعا جناحين لكل منهما، لصقا الريش بالشمع وطارا، ديدالوس حذر ولده من الاقتراب من الشمع، لكنه يحلق لأعلى، هكذا يغنّي مشروع ليلى متبنيًا رغبته للسمو: «ما بيفهم كيف صار يشبه بيه وبعده بكل شيء بيضيع.. المشاريع بتزيد بحجة بكرة بعيد». ومع الحرارة يذوب الشمع وينفلت ريش جناحي ايكاروس فيسقط.

حسنًا، لقد بات واضحًا الآن أن غدًا لم يكن الأفضل. رغم ذلك فإن التدوينات كُتبت، وبثّ الناس موسيقى «مشروع ليلى»، رغم حجب الأغنيتين، ومثلما غنّى الفريق «للوطن» حينما ضُيّق الخناق على جيل الثورة، سمع لبنان موسيقى «مشروع ليلى» التي صارت مشروعة رُغم المنع.

اعلان
 
 
أحمد وائل