الدولة كسمسار عمراني: 2- العاصمة القديمة والتطوير بالإخلاء

تغيرت القاهرة، وهي تتغير باستمرار منذ مولدي في الثمانينيات، بفعل القوانين والإخلاءات قسرية والخطط العمرانية.

عمليات تحويل القاهرة لعاصمة تراثية وسياحية، التي نشهدها مؤخرًا، هي جزء من رؤية تطوير القاهرة لمخطط 2050، والمبني على دراسات من قِبل الهيئة العامة للتخطيط العمراني منذ أوائل الألفية. عمليات «التطوير» تلك تشمل سؤال رئيسي في كيفية الاستثمار في الأراضي بشكل يدر دخلًا، وبالتالي يجب إخلاء الأراضي التي تقع في مواقع مميزة في القاهرة الكبرى، وهو منطق الدولة والمستثمرين في التعامل مع الأراضي كمورد رئيسي للملكية وإعادة استغلالها بطريقة مربحة. 

لجأت الدولة إلى خطتين مختلفتين لإخلاء تلك الأراضي، إحداهما لها سياق زمني وتنفيذي، وهي الإخلاءات التفاوضية أو التطفيش بالتراضي، أما الأخرى فهي الإخلاءات القسرية. 

ساعد استخدام الحكومة لشعار «القضاء على العشوائيات» في تعزيز السياسات التنفيذية وتبريرها مجتمعيًا. في 29 سبتمبر 2011 أُطلقت مؤسسة «معًا» بمباركة وزارة الإسكان وصندوق تطوير المناطق العشوائية. بدأت المؤسسة عملها تحت شعار «القضاء على العشوائيات»، ثم تغير الشعار لاحقًا بعد توجيه النقد لكلمة «القضاء على» ليصبح «تطوير العشوائيات»، ولكن خطط عمل المؤسسة تضمنت نفس سياسات الدولة في نقل سكان مناطق بناها الأهالي إلى المدن الجديدة.

لم تختفِ أنماط المقاومة لحملة القضاء على العشوائيات. تأسست رابطة شباب ماسبيرو في 2008، حين تحمس عدد من شباب المنطقة لتكوين رابطة للدفاع عن حقهم في عدم مغادرة منطقة مثلث ماسبيرو التي باتت في مقدمة خطط «تطوير» القاهرة، ومطالبة الحكومة بجهاتها المعنية في تطوير المنطقة فعليًا بدلًا من إخلائها. 

تعاونت الرابطة مع إحدى المكاتب المعمارية في وضع تصور لتطوير المنطقة، وتم عرضه على الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وهو ما تجاهلته الحكومة. لعدد من السنوات لم يجّد جديد، حتى ديسمبر 2011، حين انهار منزلان وتوفي 11 من السكان، وتظاهر سكان مثلث ماسبيرو أمام ديوان محافظة القاهرة، والتقى عدد منهم مسؤولين في المحافظة لعرض مطالبهم، لكن لم يحدث شيئًا. أوائل عام 2013، أعلنت الحكومة عن مشروع تطوير المنطقة يشمل إعادة تسكين الأهالي في 64 برجًا سكنيًا في مناطق أخرى، واعترض السكان لعدم التشاور معهم، ورفضوا المقترح وتظاهروا، ورسموا جرافيتي على البيوت يطالب بتطوير المثلث ويرفض التهجير. 

في العام نفسه، تولي المعماري أحمد زعزع مسؤولية وضع رؤية تشاركية مع أهالي مثلث ماسبيرو لتطوير المنطقة.* 

في أول حكومة شكلها عبد الفتاح السيسي بعد توليه الرئاسة في يونيو 2014، تم إنشاء وزارة التطوير الحضري والعشوائيات برئاسة ليلى اسكندر، التي اهتمت بالحوار مع المجتمع المدني لوضع رؤى وسياسات للتعامل مع سكان المناطق غير الآمنة. وفي أحد الحوارات عرض عليها أحد الباحثين من المجتمع المدني تجربة زعزع مع أهالي مثلث ماسبيرو، وعلى الفور تواصلت الوزيرة معهم، وزارت فريق العمل والأهالي في المنطقة، وتبنت رؤيتهم التي توصلوا إليها بعد عام ونصف من البحث والدراسة والنقاشات التشاركية، وتم تطويرها بحيث تكون قابلة للتنفيذ باشتراطات واتفاقات. وتم التوصل لاتفاقية تعيد توزيع ملكيات الأراضي، بحيث يحصل الأهالي على 12 فدانًا تُبنى كشقق بمساحات مختلفة، ثم تخيير الأهالي ما بين الحصول على وحدة سكنية جديدة في إحدى مشاريع الدولة السكنية أو إعادة تسكينهم في المنطقة أو الحصول على تعويض مادي. 

في فبراير 2015، تم توقيع اتفاقية بين رئيس الوزراء آنذاك، إبراهيم محلب، والوزيرة ليلى إسكندر، وممثلين عن أهالي مثلث ماسبيرو. وتم طرح المشروع كمسابقة معمارية، وفاز بالجائزة مكتب فوستر بارتنرز في 9 نوفمبر 2015. لم يمهل النظام ليلى إسكندر لتنفيذ رؤيتها وسياساتها، حيث أُلغيت الوزارة نفسها في أول تغيير وزاري في يونيو 2016، بعد 14 شهرًا فقط من عملها. وتم تحويل المشروع إلى وزارة الإسكان، وصندوق تطوير العشوائيات ومحافظة القاهرة، وهي الجهات التي بدأت في تغيير بنود الاتفاقية مع الأهالي، من أهمها تغيير قيمة الإيجارات للشقق التي سيعاد تسكين الأهالي فيها، حيث أصبحت الإيجارات تتراوح ما بين 1400 إلى 2050 جنيهًا، وهي قيم مرتفعة مقارنة بدخول السكان، مما جعل أغلبيتهم تفضل التعويض المادي أو إعادة تسكينهم في شقق مشروع الأسمرات بالمقطم. وفي مارس 2018، رحلت 3200 أسرة -من أصل ما يزيد عن 4 آلاف أسرة- عن المنطقة، وتبقى 850 أسرة، هم من أصروا على إعادة التسكين في المنطقة، فيما تقرر 170 أسرة حينها ماذا يريدون. 

في 16 يونيو 2016، قُتل سيد حسن الجيزاوي، الشهير بـ«سيد طفشان»، في جزيرة وراق الحضر، في مهاجمة قوات الأمن لجزيرة الوراق لتنفيذ قرارات بهدم عدد من المنازل. تظاهر الأهالي في محاولة لمنع الهدم، فردت عليهم قوات الأمن بالقنابل المسيلة للدموع، وحاولت فض المظاهرات بالقوة، ما أدى إلى مقتل سيد وإصابة 59 شخصًا والقبض على 15 آخرين، اتهموا بالشغب وحيازة السلاح. 

استخدام الجهات التنفيذية للعنف في جزيرة الوراق لم يكن الأول من نوعه، ففي الفترة من 5 يونيو حتى 20 يوليو 2016 أُلقي القبض على 37 شخصًا في خمس محافظات لرفضهم تنفيذ الإخلاءات. السياسات الواجب اتباعها للإخلاء لا تتبع بالمرة من قبل وزارة الداخلية، مثل إخطار المواطنات/ين بضرورة إخلاء الأرض قبل مدة معينة، ومنحهم فترة لإثبات ملكياتهم للأراضي. فبدلا من اتباع القانون، تطبق الجهات التنفيذية قراراتها قسرًا، بالقنابل مسيلة للدموع وأحيانًا بالرصاص المطاطي، في حالة اعتراض الأهالي على تنفيذ أوامر الإخلاء، وهو ما يتعارض مع اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، التي صدقت مصر عليها في اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1967، والتي تنص مادتها الـ11 على تجريم الإخلاء القسري.

في الوراق، انعدمت الشفافية في تصريحات الحكومة المتضاربة حول سبب إخلاء الجزيرة، ما بين كونها محمية طبيعية وبين وجود خطط استثمارية من مخطط 2050 لتحويل الجزيرة إلى مكان سياحي، رغم إثبات الأهالي أنهم يمتلكون 95% من أراضيهم. رؤية القاهرة 2050، وطبقًا لعرضها ومشاريعها، تحوي العديد من المشاريع الاستثمارية والسياحية، من بينها رؤية لتطوير جزيرة الوراق، بها متحف مفتوح وتخصيص 1400 فدان للحدائق والمتنزهات، إلى جانب مجمع سكني خاص. وأعمال التغيير لشكل الجزيرة بدأت منذ الألفية، حيث تم توسيع الجزيرة بردم جزء من نهر النيل تمهيدًا لأعمال مشروع القاهرة 2050. وفي 15 مايو 2019 نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء باعتبار مشروع محور روض الفرج بمحافظتي القاهرة والجيزة من أعمال المنفعة العامة وعليه يتم نزع ملكية الأراضي التي يمر بها المحور ومنها جزيرة الوراق. 

مشروع القاهرة 2050 - المصدر: https://cairofrombelow.files.wordpress.com/2011/08/cairo-2050-vision-v-2009-gopp-12-mb.pdf

مشروع القاهرة 2050 - المصدر: https://cairofrombelow.files.wordpress.com/2011/08/cairo-2050-vision-v-2009-gopp-12-mb.pdf

لقطات من القمر الصناعي لجزيرة الوراق - المصدر: google Earth

الجهات التنفيذية، التي اقتحمت الجزيرة، هي جزء من عمل لجنة استرداد الأراضي، والتي تم تأسيسها بالقرار رقم 75 لعام 2016 من رئيس الجمهورية. بدأت اللجنة بعشرة أعضاء يمثلون الوزارات المختلفة في الحكومة وهم: وزير التنمية المحلية، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، ممثل عن وزارة العدل، ممثل عن وزارة الدفاع، بالإضافة إلى ممثل لوزارة الداخلية، وممثل عن المخابرات العامة، وممثل عن هيئة الرقابة الإدارية، وممثل عن مباحث الأموال العامة، وممثل عن مصلحة الشهر العقاري، وممثل عن هيئة المساحة المصرية. 

وتختص اللجنة بحصر جميع الأراضي التي يثبت الاستيلاء عليها بغير حق واستردادها بكل الطرق القانونية، وحصر جميع الديون المستحقة للجهات صاحبة الولاية على الأرض، وتصنيف المدينين بهذه المستحقات. كما تختص بالتنسيق مع الجهات صاحبة الولاية بشأن الإجراءات القانونية والإدارية المتبعة لاسترداد الأرض المستولى عليها ومتابعتها واسترداد أموال الدولة المستحقة في أي صورة كانت، وفقًا للقوانين المنظمة لكل جهة من جهات الولاية على الأراضي. تختص اللجنة أيضًا بإعداد التقارير اللازمة التي تتضمن السلبيات التي أدت إلى الاستيلاء على هذه الأراضي واقتراح الحلول للحيلولة دون تكرارها مستقبلاً. تخطر اللجنة أيضًا جهات التحقيق بالجرائم التي تشكل عدوانًا على المال العام وباقي جهات الدولة لتحصيل مستحقاتها. 

تضمنت أخبار الجرائد المصرية خطاب عن الانتصارات والإنجازات لأعمال لجنة استرداد الأراضي بالتوازي مع تجريم الأهالي وممارساتهم. خلقت لجنة استرداد الأراضي حالة وهمية عن حقوق الدولة، ولم تتحدث عن حقوق المواطنات/ين الذين تم تصويرهم على أنهم يحتلون أراضي تملكها الدولة. وبالرغم أن الشعار الأساسي للجنة هو «حق الشعب»، لم يتبع الشعار أي شفافية سواء في عمليات التنفيذ أو الإجراءات المسبقة في حصر الأراضي وبحث ملكيتها. فمثلًا، يحق للأهالي الشكوى والاعتراض، ولكنها عمليات تأتي بعد إخلائهم والقبض على المعترض منهم واحتجازه.

تحاول الدولة المصرية جاهدة أن تثبت للعالم ولمقرضيها أنها تسير في مسار التنمية والتطور، وأن اقتصادها ينمو ويزدهر، وينعكس ذلك على سياسياتها العمرانية. يتضح من اتباع الحكومة المصرية لسياسات الإخلاءات التفاوضية، والتي اُتبعت بالفعل في مثلث ماسبيرو، أنها مثال «ناجح» تتبعه الحكومة الآن في الإخلاءات لمناطق أبو السعود في منطقة المدابغ بمصر القديمة، ومشروع روضة السيدة في إحلال وإعادة تسكين أهالي المنطقة.

* بناء على عدد من المقابلات الشخصية من الكاتبة، مع أشخاص في مواقع مختلفة بالمشروع ومن منطقة مثلث ماسبيرو.

اعلان
 
 
أمنية خليل