قارب بينالي فينسيا: الاستعراض المتغطرس لرجل أوروبي أبيض
 
 

في نسخة العام الحالي من «بينالي فينيسيا» والتي افتتحت يوم 11 مايو وتستمر حتى 24 نوفمبر، أتى الفنان كريستوف بوشل؛ بهيكل سفينة صيد غرقت في قاع البحر المتوسط عام 2015 إلى إحدي مساحتي العرض الرئيستين، مطلقًا على هذا المشروع اسم «Barca Nostra» أو قاربنا.

اجتذب العمل، الذي هو القارب المستعاد الصدئ، تغطية إعلامية مكثفة، امتدت لما هو أبعد من الدوائر الثقافية بسبب استفزاز الكيفية التي يربط نفسه بها بمفهومي الموت والمال، وبالكثير منهما [بشكل واقعي]. أما عرض العمل في واحدة من أكثر الفعاليات المرموقة عالمًيًا، فلم يكن إلا خلفية ضخمّت من تلك الدراما المرتبطة به.

عمل بوشل جزءًا من المعرض الرئيسي للبينالي، «لعلك تحيا أوقاتًا مثيرة»  «May You Live in Interesting Times» والذي أثار بدوره نقاشات واسعة حول كونه مفككًا.

هيكل القارب الآن على اليابسة، على الواجهة البحرية لما يسمى الأرسنال، حيث تقع أحواض بناء السفن ومستودعات الأسلحة الخاصة بالمدينة، والتي مثّلت مركز الثروة المهولة لفينيسيا وأكبر مجمع صناعي في أوروبا حتى الثورة الصناعية. ما يزال الموقع محتفظًا بألقه، وما زالت قنواته  مستخدمة إلى حد كبير، لذا فإن «بارسا نوسترا» لا تسهل قراءته باعتباره فقط جزءًا من المعرض المؤقت للبينالي.

يتخفى العمل على مرأى من الجميع، حيث إنه مقام في منطقة استراحة، تقع في نقطة تتوسط أراضي المجمع الشاسعة. يطل شق المركب الذي يواجه الميناء، على حانة لتناول القهوة والمأكولات الخفيفة، ومساحة للجلوس، بالإضافة إلى غرفة الصحافة الخاصة بالبينالي –وهي نقطة واي فاي نادرة كذلك- ومجموعة من الحمامات المتنقلة. يحجب هيكل السفينة الرؤية المباشرة للقناة، وهو قريب بما يكفي ليلقي ظلًا على الناس التي تتخذ من الموقع محطة للتوقف وإعادة الشحن.

لم أتصور أن هذا الحطام كان جزءًا من المعرض الرئيسي حتى التقيت بصديق أشار إلى نقطة وراء كتفه، حيث كنا نقف تحت المطر، وسألني إن كنت قد لاحظت القارب الذي يعرضه «فنان ايسلندي صنع مسجدًا مثيرًا للجدل منذ بضعة أعوام». في 2015 مثّل بوشل ايسلندا في البينالي بمشروع اُستبعد بعد أسبوعين فقط حيث حوّل كنيسة كاثوليكية معلمنة في حي كاناريجيو الفينيسي إلى مسجد، في سياق مشروع سماه «المسجد».

على مدار الأيام الأولى من بينالي هذا العام، سمعت أرقامًا سخيفة فيما يتعلق بتكلفة مشروع بوشل. في البداية كان الرقم 2 مليون يورو، بعد ذلك بدأت في سماع مبلغ 23 مليون يورو الفاضح يجري تداوله حولي بيسر. تبين أن المبلغ الفعلي 33 مليون يورو، الـ 23 مليون يورو، مضافًا إليهم 9.5 مليون آخرين مقابل عملية الاستعادة الأصلية التي قامت بها البحرية الإيطالية. مبلغ فلكي في الأحوال كافة، حتى إن كنت لا تعلم أين تنتهي تكاليف البحث والترميم وأين تبدأ تكاليف العمل الفني ذاته. الأمر كذلك أكبر من مجرد المال، هناك مأساة إنسانية حقيقية جدًا في قلب هذا الموقف.

الكيان الغارق كان سفينة صيد تونسية بنيت في الأصل ليشغلها 15 شخصًا. لكن في 18 أبريل 2015، ترك الزورق ليبيا متجهًا إلى لامبيدوزا ثم غرق في مضيق صقلية بعد اصطدام مأساوي بسفينة شحن برتغالية كانت في طريقها فعليًا لإنقاذ سفينة الصيد. تقول تقارير إن عدد بين 700 إلى 1100 لاجئ غرقوا في هذه الليلة، في حين يحدد آخرون عدد الموتى بما يزيد قليلًا على 800. كانت «أكبر فاجعة فقد أرواح في التاريخ الحديث للمتوسط»، نجا فقط  28 شخصًا. من الصعب تخيل 100 شخص على ظهر ذلك القارب، فما بالك بأحد عشر ضعفًا لذلك الرقم. كان ذلك في 2016 حين استعادت البحرية الإيطالية الحطام وجلبته إلى صقلية للتعرف على الأجساد البشرية التي ظلت قابعة داخل البناء المعدني.

أعرف أن الكتابة عن مشروع بوشل ضد ما تقتضيه الحكمة. طلب مني أربعة أصدقاء مختلفين ألا أمنح العمل انتباهًا أكثر مما تلقاه بالفعل. لكن مشروع القارب اللعين هذا جعلني حزينة وغاضبة، ويتحتم علي مقاومة ما يفعله بوشل حتى إن عنى ذلك تغذية آلة الدعاية التي في الواقع تمثل سببًا وجيهًا للكتابة بسبب التسامح الأليف الذي استقبل به العمل في الصحافة. اقترحت صديقة تعمل كقيم فني في أمستردام أن العمل يمثل «جملة بسيطة»، مطلوبة بشدة، في بحر من أعمال فنية في البينالي تتطلب الكثير من الوقت والانتباه (ولكن حتى هي مثلت لها تكلفة الاثنين مليون يورو خطًا فاصلًا بين القبول وعدمه). الأمر هو أن القدرة على تحويل موت المئات من المهاجرين إلى عِبارة مبسطة ليست قدرة ذهنية معقدة، بل هو شعور ذوي البشرة البيضاء بالامتياز، بسياق فني أو بدونه.

بعبارة غير ملتبسة ودون التخفي في حديث محايد عن الفن، فإنني أجد عمل كريستوف بوشل «بارسا نوسترا» سوقيًا وعنيفًا بشكل مفزع. أنا مشمئزة من غفلة الفنان –بغض النظر عن كونها غفلة أصيلة أم مصطنعة- تجاه امتيازاته، ومن القيمين والمنظمين الذين مكَّنوه، وأيضًا من الضرر الذي أوقعه عمله، والذي يستمر في إحداثه، من حيث تغذيته لفكرة أن جزءًا من صفقة العمل في الفن تتطلّب الانفصال عن الحياة بدرجة ما. حتى السياق الفني لا يمكنه تقبل هذه الفكرة دفعة واحدة.

يخبرنا البيان الصحفي أن العمل يجب أن يرى «كأثر للمأساة الإنسانية وأيضًا كنصب للهجرة المعاصرة مشتبكًا مع الحدود الحقيقية والرمزية وحرية الحركة –أو انعدامها- للمعلومات والبشر»  الأمر الذي يبرز «مسؤوليتنا المشتركة في تمثيل السياسات الجمعية والسياسة التي تنتج مثل هذا الحطام.» يردد بعض الناس هذا الخواء في مديح المشروع والدفاع عنه كأنما يحتوي على معنى. لكنني متقززة من الكيفية التي صنع بها الفنان قالبًا قادرًا على تحييد أي وكل نقد يوجه إليه، من حيث كونه عملًا فنيًا في عصر الأخبار الزائفة. لكن رغم كل ذلك فأنا مصرة على محاولة نقده.

يمكنكم أن تروني متحفزة، لكني لا أظن أن هذا المشروع صادق. هذا العمل الفني لا يدور حول القارب، ولا الناس الذين ماتوا على ظهره أو بداخله. كل ما أراه هو أن بوشل يتحدى جمهوره ليشاهده وهو ينزع عن أولئك الأموات إنسانيتهم للمرة الثانية وينفق 33 مليون دولار بينما يفعلها. إنه منحدر زلق أن نجادل بأن المال المنفق على الفنون والثقافة يمكن استخدامه بأشكال أخرى، وأرجوكم لا تخطئوا المعلومات التالية على أنها محاولة لإثبات هذه النقطة، ولكن في الوقت الذي يقول فيه البيان الصحفي إن المشروع «يطرح إمكانية الاستخدام الفعال لـ بارسا نوسترا كأداة ذات أهمية سوسيولوجية وأخلاقية وتاريخية معتبرة»، دعونا نتفحص الأمر مع كيان يفعل ذلك في الحاضر ولا يصنع نصبًا لماضٍ مقحم.

طبقًا لصديقة لي تحترف الرعاية الصحية في مؤسسة تعمل مع اللاجئين فإن ميزانية بهذا الحجم باستطاعتها تمويل عيادتين –واحدة لطب الأطفال ورعاية ما قبل وبعد الولادة بما في ذلك تنظيم الأسرة والتطعيمات، وأخرى للصحة العقلية لضحايا التعذيب والعنف الجنسي بما في ذلك الأدوية المجانية- لحوالي عشر سنوات.

«بارسا نوسترا» عمل استعراضي. إنه بمثابة مشاهدة رجل أوروبي في أواسط العمر، يتدثر مجازيًا، بالموت العنيف للمهاجرين الذين لا يكلف نفسه بذكر أسمائهم ثم، وكفصل ثانِ، يحاول أن يلصق بجمهوره نوعًا من الذنب الغامض. أكره كيف يحاول بوشل توريط زوار البينالي في هذه الفوضى، حيث يضع المارة العابرين على حطام السفينة موضع الاتهام وكأنهم غير متأثرين بما حدث داخل وفوق هذه القطعة من المعدن كما يبدو عليهم. ينزع بوشل نفسه العمل من أي سياق. لا لافتات، لا إشارات توضيحية، لا نص من أي نوع. لا نُمنح أي معلومات تكفي للاشتباك أو التأمل أو الفعل أو تكوين أي فكرة مستقلة حول هذا العمل بمعزل عن الفنان ذاته. العمل جاهز بالفعل، لكن كل الطرق تقود للعودة إلى الفنان. لا أظن أن هذا العمل يثبت أي شيء أبعد من التبسيط الذي يرى به بوشل –ولا داعي لذكر القَيِّم ذاته الذي جعل هذا العمل ممكنًا- العالم.

المظهر العام للأمر سيء لأن بوشل ركبه بهذا الشكل. أي شخص سيظهر في صورة أو مقطع فيديو يرتشف البروسيكو أو الإسبريسو تحت الشمس الفينيسية، أو فقط يتجول بينما يقبع هذا القارب في الخلفية سيبدو كأنه وغد كليشيهي عديم الإحساس. زوار البينالي ليسوا غليظين بسبب تجاهلهم لقارب جلَب الموت لمئات الناس، ببساطة لأن الفشل مقدّر لنا، هذا ما أراده بوشل. الوضع كله فخ لأي شخص يقترب من هذا العمل. لكن الحقيقة هي أن الناس يبالون، الناس يقرأون الأخبار، ويمنحون مستقبلهم المهني وحيواتهم لهذه القضايا، في حين يكتفي الفنان بمجرد تسميتها. كريستوف بوشل لا يعلم شيئًا. أي شيء يمنحه الحق في كساء هذه المأساة ذهبًا ووضع اسمه عليها؟! ياللوقاحة! هذا ليس قاربنا، هذا قارب بوشل.

الأمر أني لا أرى العالم الفني منفصلًا ولا مبالي على الإطلاق. أعتقد أن الناس في هذا المجال تقودهم العواطف والدهشة والذكاء والمغامرة الإبداعية. هناك غالبًا صورة أكبر في الخلفية، حوار جمعي مع الماضي والحاضر والمستقبل، قفز بين الممارسات الفنية والمدارس الفكرية. هؤلاء الناس، الكثير ممن أعرف على الأقل، يبالون بهذه الأشياء بعمق. وإن كان العالم الفني يتحول باتجاه كونه أكثر سينيكية وانفصالًا فربما الأمر ليس قضية بنيوية. ربما للأمر علاقة بالتكييف الذاتي، الذي يملي على ذلك العالم امتصاص أي شيء يوضع داخل إطار «الفن»، حتى أكثر الأعمال الفنية سينيكية وانفصالًا عن المشاعر.

الاستعراضيون النرجسيون سيمارسون الاستعراض والنرجسية بداهة، لذا فأنا لا أتوقع أفضل –أو أي شيء آخر- من كريستوف بوشل، لكنني محبطة من عدم وجود المزيد من ردود الأفعال المضادة أو حتى الكتابة النقدية حول هذا العمل. في المقابل اكتفى الكُتاب بترديد أسطر من البيان الصحفي، أو ذكر العبارة المحفوظة المكروهة «نشر الوعي»، أو إبراز التناقض بين حطام السفينة واليخوت الراسية في الجوار، خارج حدائق البينالي. لكني أعود لأقول إن ربما كان نقص التغطية المتعمقة لمشروع الـ 33 مليون يورو هذا هو ببساطة بسبب أن أناسًا أكثر كانوا أذكى مني، واختاروا ألا يعطوا العمل –وأقصد هنا بالعمل الفنان- الانتباه الذي يشتهي حصده.

اعلان
 
 
أليكسندرا ستوك