أكبر حوت أدبي: 200 عام على مولد هرمان ميلفيل صاحب «موبي ديك»
 
 
مقطع من غلاف الرواية
 

الجميع سمع عن «موبي ديك»، الجميع يتكلّم عنها، رغم أنه ليس بالضرورة أن يكونوا قرؤوها. هذا العام تمر الذكرى المائتين لمولد كاتبها الأمريكي هرمان ميلفيل. وفي كل مناسبة لكاتب كبير من أصحاب الأعمال التي تعد كلاسكيات أدبية، يبدر إلى الذهن تساؤل عن موقع الكلاسيكيات، تحديدًا كلاسيكيات القرن التاسع عشر، من خريطة قراءتنا اليوم، ومن خريطة إنتاجنا الأدبي.

أدباء عظماء مثل تشارلز ديكنز وفكتور هوجو وليو تولستوي وفيودور دوستويفسكي خلّفوا لنا أعمالًا مهمة وضخمة مثل «أوليفر تويست» (1837) و«البؤساء» (1862) و«الحرب والسلام» (1865) و«الإخوة كارامازوف» (1880)، تركت بصمتها على عالم الأدب، كما أثرت على أجيال كاملة من الكُتّاب، لكن هل ما زالت تحتفظ بمكانها في العالم الأدبي، بعد موجات فنية متعددة، وفي زمن من النادر فيه أن تنشر أعمال تفوق سبعمائة أو ألف صفحة.

بمناسبة ذكرى مولد كاتبها المائتين؛ قررتُ قراءة أشهر سمكة أدب في التاريخ: «موبي ديك»، والتي يسمع الجميع عن قصة فتكها بساق الكابتن أهاب الذي يطاردها حتى نهاية العالم، وقد سمعتُ بدوري عنها ما جعلني متحمسًا لاستكشاف أغوارها، إلا أن قراءة «موبي ديك» لم تكن، أبدًا، بالعملية السهلة.

«من الأفضل أن يفشل المرء في البحث عن الأصالة. فالفشل هو الابتلاء الأعظم للعظمة»، قال ميلفيل، وقد فشل فشلًا ذريعًا، أو لنقل فشل النقاد والقراء حينذاك في استيعاب عمله الغريب. فمثل الحوت الضخم الذي أغرق مركب أن أليكساندر في 1851، والتي كتبت عنها كل الصحف حينذاك، دمرت «موبي ديك» حياة ميلفيل الأدبية في العام نفسه. فعندما صدرت، فتك النقاد بكتابه، ما تسبب في رفض الناشرين التعاون معه في باقي رواياته وأشعاره بعد ذلك.

كان ميلفيل قد بدأ حياته الأدبية بداية واعدة، فقد حظى بالنجاح بعد نشره رواية «خيمة الهندي» (1847) التي تقع أحداثها أيضًا في البحر و«أومو» (1847)، التي لاقت نجاحًا كبيرًا عند الجمهور، ثم ألّف «ريدبيرن» (1849)، و«ماردي» (1849) و«السترة البيضاء» (1850)، والأخيرتين لم يرض عن جودتهما، فقط كتبهما من أجل المال، وعلى عجل، ليتفرغ لتأليف عمله الأضخم: موبي ديك.

بالنسبة لوقتها، تعد «موبي ديك» عملًا ثوريًا بكل المقاييس، في زمن كان معظم القراء معتادين فيه على أعمال مثل «جين أير» (1847) لتشارلوت برونتي أو «الحرف القرمزي» (1850) لناثانيال هاوثورن أو «مدام بوفاري» (1856) لجوستاف فلوبير.

«موبي ديك» ليست رواية تقليدية.

تبدأ  الرواية، ذات الـ 720 صفحة، بالجملة الأيقونية: ادعني بإسماعيل، ليتبع القارئ بعدها مغامرات بطله صاحب الاسم غير التقليدي – فإسماعيل بالنسبة للأمريكيين أو الأوروبيين هو ابن النبي إبراهيم من هاجر المصرية، الذي نُبذ من أبيه. يسرح إسماعيل في شوارع نيوبدفورد الساحلية، ساعيًا للالتحاق بمركب تصطاد الحيتان، التجارة التي كانت مربحة في القرن التاسع عشر، ففي منتصف هذا القرن عمل نحو عشرين ألف بحار أمريكي في مجال اصطياد أسماك الحوت، فقبل اكتشاف البترول في 1859 كان ناطف الحوت هو المصدر للنور والمشحمات. يلتحق إسماعيل بمركب مُسماة على اسم قبيلة هندية قضى عليها المهاجرون البيض في أمريكا: البيكوت، هذا بعد أن يكون تعرّف على بحار إفريقي وثني. تحتوي الرواية على فقرات كثيرة ملغزة تحمل إيحاءات جنسية مثلية بين إسماعيل وصديقه.

يتلاعب ميلفيل بأساليب سردية مختلفة. مثلًا في الفصل الـ 32 يتطرق الراوي إلى عالم الحيتان، كأنه يكتب موضوع إنشاء بأسلوب ساخر، ثم في الفصل الـ 37 يخرق قاعدة أن الرواية تُروى بصوت إسماعيل، فيقدم لنا فصلًا من منظور كابتن أهاب المهووس بقتل الحوت الذي أفقده ساقه، ثم تتحوّل الرواية في الفصل الـ 40 إلى مسرحية شكسبيرية، يقدّم فيها ميلفيل حوارات البحارين فوق المركب على هيئة نصوص درامية. أما الفصل الـ 42 فيخصصه بالكامل لمعنى اللون الأبيض، تاريخيًا لم يخَف المرء من اللون الأبيض، ثم يتطرّق للبرج الأبيض في لندن، وليما البيضاء، عاصمة بيرو، ولوحوش بيضاء لعالم من القرن التاسع عشر. وطوال تلك الفصول يختفي إسماعيل، ثم يظهر مرة أخرى. يُذكر أن على مدار هذه الرواية الكبيرة، لا توجد امرأة فيها، ما عدا امرأة عجوز تظهر مرة واحدة قبل إقلاع المركب، توزّع الطعام على البحارة.

يسهب ميلفيل أحيانًا في الوصف، لدرجة كبيرة، فهو لا يتوانى مثلًا، عن التوقف كل مرة، ليشرح باستفاضة النظام الهيراركي في عملية تناول الطعام، والذي ينظّم علاقات البحارين ببعضهم، والذي يمتثل إلى الأقدمية في المركب. أو حين يمرّ إسماعيل بلوحة معلقة، فيستغرق ثلاث فقرات لوصفها، مع أنها ليست مهمة لمجرى الرواية. 

«موبي ديك» عمل طموح للغاية، فهي تحتوي على المئات من الإحالات الأدبية والمسيحية والتاريخية والعلمية. فوفقًا للباحث الألماني دانييل جوسكيه هناك على الأقل 160 عملًا أدبيًا وعلميًا ألهموا ميلفيل أثناء كتابته، منهم نصوص لبحارين، ونصوص علمية وفلسفية عن الحيتان، وكتب فلسفية لجورج فيلهلم فريدريش هيجل وجون لوك وإيمانويل كانت، بالإضافة للأساطير الإغريقية والفرعونية التي كان ميلفيل مهووسًا بها، وسير لملوك أوروبيين، إلا أن أكبر مصدرين لإلهامه كانا مسرحيات شيكسبير والعهد القديم، خاصة سفر أيوب. بعد موته اكتشف الباحثون أن سفر أيوب في نسخة ميلفيل للعهد القديم، كان أكثر كتبه المقتناة الذي يحمل علامات قراءة.

كثرة الإحالات تجعل «موبي ديك» رواية متطلبة في قراءتها، فمن المستعصي فهم فصول كاملة لميلفيل دون هوامش شرح. يمر ميلفيل على العديد من الأسماء ذات الدلالات الثقافية والمعرفية، تُعجِز عملية الاستيعاب عند القارئ إن لم يكن على دراية بها.  لنأخذ مثال، ثلاث صفحات من الفصل الخامس والثلاثين. في الصفحة الأولى يذكر ميلفيل الفارس هارولد دون أن يشرح من هو- هو بطل للشاعر لورد جورج غوردون بايرون، وفي الصفحة نفسها يحذر الراوي القارئ من أن يتعامل مع مَن يؤمن بالفايدو -أحد حوارات أفلاطون الكبيرة عن الموت، ثم يتطرق إلى مفهوم سقراط عن الموت. وفي الصفحة التالية يذكر رماد ويكليف المبعثر في كل مكان، دون أن يذكر من هو جون ويكليف (فيلسوف من القرن الرابع عشر، تم تكفيره وحرقه)، وفي الصفحة التي تليها يذكر نظريات فلسفية لديكارت في سياق إيفيه ساخر.

لا أستطيع أن أنكر أن فصول ميلفيل الإنشائية عن اصطياد الأسماك أو نظرياته الفلسفية أرهقتني، وأخرجتني مرارًا خارج إيقاع الرواية، إلا أنني لم يراودني شك وأنا أقرأ «موبي ديك» أنني أقرأ عمل يعتبر عبقرية غير مسبوقة في الأدب.

لم يجر استكشاف ميلفيل إلا مع ترجمته إلى اللغات الأوربية كالألمانية والهولندية والمجرية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، مثله مثل فرانز كافكا (1883- 1924)، الذي لم تُكتشف قيمته الأدبية، إلا بعد وفاته، وما زال النقاد والقراء يحاولون تأويل نصوصه الأدبية، مثلما تزال  فقرات كثيرة من «موبي ديك» لغزًا يستحث التأويل. لتقرأ «موبي ديك»، عليك أن تكون مستعدًا للتخلي عن أي توقعات مرتبطة بأعمال أدبية قرأها مسبقًا، لتنغمس في خرافاته. ومضطر للقول بأني، بدوري، قد فشلتُ في قراءة «موبي ديك»، وأني سلمتُ بأني لن استكشف أغواره العميقة. إلا أني رغم ذلك سعيد لأني تعرفت على أبطاله وبحرتُ في مركبه. 

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن