«يوليو» للمواطن.. أم المواطن لـ«يوليو»؟!

من متابعاتي المحدودة -بالطبع- للجدل العام حول ثورة (أو انقلاب) يوليو 1952 في مصر، يمكنني القول إن وعينا الوطني لم يتطور كثيرًا قياسًا إلى العام الماضي والأعوام السابقة عليه، كلما حلت الذكرى السنوية لذلك التحول الجذري في الحياة السياسية المصرية، والذي أدى إلى تحولات جذرية أيضًا في عدد كبير من دول المنطقة العربية، مما يجعلنا أمام يوليو عربي بالقدر نفسه.

استطرادًا لهذه النقطة الفرعية، فمما يلفت النظر أن استيلاء الجيش على السلطة وإسقاط الملكية في العراق جرى في يوليو عام 1958، وأن الجزائر حصلت على استقلالها في يوليو 1962، وكأن المصادفات الزمنية تشير إلى الارتباط الذي أشرنا إليه بين يوليو المصري، بمعنى النظام السياسي المنبثق عنه، وبين يوليو العربي، بمعنى تطبيق هذا النموذج اليوليوي المصري في الحكم والسياسة في عدد كبير من الجمهوريات العربية، تحت قيادة جماعات الضباط «الوطنيين»، سواء بدأ ذلك في بعض تلك الجمهوريات في شهر يوليو ، أم في غيره من الشهور، وهذه الجمهوريات هي العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا والجزائر، ويمكن إضافة موريتانيا والصومال ومنظمة التحرير الفلسطينية.

نعود بعد هذا الاستطراد إلى الجدل العام في مصر حول يوليو 1952، والذي قلنا إنه يثبت أن وعينا الوطني لم يتطور، مقارنة بالأعوام الماضية، فقد ظل كل فريق، بل كل شخص من السياسيين والكتاب والباحثين والناشطين تقريبًا على موقفه السابق، وكأننا نشهد حرب خنادق، يطلق فيها كلٌ نيرانه من الوضع ثابتًا، دون خطوة واحدة إلى الأمام أو الخلف؛ فمن اعتبر استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في مصر انقلابًا مشؤومًا ظل يعتبره كذلك، ومن اعتبره مؤامرة أمريكية بقى يردد الرأي نفسه، والذين رأوا فيه إجهاضًا لثورة شعبية ديمقراطية حداثية ما فتئوا يتحسرون على تلك الفرصة الضائعة، وكذلك القائلون بعظمة النظام السابق على يوليو 1952 قد استمروا في تداولهم لأساطير الأولين، وانضم إليهم عدد لا يستهان به من الهاربين الطبقيين، ممن تبوأوا المناصب والثروات طوال عهود نظام يوليو 1952 وسلالاتهم.

وبالطبع فإن هذه المقولات أقرب للدعاية المؤدلجة أو المصلحية منها للتحليل السياسي أو التوثيق التاريخي، بما أن مجمل التغيرات السياسة والاقتصادية والاجتماعية في الحقبة الناصرية تؤكد أن ما جرى هو أكبر كثيرًا من الانقلاب الكلاسيكي، حتى إن اعتبره البعض أقل من ثورة بالمعنى الكلاسيكي أيضًا، كما يشهد سجل العلاقات المصرية الأمريكية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بأن تفاهم الضباط الأحرار مع الجانب الأمريكي قبل وبعد استيلائهم على السلطة لا يمكن أن يبرر وصف ما حدث بأنه مجرد مؤامرة أمريكية، كذلك يستحيل اعتبار نظام ما قبل 1952 فردوسًا مفقودًا، مع ملاحظة أن مساوئ وإخفاقات ذلك النظام يجب أن تحسب على الرجعية والاحتلال، وليس على التيار الليبرالي المنبثق عن ثورة 1919، ممثلًا في حزب الوفد.

أما الذين دأبوا على الدفاع باستماتة عن مجمل تجربة يوليو 1952 بقيادة جمال عبدالناصر، وعلى تبرير كل سلبياتها وخطاياها، أو تفسير هذه السلبيات والخطايا بما لا يدين الرجل، فقد ظلوا بدورهم على مواقفهم، وأضافوا لها اجتهادات مفادها أن الطلب على الديمقراطية والحريات السياسية فى مصر بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن هو القضية الرئيسية في الوعي الوطني العام، ولكن كان الطلب على الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية هو الشغل الشاغل للأغلبية الغالبة من المواطنين، والقوى السياسية الجديدة، في تفسير بأثر رجعي لمقولة ميثاق العمل الوطني لعام 1962 إن: «الشعب العظيم راح يلقن طلائعه الثورية أسرار آماله الكبرى».

هنا، لا يذكر أولئك المدافعون باستماتة عن يوليو 1952، والقائلون بنقص الطلب على الديمقراطية والحريات السياسية آنذاك أن هذا الطلب كان موجودًا بالفعل بقوة، وقُمع بشدة، وبسلسلة من المؤامرات المتصلة، بدءًا بفرض الإقامة الجبرية على مصطفى النحاس باشا، الزعيم الأكبر للأمة ولليبرالية، بعد ساعة واحدة من رؤية ضباط يوليو التفاف الجماهير حوله فى أول زيارة له لضريح سعد بعد استيلائهم على السلطة، ثم ما أعقب ذلك من اعتقالات السياسيين، وتدبير مظاهرات (مناهضة للديمقراطية)، وكذلك تدبير تفجيرات لافتعال فوضى تخيف المواطنين، ثم حل الأحزاب  القائمة، وتحريم وتجريم قيام أحزاب جديدة، في ابتكار يوليوي بحت لم يكن معروفًا إلا في النظم الفاشية الصريحة -إذ لم يطبقه مثلًا مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، رغم ديكتاتوريته المؤكدة، وبالطبع لم يطبقه نهرو في الهند، التي كانت هي أيضًا حديثة الاستقلال- وفوق ذلك تم إضعاف النقابات المهنية والعمالية، وتنظيمات الطلبة، وسائر منظمات المجتمع المدني بفعل فاعل، وعن عمد وسبق إصرار.

من باب الاستطراد في هذه النقطة بالغة الأهمية -كما سيتبين توًا- فإن جميع الجمهوريات العربية التي استنسخت نظام يوليو السياسي فعلت الشيء نفسه، عدا السودان -إلا لمدة قصيرة تحت حكم جعفر النميري، لذلك بقى الشعب السوداني استثناءً في قوة وتواتر الطلب على الديمقراطية- إذ تبقى الأحزاب والمنظمات الأهلية هي الروافع الطبيعية للمشاركة الشعبية، أو لنقل إنها الهيكل العظمي للحياة السياسية القائمة على التعددية والمشاركة.

نعود مرة ثانية إلى الجدل العام في مصر حول يوليو 1952، لنجد أن أصحاب نظرية انتهاء الثورة بوفاة جمال عبدالناصر ما زالوا بمذهبهم هذا فرحين، وأصحاب النظرية القائلة بأن أنور السادات لم ينقلب على سلفه، وإنما صحح مسار تلك الثورة ما انفكوا على نظريتهم قابضين، وهنا يتجاهل الفريقان أن اختلاف التوجهات السياسية للسادات عن توجهات سلفه، لا تعني اختلافًا في طبيعة نظام الحكم، ومصادر قوته، وطريقة صنع واتخاذ القرارات فيه، واحتكاره للحياة السياسية.

والأعجب أن كثيرًا من هؤلاء وأولئك لا يمدون خطوطهم على استقامتها، ليطبقوا أسباب قبولهم أو رفضهم لما سبق على كل التطبيقات المستنسخة في السنوات الأخيرة من ذلك الماضي، أو للمطالبة بالبديل الأفضل لذلك الذي يرفضونه.

بالطبع كانت هناك مساهمات بالغة النضج والموضوعية في ذلك الجدل، من متخصصين ومثقفين بارزين، بل ومن مواطنين عاديين على شبكات التواصل الاجتماعى، ولكنها لم تكن الاتجاه الغالب، لسوء الحظ، وكان أبرز ما يميز هذه المساهمات هو استشراف المستقبل تأسيسًا على دروس الماضي، وهذا ما نود التركيز عليه ككلمة سواء يجب أن يتوافق عليها كل أولئك المتنابذون بالاتهامات حول الموقف من يوليو 1952 مصريًا وعربيًا، ففي أحسن الفروض كان الضباط الوطنيون في مصر وكل الجمهوريات العربية المذكورة آنفًا يستهدفون الاستقلال الوطني، وتحقيق النهضة والتقدم والتنمية الاقتصادية، بما يرفع من مستوى معيشة المواطن، أي كان يوليو المصري والعربي من أجل المواطن في الأصل، أو هذا هو ما كان يتصوره الضباط، ويصدقه المواطن، ولكن الذي حدث، وبغض النظر عن التفاصيل، هو أن قانون الفشل الحتمي للنظم الشمولية، الذي انطبق من قبل على الفاشية والنازية والشيوعية الستالينية، قد انطبق أيضًا على هذه النظم العربية اليوليوية، إذ في غياب المشاركة الشعبية والتعددية والمساءلة، وفي ظل فردية القرار السياسى في الداخل والخارج، يصبح الجميع أمام معادلة السلطة القوية والمجتمع الضعيف، وشيئًا فشيئًا يتحول الوضع إلى أولجاركية (حكم الأقلية) فئوية تحتكر السلطة والثروة، وتتوارث الامتيازات، فأصبح المواطن ليوليو، بدلًا من أن يكون يوليو للمواطن، كما ينبغي أن يكون، على نحو ما جرى في الجزائر، وليبيا تحت حكم معمر القذافي على وجه الخصوص، بوصفهما «النمطان المثاليان» لذلك التحول، وبعبارة أخرى؛ صار الحفاظ على هذا النمط هدفًا في حد ذاته، بحيث أصبح هو محور الصراع وميدانه منذ بزوغ القرن الحادي والعشرين على الأقل، ولسنوات عديدة تالية.

ربما يقول البعض -وهم كثر- إن الحديث عن المواطن يأتي على حساب الاهتمام بالوطن ذاته، حيث يفهم هؤلاء الوطنية على أنها التزام وقيمة في حالة تعارض دائم وأبدي مع حقوق وحريات ومستوى معيشة المواطن، ويختزل الوطن في عُرف هؤلاء غالبًا في نظام الحكم، في حين أن الوطن هو مواطنيه، وأن الضرر الذي سببته الشمولية لكل الأوطان في كل زمان ومكان في العالم كان ولا يزال أفدح بعشرات، بل بمئات وآلاف المرات، من أي ضرر قد تلحقه الديمقراطية بهذه الأوطان.

ألم يثبت أن السيد المسيح عليه السلام كان على الحق عندما قال إن السبت جُعل للإنسان، ولم يُجعل الإنسان للسبت؟وألم يثبت أيضًا أن الكهنة كانوا على باطل عندما نعوا على المسيح علاج المرضى في يوم السبت الممنوع دينيًا العمل فيه؟!

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد