بطلات محمد خان.. أحلام جيله
 
 

على عدد المرات التي شاهدت فيها فيلم «موعد على العشاء» تستوقفني دائما تلك اللحظة الآسرة التي تنساب فيها دموع نوال  بغزارة ويواصل شكري عامل الكوافير تصفيف خصلاتها متظاهرًا بأنه لا يرى الدموع التي نعلم لاحقًا أنها ستقوده إلى حتفه. هنا يكثف محمد خان مؤلف هذا الفيلم ومخرجه لحظة لا تحكي فقط عن نوال التي أهداها فيلمه بل عن كل النساء. فنساء خان يمثلن حكاية أكبر من حدود الشخصية. يعكسن وعي المخرج الذي ساهم في كتابة غالبية أفلامه وعلاقته بالواقع. وبقدر حساسية خان في التعبير عن هؤلاء النساء، بقدر ما تمكّن من التعبير عن موقفه من واقع ومستقبل وأحلام جيله.

المرأة في أفلام محمد  خان الذي رحل عنا في مثل هذا اليوم من عام 2016 عن عمر 73 عامًا، هي مفتاح فهم مشروع خان السينمائي، أيًا كان موقعها في أفلامه.

  • الرغبة| الهروب إلى الخيال قاتل

في فيلم «الرغبة» (1980) فيلمه الثاني المأخوذ عن رواية لفيتزجيرالد، وسيناريو بشير الديك، يعود البطل جابر (نور الشريف) من الحرب فاقد لقدرته الجنسية ليكتشف أن الجميع ينعمون بالرخاء الذي ضحى بنفسه من أجله بمن فيهم حبيبته التي تزوجت من أحد أثرياء الحرب الجدد الذين سيطروا على كل شيء. هو نفسه يقرر أن يكون واحدًا منهم ليستخدم نفس أدواتهم في الانتقام من الجميع. لا تبتعد سمات البطلة هنا حبيبته السابقة هالة (مديحة كامل)، كثيرًا عن سمات بطلات خان. رومانسية حالمة يتعلق قلبها بالمكان الذي شهد ذكريات حبها الأول.

تتجاهل بسذاجة كل الإشارات التي قد تقودها لكشف خيانة زوجها، مفضلة العيش منقسمة بين الخيال والرضا بواقعها دون مقاومة. وعندما يتحول الخيال إلى واقع بعودة الحبيب القديم ومحاولة استعادتها ترفضه بإصرار. الرجال في «الرغبة» سيئو التصرف عاجزون عن الحب أنانيون مسيطرون مدفوعون للانتقام، بينما البطلة الحالمة تواجه العالم بسلبية تقودها إلى خسارة كل شيء في نهاية المطاف عندما يقتل الزوج وينتحر الحبيب. نهاية تحمل في طياتها أمل مشوه عامر بالشكوك في المستقبل تجسده البطلة المرأة.

· موعد على العشاء| التضحيات طريق الأمل

في «موعد على العشاء» (1981) تأليف خان وسيناريو بشير الديك، الزوجة نوال (سعاد حسني) تعاني من جفاء زوجها عزت أبوالروس (حسين فهمي) رجل الأعمال الذي تزوجته صغيرة ووقعت في أسر عالمه المليء بالحسابات والعنف والذي يمثل طبقة اجتماعية دأب خان على انتقادها في معظم أفلامه وهي طبقة أثرياء الانفتاح.في ثوب حكاية زوج وزوجة يقدم خان بشكل غير مباشر محاكمة لطبقة يؤمن بأنها قضت على أحلام جيله لكنه يدرك أيضًا أن هذا الجيل مهما بلغ من قوة إرادة الخلاص، فإن جهوده ستفضي إلى ما يشبه الأمل المحفوف بالشكوك.

الاسكتش للفنان أدهم رجب

فالبطلة لا ينقصها الوعي بقوتها التي ظهرت في إصرارها إنهاء الزواج ورفض الاعتماد على ثروة الزوج. لكن عندما تقرر بدء حياة جديدة مع رشدي (أحمد زكي) الذي يشاركها شخصيتها الحالمة ينتهى الحلم إلى كابوس والحياة الجديدة إلى وهم لتقرر الزوجة في النهاية وضع حد للمأساة، لوجود الزوج، لوجود هذه الطبقة المتوحشة حتى لو تطلب الأمر أن تضحي بنفسها في سبيل ذلك، ليتحول المشهد الأخير، موعد العشاء المسمم، إلى عملية انتحارية تضحي فيها نوال بحياتها في سبيل القضاء على الزوج. خان الحالم يدرك أنه لم يعد هناك مكان للحلم في هذا الواقع، ولا مكان للبدء من جديد سوى بتضحيات قد لا يتمتع أصحابها بثمارها. هو يهدي فيلمه لنوال لأنها تمثله وتمثل جيله وترمز بالتحديد لموقفه من المستقبل.

  • فيلم الثأر| إنه مجرد ثأر، مجرد ديكور

في فيلم  «الثأر» (1982) من تأليفه وسيناريو فايز غالي، اختار خان أن تظهر البطلة ندى (يسرا) في مشاهد قليلة لكنها محورية. على السطح  يبدو الفيلم وكأنه ينتمي لعالم الجريمة الهوليودية حيث يحاول البطل أحمد (محمود يس) تعقب من يظنهم متورطون في جريمة اغتصاب زوجته ليعمل فيهم قانونه الخاص بديلًا عن الشرطة، فيتضح في النهاية أن ضحاياه أبرياء من دم زوجته لكنهم متورطون في جريمة نشر حبوب الهلوسة بين الشباب. بشكل ما يبدو أن خان يحاول إخفاء الحكاية الحقيقية التي تشغله وراء حبكة مثيرة. لكن في العمق تتكشف القصة الحقيقية للفيلم. فالبطل ليس سوى جندي سابق شارك في الحرب وهو يصرخ في وجه الضابط الذي لا يثق في دوره ولا دور جهازه في الثأر لزوجته قائلًا «أنا حاربت، حاربت» وهو يزين طاولة غرفة الجلوس بمجسمات قنابل يدوية ملونة حين يسأله الضابط عنها يجيب أنها «مجرد ديكور». مجرد ثأر، هي العبارة التي تظهر في تتر النهاية. فكأن الحرب التي خاضها البطل لم تكن سوى مجرد ديكور تمامًا مثل ثأره الذي نفذه في الأشخاص الخطأ.

يعود المحارب إلى واقع يملؤه تجار المخدرات الذين يستهدفون الشباب في إشارة لسرقة المستقبل الذي حارب من أجله، والمسافرون إلى الخارج لجني الأموال تاركين أبنائهم ما بين تجار مخدرات أو متعاطين ليكتشف أن كل جهده تحول إلى مجرد ديكور، مجرد ثأر.

رغم محوريتها تظهر البطلة هنا في عدد قليل من المشاهد، أغلبها من خلف كوة صغيرة، في باب غرفة المستشفى، وأبرزها في مشهد النهاية حين تظهر وقد استعادت حيويتها لكنها لا تعلم أنها في تلك اللحظة ذاتها تفقد زوجها المكبل بالأغلال في طريقه إلى السجن متهمًا بالقتل. وكأن لحظة الإنعاش الأخيرة تلك هي مجرد لحظة غياب الوعي عن واقع مرير، فكأن لحظة انتصارها على المرض، لحظة تحقيق الزوج لحلم الثأر ليست سوى وهم. إنها هي حكاية الأمل المجهض والمغتصب والوهم الذي يبدو في صورة غير حقيقته.

المرأة البطلة هنا هي رمز يؤكده قوة حضورها رغم الغياب. وهي كأغلب نساء خان ضعيفة على قوتها،  تشعر أن الرجل مسؤول عن مصيرها وعن أزمتها، لا تقوى على مقاومة الصدمة رغم محاولاتها غير المجدية التخلص من آثارها. وكأغلب رجال خان يخطئ البطل التصرف فأنت لا تسامحه على التسرع رغم يقينك بأنه مملوء بخيبة الأمل دون أن تعرف تفاصيلها، تكفيك عبارة «أنا حاربت» لتفهم إحباط خان نفسه في الواقع. بيد أن انتعاشة البطلة الأخيرة تترك انطباعًا بأمل غامض عامر بالشكوك.

  •     زوجة رجل مهم| الوعي لا يساوي إرادة الفعل

لم تعرف منى (ميرفت أمين) زوجة الرجل المهم هشام أبوالوفا (أحمد زكي) خبر إقالة زوجها من منصبه بوزارة الداخلية في فيلم «زوجة رجل مهم» (1988) تأليف وسيناريو رؤوف توفيق، سوى بعد ثلاثة أشهر ومن جارتها التي تواجهها بحقيقتها «أنتِ اللي مش عاوزة تشوفي». وربما لا نعلم على وجه الدقة هل هي فعلًا غير واعية أم أنها تقرر تجاهل قسوة وأنانية زوجها طوال حياتهما التي انتهت نهاية دموية. مع ذلك لا يمكن إعفائها من المسؤولية عما وصلت إليه وهي التي يسكنها إيمان بأن مصيرها صار مرتبطًا بمصير هذا الزوج الذي تذوب المسافات بين منصبه وشخصه. لكن حتى عندما تفكر في مسؤوليتها تلك ستجد نفسك متورطًا في سؤال، هل كانت وحدها قادرة على مواجهة كل هذا الجبروت، وحدها؟

كان من الممكن أن يقدم خان زوجة الرجل المهم كشخصية ثانوية مكملة لشخصية البطل الحقيقي، لكن النساء في أفلام خان لا يلعبون أدوارًا هامشية لاستكمال الديكور الدرامي بل كثيرًا ما تمثل المرأة في أفلام خان حكاية موازية وكأنها تعيد كل ما يريد أن يقوله بطريقة أخرى، وهو يجد في تركيبة شخصية النساء وأوضاعهن الاجتماعية صورة مثالية لقول ما يريد. في هذا الفيلم الذي تدرك مع تصاعد الأحداث أنه يوثق لانتفاضة 1977، يظهر البطل متأخرًا بينما تحتل البطلة مساحة وافرة من مشاهد البداية فتاة صغيرة ثم طالبة جامعية متيمة بعبدالحليم حافظ رمز الرومانسية والذي يهديه خان فيلمه «إهداء إلى زمن وصوت عبدالحليم حافظ». في البداية تنبهر الفتاة بقوة الضابط وسطوته، ثم تدريجيًا تكتشف أنه يستخدمها كأداة، لكنها حين تدرك حقيقة واقعها لا يكسبها هذا الوعي إرادة الفعل فهي لا تعي طريق الخلاص وتستبدله بالهروب إلى الحلم. وكمصير نساء خان تفقد الزوجة في النهاية والدها وزوجها بمسدس واحد. فأي حياة ستواجهها بعد التحرر من الشرير. نهاية أخرى من الأمل المعجون بالشك في المستقبل تمثله البطلة المرأة.

 أحلام هند وكاميليا عامرة بالشكوك

لعل عنوان «أحلام هند وكاميليا» (1989) قصة وسيناريو محمد خان، بمثابة اعتراف صريح منه بانتمائه للحلم، ولعل نهاية الفيلم بمثابة اعتراف آخر بشكوكه الكبيرة في جدواه على ما ينطوي عليه من أمل. ففيما تبدو وكأنها نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات ينتابك الشك بفعل أحداث الفيلم وتطور شخصياته بأن مستقبلًا مشرقًا قد يكون في انتظار الفتاة الصغيرة أحلام أو والدتها وصديقتها اللتان وقعتا للتو ضحية السذاجة والاستسلام للأحلام. تلعب النساء كل الأدوار المحورية في الفيلم الذي تدور أحداثه حول  خادمتين حالمتين إحداهما كاميليا (نجلاء فتحي) تتمتع بوعي كبير ليس فقط بموقعها الطبقي وإنما أيضًا بقوتها الكامنة، فيما الأخرى هند (عايدة رياض) تؤمن أن واقعها يضعها في موقع ضعيف لا فكاك منه.

كثيرًا ما تحدث خان عن أن شخصية هند مستوحاة من خادمة تربى على يديها، وأنها قريبة إلى قلبه وعالمه وربما كانت وراء جزء من شخصيته الحالمة التي يرفضها ويحبها في آن واحد. بعكس الشخصية المقابلة لها كاميليا التي تقود المسيرة في أحداث الفيلم فهي صاحبة القرار في استقلالهن وهي التي تقرر التوقف عن الخدمة في البيوت لصالح مشروعها الخاص لبيع الخضر لتتحرر من سطوة أصحاب البيوت، وهي التي تعترض بإباء على أسلوب هند في التمسح بأذيال مستخدمتها للحصول على حسنة على بوابة السجن لأنها تعي تمام الوعي أن «الرؤوس تساوت» وأن زوج المستخدمة وزوج هند عيد (أحمد زكي) اللص يقبعان في نفس الزنزانة. لكن على قوة شخصيتها ووعيها تقع كاميليا فريسة استغلال الأخ مدمن المخدرات، وتقبل بالزواج من شخص لا تحبه، ثم تخسر كل أموالها وتعود للخدمة في البيوت، وأخيرًا عندما تعثر هي وصديقتها على الأموال التي سرقها زوج هند، من الاتجار في العملة  تقعان بسذاجة فريسة سائق تاكسي لص يحتال عليهما ويجردهما من كل ما ملكتاه للتو.

لهذا عندما يعثران على الفتاة أحلام على الشاطئ في مشهد النهاية وبالرغم من تعلقك بقشة الأمل في مستقبل الصغيرة التي كادت أن تضيع تنتابك الشكوك في هذا المستقبل. تلعب المرأة هنا دور النموذج الكامل للأمل والشك في وجوده في آن واحد.

الغرقانة| تضحيات بلا ثمن

في «الغرقانة» (1993) قصة حُسن شاه، وسيناريو مصطفى محرم، يأخذنا خان بعيدًا عن عالمه المفضل، المدينة، إلى بقعة نائية من صحراء سيناء حيث مجموعة من البدو تحت سيطرة الجهل والخرافة التي تصبح البطلة وردة (نبيلة عبيد) أبرز ضحاياها. والبطلة هنا تتميز بسمات متكررة في بطلات خان فهي ساذجة تصدق سريعًا خرافات الدجال حجاب (أحمد توفيق) الذي تزوجها بعد أن قصدته ليخلصها من لعنتها رغم أنها لا تحبه ثم تنجب طفلًا مشوها يروح هو الآخر ضحية استغلال الدجال الذي يوهم الناس أنه طفل مبروك.

وهي كأغلب نساء خان لديها من الوعي ما يكفي لتدرك أنها ضحية مستغَلة لكنها لا تعرف سبيلًا لمقاومته. وهي أيضًا مثلهن رومانسية حالمة تبحث عن الحب الذي يقودها لرحمة مستغل آخر هو سعد (محمود حميدة) الذي يحولها إلى راقصة في منتجعات السياح على الجانب الآخر من سيناء حيث لا تعرفهم هي ولا أهلها البدو رغم أنهم ينعمون بخيرات أرضها وأراضيهم. ثم أنها في النهاية تروح ضحية كل أوجه سيناء السياحي منها والفقر عندما يقتلها الدجال عقابًا على خطيئة الخيانة وبعد أن تفقد أملها الوحيد في حياة طفلها المشوه. لا محاربين قدماء هنا ولا مدينة، لكن لا يمكنك أن تفصل اختيار المكان والأحداث والشخصيات عن مشروع خان. هنا أرض المعركة نفسها سيناء وهذا المآل القاحل الذي يرزح تحته أبناؤها بينما لم تعد استعادة الأرض بالنفع؛ سوى على حفنة من الأثرياء الذين تظهر آثارهم في المنتجعات الفارهة.

لا تجني البطلة نفعًا من انتقالها من فيافي سيناء إلى أحد منتجعاته سوى المصير الأليم. ولم ترزقها الأرض البكر سوى بطفل مشوه يتوهم الناس أنه بركة بينما هو مجرد طفل مريض يحتاج إلى علاج تمامًا مثلما تحتاج الأرض التي ولد فيها إلى رعاية. الفيلم في العمق أبعد ما يكون عن حدوتة بدوية تناقش أوضاع النساء وشيوع الخرافة. إنه نموذج لرؤية خان للواقع. والمرأة هنا مجددًا هي رمز للنقاء الذي يصل إلى حد السذاجة والتضحية بلا ثمن وعدم القدرة على المقاومة رغم الوعي بفداحة الاستغلال والخداع. أمل مشوه وواقع مؤلم لعل خان يعكس من خلاله واقع جيله.

بنات وسط البلد| بنات جيل الألفية

في «بنات وسط البلد» (2005) تأليف وسيناريو وسام سليمان، يبدو خان وفيًا لموضوعه المفضل في التعبير عن رؤيته للمجتمع من خلال شخصيات نسائية، فبطلات الفيلم جمانة (هند صبري) وياسمين (منة شلبي) تنتميان لطبقة تشبه إلى حد كبير طبقة هند وكاميليا. تعمل واحدة منهما عاملة في صالون لتصفيف الشعر والأخرى في محل ملابس في إحدى المولات الراقية. لا يتخلى خان هنا عن ملامح الواقعية الجديدة في جعل شوارع مدينة القاهرة مسرحه الأساسي، حيث مترو الأنفاق يحتل المساحة الأكبر من مشاهد الفيلم وهو الذي يشهد ولادة الصداقة بين البطلتين ولقائهما بشابين تقعان في غرامهما.

يرسم خان من خلال سيناريو وسام سليمان معالم شخصياته: فتاتان في مطلع الألفية تجدان نفسيهما في واقع اجتماعي ضاغط يفرض عليهما العمل في وظائف غير مستقرة وبلا مستقبل، وهما مقيدتان بشروط مجتمع محافظ يحاكمهما بقسوة، وبينما تتلخص أحلامهما في العثور على الحب الذي يفضي بالضرورة إلى الزواج فإن الكذب والادعاء هو الوسيلة الوحيدة التي تريان أنه طريقهما لتحقيق أحلامهما. لكن البطلتين هنا على ما تواجهنا من صعوبات تبدوان أكثر واقعية وأقل سذاجه من غالبية بطلات خان فلا حب بلا ثمن ولا وعي بلا قدرة على الفعل. واعيتان بموقعهما الطبقي لكنهما تجدان الوسيلة لتجاوز أزماتهما ولو بالحيلة.

هنا يبدو خان وكأنه يتأمل من مسافة جيلًا جديدًا يتمتع بمفردات مختلفة عن تلك التي كان عليها جيله. ربما لهذا السبب يقرر أخيرًا أن لا يقتل بطلتيه، وأن لا يصنع لها نهاية مفرغة تدورا بداخلها بين اليأس والأمل، ولا أن يعلقهما في أهداب الماضي الحالم. تتزوج إحدى البطلتين وتعثر الأخرى على وظيفة الأحلام لينتهي الفيلم بنهاية سعيدة. فهل كان خان مقتنعًا بنهايته السعيدة تلك؟ ربما كان الوصول لها قفزًا ودون مقدمات يشير إلى أن النهاية ليست نابعة من قناعة راسخة بقدر ما تعبر عن تسليم  خان بأمل ما قد تأتي به الأجيال الجديدة على طريقتها وليس على طريقته.

 قبل زحمة الصيف| كلمة خان الأخيرة

من الصعب مقارنة فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف» (2015) تأليف غادة شهبندر وفكرة محمد خان، بمجمل أعماله السينمائية التي تتصدر بطولتها النساء. فبعد مرور خمس سنوات على ثورة 2011، يختار خان أن تنتمي بطلته هالة (هنا شيحة) لطبقة البرجوازيين الجدد سكان المنتجعات. والمشاهد هنا أغلبها على الشاطئ أو داخل الشاليهات المغلقة على أصحابها بينما الشوارع لا تعدو أن تكون الطريق القصير إلى بائع السمك القريب من الكومباوند. لكن يُبقى خان عينيه مفتوحة على أزمات النساء الاجتماعية فبطلاته ما بين مطلقة ممزقة بين رعاية الأبناء من زواج سابق وبين الرغبة في تحقيق أحلام الحب، بينما الحبيب يعمل ممثلًا ثانويًا غير متحقق، لا يبدو جادًا في مبادلتها المشاعر بقدر تركيزه  على الوصول بأي ثمن ولو على أكتاف النساء، وبين زوجة رجل مهم هو مدير المستشفى الدكتور يحيى القاضي (ماجد الكدواني) واحد من الأثرياء الجدد الذي يقوده الطمع إلى تصدر عناوين الصحف بفضيحة مهنية.

يبدو خان هنا وكأنه استسلم للتأمل من مسافة مآلات مجتمعات لا ينتمي إليها وواقع لا يمت بصلة لأحلام جيله، وربما استسلم أيضًا لشباك التذاكر متنازلًا بذلك عن رؤيته الخاصة لتركيبة الشخصيات النسائية في أفلامه. فالفيلم عامر بالصور النمطية للزوجة النكدية السمينة والسيدة المطلقة التي يلهث الجميع خلف تفاصيل جسدها العاري بما فيهم جمعة (أحمد داوود) المجند الذي يقضي أجازته في العمل كحارس للكومباوند نيابة عن شقيقه.

لا يتعاطف المشاهد مع أي من شخصيات «قبل زحمة الصيف» الذي لا يبدو أن خان نفسه متعاطف معها بقدر ما يتأملها من بعيد، فيما عدا شخصية جمعة الذي ينتمي لطبقة مختلفة والذي وضعته ظروفه في خدمة سكان الكومباوند. هنا لا يتخلى خان عن استخدام خلطته المعتادة في رسم معالم مجتمع كامل من خلال امرأة، لكن شعوره المرتبك تجاه المجتمع بعد خمس سنوات من ثورة مربكة تعكسه نهاية الفيلم التي تحفر مسافة هائلة بين عالمين، عالم سكان الكومباوند الذي عاد كل واحد منهم إلى حياته الخالية من المعضلات ودون خسائر تذكر على شاطئ إسكندرية جديدة على عالم خان لا يعرفها ولعلها لا تعرفه. إسكندرية معزولة عن شوارعها التي ظهرت في أغلب أفلامه، بينما على الجانب الآخر لا يزال المجند جمعة تحت الشمس يحاول إيقاف سيارة لتأخذه إلى مبتغاه. هنا لا ينهي خان فيلمه بمشهد أخير للبطلة، وإنما لشخصية ثانوية تحكي حكاية حلم صغير مختنق في حلق خان، بينما الواقع أكبر منه بكثير. لعلها كلمة خان الأخيرة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن