«عسكرة وسيطرة»: ما فعلته التعديلات الدستورية في السلطة القضائية
 
 

في اليوم التالي للموافقة الرسمية على التعديلات الدستورية في أبريل الماضي، أرسل وزير العدل لرؤساء الجهات والهيئات القضائية مشروعي قانونين، يعدل أولهما قانون السلطة القضائية وطريقة تعيين رؤساء كل من: مجلس الدولة، والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، والقضاء العسكري. أما المشروع الثاني فكان يخص إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية بعضوية رؤساء تلك الجهات ورئاسة رئيس الجمهورية.

مع المشروعين، أرفق وزير العدل خطابًا موجهًا لرئيس كل جهة أو هيئة يطالبه بإبداء رأيه فيهما، وبحسب مصدر قضائي، رد عليه واحد على اﻷقل من رؤساء الجهات القضائية، مستفسرًا عن أسباب إدراج القضاء العسكري ضمن المشروعين، ودخوله المجلس الأعلى للقضاء، ليرد الوزير بدوره بأن المشروعين هما تنفيذ للالتزام الوارد في المادة 185 من الدستور المعدل.

صدر القانون اﻷول بالفعل في 26 يونيو الماضي، فيما أرجأ البرلمان إقرار القانون الثاني لما بعد تسمية رئيس الجمهورية لرؤساء الجهات والهيئات الجدد.

عدد من القضاة والقانونيين الذين تحدثوا مع «مدى مصر» رأوا أن التعديلات الدستورية، وما تلاها من قوانين تخص السلطة القضائية، ثبتت أقدام القوات المسلحة -أحد أكثر مؤسسات السلطة التنفيذية نفوذًا- داخل السلطة القضائية، فضلًا عن تحويلها محاكمة المدنيين عسكريًا إلى أمر طبيعي، بدلًا من كونه استثناءً.

كان تعديل المادة 185 من الدستور تضمن النص على تشكيل مجلس أعلى للجهات والهيئات القضائية، برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، والنائب العام، بالإضافة إلى «رؤساء الجهات والهيئات القضائية»، دون أن يتم تحديد تلك الجهات والهيئات على سبيل الحصر.

يقول نائب رئيس مجلس الدولة، طلب عدم ذكر اسمه، إن الحكومة فاجأت الجميع باستغلال «مطاطية» عبارات مادة السلطة القضائية في التعديل الدستوري لتضم القضاء العسكري إلى مجلس الجهات والهيئات القضائية، باعتباره جهة قضائية.

واعتبر المصدر أن السرعة التي تم بها إعداد القوانين الخاصة بالسلطة القضائية بعد إقرار التعديلات الدستورية، كانت «ترجمة مبكرة للهدف الرئيسي من وراء تعديل الدستور»، فيما كشف التبكير بانضمام القضاء العسكري لمجلس الجهات والهيئات القضائية عن «رغبة الجيش في اقتسام مهام القضاء المدني، لتفويت أية فرصة لصدور أحكام قضائية تعوق هذه السيطرة».

أحد أعضاء لجنة الخبراء العشرة لكتابة دستور 2014 قال لـ «مدى مصر» إن رغبة القضاء العسكري في الانضمام لمظلة السلطة القضائية، وتوسعه في محاكمة المدنيين، التي تحققها الحكومة حاليًا بمشروعات السلطة القضائية، وما سيتبعها من تعديلات في قوانين القضاء العسكري وحماية المنشآت، ظهرت للمرة اﻷولى وقت وضع دستور 2012.

كان رئيس هيئة القضاء العسكرى قد طالب الجمعية التأسيسية لدستور 2012 بوضع النصوص الخاصة بالقضاء العسكرى فى باب السلطة القضائية، إلى جانب النص على جواز محاكمة المدنيين عسكريًا، وهو ما رفضته الجمعية التأسيسية وقتها، مكتفية بتعريف القضاء العسكري كجهة قضائية مستقلة، وبالنص على سلطته في محاكمة المدنيين في «الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة»، مع التأكيد على توفير جميع الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء الجهات القضائية، لأعضاء القضاء العسكري، إلى جانب الاستقلال وعدم قابليتهم للعزل.

وفي حين قال المصدر السابق إن اقتراح انضمام القضاء العسكري للسلطة القضائية لم يتم طرحه أثناء النقاشات التي تمت بخصوص التعديلات الدستورية الأخيرة، أكد أن هذا الاقتراح لم يكن مطروحًا من اﻷساس وقت إعداد دستور 2014، بل أنه لم يكن مطروحًا حتى وقت التعديلات التي أدخلها الرئيس اﻷسبق حسني مبارك على قانون القضاء العسكري عام 2007.

كان مبارك قد أصدر في 2007 قانونًا يغير اسم قانون «الأحكام العسكرية» إلى «القضاء العسكري»، وعرفه بالجهة القضائية المستقلة، قبل أن يصدر في 2008 قانونًا بإنشاء مجلس الهيئات القضائية، والذي يتشابه مع المجلس اﻷعلى للجهات والهيئات الذي نصت عليه التعديلات الدستورية اﻷخيرة، غير أن مبارك لم يضم القضاء العسكري لهذا المجلس، رغم تعريفه كجهة قضائية.

وبحسب المصدر الذي شارك في كتابة دستور 2014، كان الاتجاه وقت كتابته أن يتم حذف تعريف القضاء العسكري وصلاحياته في محاكمة المدنيين من الدستور، والاكتفاء بالنص على أن ينظم القانون اختصاصاته، غير أن الإبقاء على التعريف والصلاحيات تم كنوع من المجاملة للجيش، نظرًا لدوره بعد 30 يونيو 2013 من ناحية، ومن ناحية أخرى، لطمأنة من يحاكم أمامه، وخاصة من المدنيين، إلى أنه يحاكم أمام قضاة يقفون على الحياد، لأن المعروف، بحسب المصدر، أن الجيش تحكمه الأوامر، والقاضي العسكري يخضع لأوامر رؤسائه.

«اللي هما عايزينه هيمشي وما حدش هيعترض، سواء على انضمام القضاء العسكري للسلطة القضائية، أو على منح رئيس الجمهورية حق الفيتو في ما يخص كل شؤون القضاة من تعيينات وترقية وندب وخلافه»، كان هذا رأي أحد نواب رئيس محكمة النقض، والذي تحدث لـ «مدى مصر»، مشترطًا عدم ذكر اسمه.

وبحسب التعديلات الدستورية الأخيرة، سيكون لرئيس الجمهورية القول الفصل في اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وتحديد شروط التعيينات الجديدة في كل الجهات والهيئات باستثناء، القضاء العسكري والمحكمة الدستورية العليا، فضلًا عن تحديد عدد من يتم ترقيتهم في كل وظيفة من الوظائف القضائية، وقواعد ندب القضاة.

فيما لفت نائب رئيس النقض إلى أن تلك المعطيات ستجعل القضاة يمارسون عملهم متخذين من التقرب من السلطة هدفًا، ليس فقط على مستوى كبار المستشارين، الذين سيختار منهم الرئيس من يترأس الجهات والهيئات القضائية، وإنما أيضًا على مستوى المعينين الجدد في كل جهة قضائية، فبحسب المصدر، سيعمل الجميع وهو يعرف أن الجهات الأمنية تعد تقريرًا سنويًا عن أدائه.

وتوقع المصدر أن نصل في وقت قريب إلى أن القضاة لن يصدروا أحكامًا لصالح الناس، وأن كل قضايا الناس ضد الدولة سيتم رفضها، متسائلًا: «من القاضي الذي لديه استعداد لكي يصنف كمعارض».

من جهته، أكد اللواء أحمد العوضي، وكيل لجنة الدفاع واﻷمن القومي في البرلمان، أن القضاء العسكري هو جهة قضائية مستقلة، ورئيسه وأعضائه متساوون مع رؤساء وأعضاء الجهات والهيئات القضائية منذ عام 2007، وأنه يتكون من محاكم ودرجات قضائية مختلفة شأن القضاء العادي، ويتم الطعن في أحكامه شأن أحكام باقي الجهات القضائية.

واعتبر العوضي أن الجديد الذي حملته التعديلات الدستورية الأخيرة لا يزيد عن انضمامه للمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية الجديد، ومساواة رئيسه مع رؤساء تلك الجهات في طريقة التعيين.

اللافت أن وكيل آخر للجنة الدفاع واﻷمن القومي، وهو اللواء يحيى كدواني، رفض، ردًا على سؤال من «مدى مصر»، أن يحدد اسم رئيس هيئة القضاء العسكري الحالي، أو موعد إحالته للتقاعد، مؤكدا أن القوات المسلحة لها نظام خاص وقوانين خاصة وهي المسؤولة عن التصريح بتلك البيانات، وغير مستحب لأي جهة الحديث عنها.

نائب رئيس مجلس الدولة رأى أنه ليس من باب المصادفة تزامن توسيع صلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، مع التغير في التعامل مع القضاء العسكري؛ من هيئة تابعة إلى وزارة الدفاع إلى كونه جزء أصيل من السلطة القضائية، معتبرًا أن كل هذا يعني تحول القضاء العسكري، من قضاء «خاص» بالعسكريين و«استثنائي» للمدنيين، إلى قضاء عادي يحاكم أمامه المدنيين بوصفه قاضيهم الطبيعي.

كانت التعديلات الدستورية اﻷخيرة قد تضمنت توسيعًا لصلاحيات القضاء العسكري في محاكمة المدنيين، لتحذف من المادة 204 كلمة «مباشرًا» من جملة «الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو ما في حكمها»، مع إضافة «المنشآت التي تتولى القوات المسلحة حمايتها» للقائمة التي يجوز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري حال الاعتداء عليها.

أحد نواب رئيس المحكمة الدستورية، الذي تحدث مع «مدى مصر»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، قال إن حذف كلمة مباشرًا من مادة القضاء العسكري، قد يفتح الباب لتأويلات لا نهائية للتهم التي سيحاكم المدنيين بسببها أمام القضاء العسكري، فيما تحقق إضافة عبارة «المنشآت التي يتولى الجيش حمايتها» للمادة نفسها، هدفًا أكثر وضوحًا، وهو استمرار «الوظيفة الاستثنائية» للجيش في مشاركة الشرطة لمهامها في حفظ اﻷمن وحماية منشآت الدولة الحيوية، وفي إلقاء القبض على المدنيين وإحالتهم للقضاء العسكري أيضًا.

كانت مشاركة الجيش للشرطة في مهام حفظ اﻷمن بدأت عقب انسحاب اﻷخيرة من الشوارع في يناير 2011، وتولي المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد، قبل أن تقنن تلك المشاركة في يناير 2013، بإصدار الرئيس الأسبق محمد مرسي قانون «اشتراك القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية بالدولة» الذي ينص على أن «تدعم» القوات المسلحة قوات الشرطة في أداء مهمتها، حتى انتهاء الانتخابات التشريعية، وكلما طلب رئيس الجمهورية منها ذلك، مع التأكيد على اختصاص القضاء العادي بنظر الوقائع أو المخالفات التي يرصدها رجال الجيش، وهو ما تغير بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في يونيو 2014.

في أكتوبر 2014 أصدر السيسي قانون تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية، والذي نص على أن تتولى القوات المسلحة معاونة الشرطة في تأمين المنشآت الحيوية، مع توسيع نطاق تلك المنشآت لتشمل «محطات وشبكات أبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق والكبارى وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة وما يدخل فى حكمها»، على أن تعد جميعها منشآت عسكرية طوال فترة تأمينها، وهي عامين من تاريخ سريان القانون، الذي نص كذلك على أن تخضع الجرائم التي تقع ضد تلك المنشآت لاختصاص القضاء العسكري، وأن تحيل النيابة العامة تلك القضايا للنيابة العسكرية.

كان مفترضًا أن تنتهي مدة العامين، التي نص عليها القانون، في 28 أكتوبر 2016، قبل أن يقرر السيسي في أغسطس من العام نفسه مدها خمسة سنوات، لتنتهي في أكتوبر 2021.

هذا التحديد الزمني كان من ضمن ما استندت إليه المحكمة الدستورية العليا، في حكم أصدرته في 14 أكتوبر 2016، بعدم اختصاص القضاء العسكري في نظر قضايا التظاهر والتجمهر، في ظل تطبيق قانون حماية المنشآت، مؤكدة على أن حماية القوات المسلحة للمنشآت والمرافق العامة هو أمر «مؤقت»، وأن إحالة الجرائم المرتكبة من المدنيين إلى القضاء العسكري يحكمها ثلاثة شروط صريحة ومحددة، هي: أن يمثل الفعل اعتداءً «مباشرًا» على أي من تلك المنشآت أو المرافق أو الممتلكات العامة، وأن يكون قد وقع حال تأمين القوات المسلحة لتلك المنشآت «تأمينًا فعليًا وليس حكميًا»، وأن يكون الفعل معاقبًا عليه في قانون العقوبات أو القوانين المنظمة للمنشآت أو المرافق أو الممتلكات العامة.

حكم الدستورية، بحسب نائب رئيسها، كان السبب في عدم الاكتفاء بقانون حماية المنشآت، واللجوء إلى التعديل اﻷخير في مادة القضاء العسكري في الدستور، وهو ما يستلزم تعديلًا جديدًا في قانون حماية المنشآت، يلغي تحديد مدة تطبيقه، ليتم العمل به بشكل دائم.

وفيما يقول نائب رئيس المحكمة الدستورية إن قانون تأمين المنشآت الحيوية كان بمثابة بداية الاستفادة من تعريف القضاء العسكري باعتباره «جهة قضائية» ﻷول مرة في دستور 2012، يقول نائب رئيس مجلس الدولة إن أحدًا لم يتصور حين تم هذا التغيير، وحتى بعد مناقشة التعديلات الدستورية اﻷخيرة وإقرارها، أن يترتب عليه مساواة القضاء العسكري بالمدني، خاصة وأن التعديلات اﻷخيرة لم تتضمن نقل مادة القضاء العسكري إلى مواد السلطة القضائية، وإنما أبقت عليها كما هي ضمن مواد القوات المسلحة.

من جانبه، يرى اللواء العوضي أن الظروف الحالية، وما تتعرض له البلاد من مخاطر، يتطلب إعطاء كل الصلاحيات للقوات المسلحة، بوصفها القوة القادرة على فرض المصلحة العليا للدولة وردع المعتدين.

في الوقت نفسه، يؤكد العوضي على أن القضاء العسكري لا يرغب في محاكمة المدنيين من اﻷساس، مدللًا على ذلك بتعديل قانون القضاء العسكري، بناء على طلب قدمه رئيس هيئة القضاء العسكري لمجلس الشعب، أثناء حكم الإخوان المسلمين، بحذف المادة التي تنص على اختصاصه في محاكمة المدنيين في ظل تطبيق قانون الطوارئ.

وكانت المادة قبل إلغائها تعطي لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أيًا من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر.

أما بحسب نائب رئيس المحكمة الدستورية، فإن تعديل مادة القضاء العسكري في الدستور، وما يتبعها من قوانين، لا يعني فقط اقتسام القضاء العسكري لمهام القضاء المدني، وإنما يعني كذلك «دسترة سيطرة» الجيش على مهام القضاء والشرطة معًا.

فيما رأى نائب رئيس محكمة النقض أنه في ظل انتهاك الثوابت القضائية، لا توجد معايير نقيس عليها مدى فداحة انضمام القضاء العسكري، الذي هو جزء من السلطة التنفيذية، إلى السلطة القضائية، مضيفًا أن القضاء المستعجل الذي يشكل من مستشار واحد حديث التخرج أصبح يصدر أحكامًا وقرارات نهائية في أمور ليست من اختصاصه.

وبحسب المصدر نفسه، لم يعد ممكنًا عمليًا الحديث عن استقلال القضاء منذ صدور قانون الهيئات القضائية، الذي أعطى للرئيس سلطة اختيار رؤساء الجهات والمحاكم العليا التي تنظر في مظالم المواطنين من قراراته.

الرأي اﻷخير أيده رئيس إحدى دوائر القضاء الإداري، مؤكدًا لـ«مدى مصر» أن استقلال القضاء انتهى، والرهان على استقلال القاضي وحده في مواجهة السلطة التنفيذية وفي مواجهة من تختارهم لإدارة القضاء.

اعلان