بصَّ شُوفْ وردة بتعمل إيه
الذكرى الـ 80 لميلاد وردة
 
 
 

أغلب مَن سمع وردة يعلم أن قوة صوتها المتردد بين الطرب والدلع لا تعبّر إلا عن الحب. وردة هي المُجاهِرة؛ تعلن مشاعرها الفياضة غناءً، ربما لهذا أحاطت أساطير كثيرة بها. طال العُمْر بوردة فتوكي، 73 عامًا، عاصرها جيلان، وأجيال ستسمعها. ففي 22 يوليو 1939، وُلدت في فرنسا، وفي 17 مايو 2012 تتوفي في مصر ثم تُدفن بالجزائر.

تُعرف في مصر بـ «وردة الجزائرية»، لكن كل تراثها الذي نسمعه بالعامية المصرية، عدا تسجيلات بالدارجة الجزائرية لأغنيات سجلها التلفزيون الرسمي ببلدها. لم يسمعها المصريون تخالف نطقهم، تدربت جيدًا على ألا تبدو غريبة عنهم رغم نسبتها لبلد آخر. 

كل الدراما الممكنة تأخذ مواقعها في حياة وردة؛ ولادة في بلد المُحتِل ثم النضال ضده والغربة والنفي والثورة والحرب الأهلية ومنعها من الغناء مرات لأسباب سياسية، ومرة بفعل سلطة الزوج والعائلة، وخسائر شخصية، ثم احتباس الصوت بعد وعكة صحية. يجري كل ذلك تحت الأضواء وعلى ألحان ألّفها كبار ملحني الموسيقى الشرقية. ربما بسبب الدراما تتوالد الأساطير عن وردة، وتُدمج في سيرتها من قِبل محبيها، كأن صوتها -وطربيات الدلال فيه- يساهم في شحذ الخيال حولها؛ بقوة هذه الخيالات وعشق وردة يكتب هاني درويش حول أفكاره عنها والأساطير المحيطة بها قبل وفاتها بعامين: «أسألكم بدلًا من [أن] أسألها فهي بعيدة بعد ذلك الزمن الذي كنا نخال فيها بليغ يعزف على جسدها المشتهى، فلا يمكن أن يكون كل ذلك الوله إلا نتاج نبيذ فاخر وبحر ممتد وشراشف بيضاء». في المقابل لم يحب الكثيرون وردة لأنها شعبوية. لكن الناس أذواق. 

حياة تضمّ كل الدراما الممكنة، لكن الغناء هو لحنها الرئيسي. في سن مبكر تغنّي في المطعم الذي افتتحه والداها، جزائري ولبنانية مقيمان في فرنسا. يبدآن في مطعم صغير، ثم يتوسع نشاطهما فينتقلان إلى آخر أكبر وهو Tamtam [اسم موسيقي يضمّ الحروف الأولى بالفرنسية من بلاد المغرب العربي] والذي كان يحتوي على الصالة التي ستشهد أول عروض وردة الغنائية. هناك ستغنّي لمطربين عرب حضروا للمطعم منهن صباح وفريد الأطرش ومحمد فوزي.

لنتخيّل وردة الصغيرة ووالدها يقتربان من سريرها، يهمسان باسمها فتصحو من النوم لتغنّي لأهل المغنى. تبدو حكاية عن مشاق الطفولة، لكنها تبرر ذلك بأنها كانت تفعل ما تحب وتساعد أهلها كذلك.

يُغلق المطعم وتهرب العائلة للبنان، تبرر وردة ذلك بضلوع والدها محمد فتوكي في نشاط المقاومة الجزائرية، دون أن توضح طبيعة علاقته بالمقاومة. بينما يُرجع رياض، نجل وردة، هروب والدته إلى صدور حكمين بإعدامها هي وجده، الأخير لتستره على مخازن سلاح تابعة للمقاومة، ووردة لغنائها للمقاومة أيضًا ودعمها معنويًا.  

تسافر العائلة إلى لبنان، أو «أرض الأم» كما تسميها وردة التي تلقت عرضًا وقتها للغناء في مطعم طانيوس. 

في المطعم اللبناني، يسمعها الكثيرون، منهم رجل سيتزوجها فيما بعد، والملحن محمد عبد الوهاب، والمخرج حلمي رفلة والذي سيعرض عليها بطولة فيلمه الجديد «ألمظ وعبده الحامولي» [سيُعرض في 1962]. 

ملابس ألمظ في الفيلم – تصميم شادي عبد السلام

في هذه الفترة كانت وردة تتمثّل أم كلثوم، خاصة أن بعضًا من أغان «ألمظ» من تلحين رياض السنباطي الذي كان يلحن لأم كلثوم أيضًا.

يصعب تخيّل وردة مقلدة، إلا أن سيرتها تضم مراحل عدة. تغيّرت كثيرًا، وقدمت ألوانًا مختلفة، كانت تبحث عن طريق في بلد جديد عليها.

تظهر وردة في «وطني الأكبر» (1960) حينما يأمر جمال عبد الناصر عبد الوهاب بضمّ الصوت المعبّر عن الثورة الجزائرية للأغنية المصورة.. هكذا عُرفت وردة فنيًا.

لا تبقى حبيسة هذا الوصف، تتحوّل عند عودتها في السبعينيات إلى صوت يعبّر بلا مواربة أو خجل عن أفكار ومشاعر هذه المرأة. وردة هي صوت الحب الأنثوي، التي تحرك حياتها قرارات -في الأغلب- من اختيارها إلا قليلًا حينما استسلمت لسلطة العائلة، وإن تمردت عليها بعد ذلك. 

المغنية التي تتحدث اللغتين الفرنسية والعربية، والأخيرة تتنقل فيها بين ثلاثة طُرق في النطق؛ جزائرية ولبنانية ومصرية، هذه تفاصيل جانبية ولغوية في مشوارها الفني الذي سينقطع فجأة بزواجها الأول من جمال قصري، الذي كان يسمعها في المطعم اللبناني قبل نجوميتها في القاهرة.

يحدث الزواج تنفيذًا لوعد والدها للرجل. هكذا تترك طريق النجومية وتسافر مع زوجها الجزائري في 1963 للإقامة في بلدهما. 

تعترف بأنها جُذبت إلى صورة جمال قصري، فهو عسكري ومناضل ضد الاحتلال الفرنسي. 

في منزل الزواج الجزائري، تغنّي وهي تغسل الأطباق، تشير إلى أن البقعة التي وُضع بها حوض المطبخ توفّر لصوتها صدىً جيدًا، بعد أن كانت نجمة واعدة في القاهرة.

تحدث العودة للفن بما يفوق سلطات الزوج؛ عندما يتدخل رئيس الجمهورية الجزائرية الذي يريدها أن تغنّي في عيد الاستقلال العاشر؛ 1972.

تحكي عن إنقاذ هواري بومدين لها: «كلمني في التليفون قالي: أنا سي هواري.. قلت له: هواري مين؟ قالي لي: أنا هواري.. هواري بومدين.. قلت له آه أيوة يا فندم عاوز إيه؟ .. أهلًا مرحبًا .. أي كلام مجاملة.. وقالي اعطيني السباع ديالك.. همّا يتفهموا همّا وأنا ماليش دَعوى». [«السباع» أي السبع/ الأسد، 11و«ديالك» أي الذي يخصك].    

يُختار بليغ حمدي للتلحين، ثم تُخير وردة بين الغناء والزواج، فتقرر أن تغنّي بعد انقطاع نحو عشر سنوات.

بعد عودتها للغناء في الجزائر، يسعى بليغ حمدي لتهيئة أجواء رجوعها إلى القاهرة، وضمن محاولاته استهدف الكلمات الأولى من أغنية جديدة بعنوان «العيون السود» التي اتفق محمد حمزة مبدئيًا مع نجاة على كتابتها.

 يحكي الشاعر ناقلًا عن بليغ: «الكلام اللي انت كاتبه عند نجاة ده قصة حياتي، أو قصة حبي مع وردة.. قلتُ له عايز إيه يا بليغ؟».. هكذا يكمّل حمزة كتابة الأغنية لتغنيها وردة، فتغضب نجاة ويتزوج بليغ وردة. حمزة يشير إلى اتخاذ نجاة لخطوات قانونية وتوقف وردة عن غناء «العيون السود» لفترة. لكن بليغ وحمزة يتمكنان من تجاوز أزمتهما مع نجاة بشكل ودي، فيقدم لها حمزة أغنية جديدة، كما يفعل عادة، ثم يتجدّد عملهم سويًا.

حس شعبوي مبهج

التصور بأن وردة تتجلى في موسيقى بليغ وحده هو تصور ظالم لأن صوتها يتناغم مع ألحان كثيرين منهم رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وكمال الطويل ومحمد الموجي وسيد مكاوي وحلمي بكر وصلاح الشرنوبي.

تنسجم وردة أكثر مع شعبوية بليغ كأنها تحول الأغاني إلى مهرجان على المسرح، تضحك وتقسم وترتجل، تصنع مزِاجًا مختلفًا مضيفة آهات أكثر، أو كلمات مثل «يا سلام»، أو ترقص أو تعلق. وتحوّل الأغنية لحوار بينها وبين الجمهور، مثل فترات الصمت بين كلمات أغنية «اسمعوني» في حفلها بالجزائر؛ بين «اسمعوني» و«بقولكم إيه» تصمت وتحرك يديها مشجعة الجمهور على الرد، ثم يزيد تقسيم الأغنية، فتتصنع الإنصات وهي تقول كأنها تسألهم «بتقولوا إيه». أما «خليك هنا»، فتحوّلها لأسئلة وأجوبة منتظرة الرد؛ «قولتوا إيه؟». غنّت الأغنيتين في الجزائر، ويبدو أن أداءها في الحفلات الجزائرية يزيد فيه التقسيم، ويتحوّل إلى طبقات من الطربيات والمزمزة، وذلك مع الحفاظ على النطق المصري. 

في حفل تغنّي «أوقاتي بتحلو» من تلحين سيد مكاوي فتدعو بليغ للصعود للمسرح، وتقبّله مبررة ذلك لجمهورها قائلة: «مَشَفتُش من شهر.. شهر مَشفتُش». ثم تشرد وهي تغني ناظرة إلى الصالة، وتفلت منها «يا أختي»، ثم تكمّل الغناء، أتخيّل أن بليغ كان يغادر الصالة وقتها. 

الأغنية نفسها مؤلفة في الأصل لأم كلثوم قبل وفاتها، رغم ذلك لم يكن بليغ متحمسًا لتعاونها مع مكاوي، تتحدث وردة: «نجحنا كتير.. [بليغ] مكنش عايز أروح في الطريق ده كتير».

حينما تُسأل عن عبد الوهاب فتجيب بقولها إنه علمها الكثير؛ النطق والغناء، تقصد أن تغنّي للمصريين بلهجتهم، إلا أنها تتمرد عليه أيضًا، فتحكي عن غضبه منها بعد حفل غنّت فيه «في يوم وليلة»، تقول إنه خاطبها غاضبًا: «إيه اللي هَببتيه ده»، توضح أنها حينما غنّت في الحفل لم تلتزم بطريقة عبد الوهاب في الغناء التي كانت تلتزم بها في البروفة «خليتها وردوية، وليس وهابية». 

مع كل مرة أسمع أو أرى الأغنية أخمن إذا كان الأداء قد يغضب عبد الوهاب أم لا.

الأغنية كان من المفترض أن تغنّيها في الأصل السورية ميادة الحناوي. لكن حدث خلاف بين الملحن والمطربة فصارت لوردة.. هكذا كانت سيرة الغناء في زمن تألق وردة، أغنيات كثيرة تُكتب بالأصل لمطربات ثم تغنيها أخريات، وستقدم بعضهن رسائل للبعض الآخر في الأغنيات كذلك. 

رمزيات الورد البصرية

في النصف الأخير من السبعينيات تجد وردة الطريق المنشودة؛ تتحرّر في حفلاتها كأنها تود أن تنفلت من الكلاسيكية، ساعية لأن تكون ودودة أو للدقة حبوبة أكثر، لا تخجل من عاطفيتها المفرطة. 

تفيض المشاعر من وردة وتعبّر عن حسّ مختلف؛ الحب والدراما والبساطة والكلام العادي جدًا، صوت وردة قوي، يطرب بدلال، هو حس يطرب على ألحان الموسيقى الشرقية.. هكذا ينتقل الصوت بين الدراما والعاطفية المتطرفة والبهجة والرقص. 

وردة تتجلى لجمهورها في ألوان، تتوسع في ألوان ملابسها وجواهرها. لكّن مخرجي حفلاتها الليلية يتمعنون في تصويرها، وتقريب الكاميرات منها، ثم القطع مع انتقال لصور ورود مزروعة في حدائق صُورت صباحًا أو الورود المثبتة على المسرح.. هكذا تُحشر في تسجيلات أغانيها صدمات بصرية تلعب على رمزيات ومجازات بصرية بين صوتها ومعنى اسمها.

أما في تسجيلات حفلات مصرية فيُقال لها: «عظمة على عظمة على عظمة يا ست»، وهذا بدا مفتعلًا لارتباط التعليق بست أخرى وهي أم كلثوم، ولم يتكرر كثيرًا. بينما ما يميّز تسجيلات الحفلات هتاف السميعة: «بُصّ شُوفْ وردة بتعمل إيه».  

كم سنة يعيش الحب؟

تدافع أغنية ولاد الحلال عن الزمان؛ «الزمان إيه والسنين ده إحنا يا ناس طيبين». موجهة الاتهام لـ «ولاد الحلال». لكنها تبدو كرسالة عن وجود أزمات في بيت وردة وبليغ، بسبب «ولاد حلال». يتجلى بليغ في الأغنية مقسمًا إياها بين الكريشندو الدرامي الصاعد، والمقسوم الشرقي الراقص في الجزء الأخير، الذي يحلّ مرحبًا بقرار المطربة بأن تكون الليالي الحلوة للحبيبين فقط وليست سهرات مع «ولاد الحلال».

تتحدث عن تقديم بليغ للورد لها يوميًا ثم تصمت مفكرة «أكيد كان بيلعب بديله».

يقع الطلاق في 1979، بعد نحو سبع سنوات.

حينما تُسأل عن دوام العشق: «يعيش لكم سنة؟ سبع؟» فتجيب [ بعد الدقيقة 24]: «يمكن أقل كمان.. 3 بس». ثم تصف بليغ، الوصف الأكثر تحفظًا والذي تكرره في أكثر من حوار، بأنه «زوج فاشل»، كما توضح أنه «بوهيمي فنان عايش في بحره».

بعد الطلاق يسافر لسورية، مقدمًا مع ميادة الحناوي «الحب اللي كان» في عام الطلاق، ثم «فاتت سنة». ستُعتبر الأغنيتان رسالتين لوردة، مثلما قيل من قبل عن «أنساك» (1961) «بعيد عنك» (1965) لأم كلثوم، في فترة انقطاعها عن الغناء الأولى أثناء زواجها بالجزائر.

بعد الانفصال يقدم بليغ برنامجًا ويستضيف وردة، يغنيان سويًا «تخونوه»، يُقال إنها أول لحن أحبته من تأليفه، ثم «العيون السود»، وهي الأغنية التي جمعت بينهما.

وداع ثم انسلاخ

آخر أغنية لوردة تحمل توقيع بليغ هي «بودعك»، المغرقة في الدراما وموسيقاها جنائزية وترية، كأن كل شيء في الأغنية رثاء أو ختام قصة.

يكتبها بليغ في منفاه ويكملها منصور الشادي. يهرب لفرنسا بعد صدور حكم حبسه سنة غيابيًا في قضية وفاة المغربية سميرة مليان.

بحسب مقال كتبه مؤمن المحمدي، فإن الأغنية سببها عدم اتصال وردة ببليغ في عيده ميلاده.  

حسنًا، وردة لا تخجل من فيضان المشاعر، لكن المارش هنا لم يُطعم بالموال الشعبي أو المصرية/ الشرقية، بل هو جنائزي حزين دون نقلات فرحة، رغم أنها أغنية عن عيد ميلاد الملحن، وكانت مفاجئة له حسبما يشير المحمدي الذي يوضح أن اتفاقًا جرى بين منتج الأغنية محسن جابر ووردة على أن تغنّي: «سنة حلوة يا بليغ»، لكنها قالت: «يا سعيد».

الصمت يقطع الموسيقى، يمكن سماع فجوات كبيرة من الصمت في النسيج الموسيقي. دراما كبيرة، الرجل هارب من السجن، لأن الشرطة وجدت جثمان سيدة أسفل بيته وكانت من ضيوفه، وهو لا يفكر إلا في وردة التي لم تتصل به يوم ميلاده، بليغ أيضًا فيّاض المشاعر.

نعود للأغنية، اللحن يرد على كل كلمة، يحاوطها، مكملًا للمعنى. كلمة ثم موسيقى.. هكذا قُسمت، التكرار قوامها. تصرّ الأغنية على توديع الدنيا مع مَن تودعه، ثم تقرر وردة الاعتزال بعدها، بحسب المنتج محسن جابر الذي يحكي عن محاولات إقناعها بالعودة للغناء. كان هذا الانقطاع الثاني في حياتها الفنية. 

تعود وردة بـ «بتونس بيك» وتتوالى مسيرة الانسلاخ عن المرحلة السابقة. 

تسير في طريق جديدة، بينما تصنع زلزالًا من البهجة، أغنية وراء الأخرى في مصر. بينما تغنّي خلال الحرب الأهلية في الجزائر مقيمة حفلات وسط ظروف إطلاق النار وحظر التجوال. 

يكتب صلاح باديس عن الأغاني التي قُدمت للتلفزيون الرسمي، وهي أعمال لم تُعرف خارج الجزائر، أغلبها «وطني»، وتغنّيها لمجاملة الشعراء والملحنين، حتى إن تسجيلات حفلات الجزائر أغلبها للأغاني المصرية.

ثم تتابع الانسلاخ لتقدّم مع محسن جابر منتجًا وصلاح الشرنوبي ملحنًا ألبومات.

هكذا تسقط وردة أوراقها القديمة، وتظهر في شكل جديد؛ بهجة ودلع وحب للحياة. تجدّد المسيرة وتنبت لها أوراق أكثر شبابًا.

تقول إن النجاح يحدث بعد بليغ، وتعدّد الملحنين الذين عملت معهم تذكر منهم سيد مكاوي، حلمي بكر ثم «شرنوبي في الآخر لما قلبنا الصفحة»، لكنها تؤكد أن الصفحة قُلبت على «خير»، واصفة ما جرى بالانتقال من الأغاني الطويلة، إلى الأغاني القصيرة لحد ما، مضيفة أن «المهم مَبعدش عن اللي بحبه أنا». في هذه المرحلة تسعى وردة لجذب مستمعين جدد، تقول: «كان هدفي.. [بل من] أمنياتي.. وحَصل». ثم تشرح: «طالما فن حلو. بتونس بيك.. فيها كلام.. هدوء حتى رقصتها هادية.. حرمت أحبك جنان.. بتحدى العالم». 

في هذه الفترة، تتجسد علاقة تبادلية؛ شعراء ومنتجون وملحنون يريدون أن ترتبط أسماؤهم بوردة، وهي تريد أن تستمر فيما تحب؛ الغناء. لكن على هامش هذه العلاقة التبادلية تمكنت من حثّ الجميع على الرقص، الناس في السيارات والشابات في التليفزيون، والفتيات في الأفراح، خاصة «حرمت أحبك». 

وردة في التسعينيات كانت عنوانًا للبهجة، أجواء الكليبات الغامضة، السلاسل الحديدية المُدلاة من أسقف الأستديوهات، والفتيات الشابات اللاتي يرقصن حول هذه السيدة المتأججة بالحياة، أكبر منهن لكنها تبثّ فيهن ما يحركهن ويسعدهن لم تكن ترتدي عباءة أو ألوان وقورة، كانت تتجمل بالألوان، تهزّ جسدها، ترقص. في هذا العقد تعتزل الفنانات، وتنتشر تنويعات وفتاوٍ حول حُرمة الفن. أما وردة فكانت مبهجة، تغنّي وترقص بلا تحفظ. 

تحب الحياة، وتجذب شبان المستمعين كذلك.

تطلب في الحوارات المسجلة أن تُنادى وتُقدم هكذا: وردة، بلا لقب «ست» يسبق الإسم ولا جنسية تالية له. حينما تُسأل عن حفاوة لا تنساها في حفل، فتبدأ الكلام بتوقعها أن المصريين سيغضبون، مراعية لرد فعل جمهور سريع الغضب، فهي تعلمت كيف تحتويه مثل طفل. هكذا تمهد لحديثها عن حفل بعلبك في لبنان 2005.

الحفل كان بعد خضوعها لعملتين جراحيتين دقيقتين، واحدة منهما أدت لتوقفها فترة عن الغناء، لكنها لم تنس أن تقدم لنا أغنية مناسبة للوداع؛ مشاعر هادئة، لا تخلو من هزّات وبهجة خافتة، «أيام». 

تنطقها بنُطق غير مصري؛ فتقول بالدارجة الجزائرية: «إيّام». الأغنية صُورت بعد رحيل وردة، إهداء من عائلتها لسيرة محبوبتهم. 

تُحدثنا عن الزمن الذي يتحرك موحيًا لنا أن حركته مجرد أيام، فلا ننتبه إلى أن الفُرص تفوتنا، وتنفض سيرتنا. لكن سيرة وردة وأثرها سيبقيان.

اعتمدت الكتابة على حوارات أُجريت مع وردة، ومشاهدة وسماع تسجيلات لحفلاتها، وبعض المقالات: 

حوار هكذا أنا، 2011، من إنتاج mbc

حلقة من برنامج اللعب مع الكبار، التليفزيون المصري، تقديم بسمة وهبي.

نص هاني درويش الذي نشره على فيسبوك ثم أعاد موقع «معازف» نشره بعد رحيل درويش.

وردة: تجلي الكيتش المصري في الأداء مقال إسماعيل فايد بـ «معازف».

«وردة بدون بليغ» مقال صلاح باديس، بـ «معازف».

حوار مع المنتج محسن جابر

«بـ أودعك.. سنة حلوة يا بليغ» مقال مؤمن المحمدي بـ «مبتدا». 

حوار مع الشاعر محمد حمزة

حوار آخر مع حمزة.

قصة 5 أغاني لوردة إحداها بأمر عبد الناصر وأخرى تسببت في خلاف مع نجاة لبهاء حجازي

رسائل بليغ السرية لنانسي حبيب

اعلان
 
 
أحمد وائل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن