العالم رواية بوليسية| 3- «هكذا كانت الوحدة» لخوسيه مياس
 
 

«العالم رواية بوليسية» هو برنامج قراءة من سلسلة «كوكبة»، من تنسيق أمير زكي، يقترح علينا فيه منظورًا جديدًا للأدب البوليسي الذي جرى التعامل معه بوصفه أقل قيمة، نقرأه في فترة حياتية مبكرة ثم ننتقل إلى أدب أعمق وأرفع. في أربع حلقات يستكشف أربع روايات، تتميز بقيمتها الفنية، وباستخدام كُتابها العنصر البوليسي، من أجل جذب القارئ، أو مساعدته للدخول إلى عالمهم غير المألوف، مقتفيًا أثر شخصية المحقق في كل منها. اضغط/ي هنا لقراءة مقدمة البرنامج والحلقة الأولى عن رواية «يوميات نائب في الأرياف»، وهنا لقراءة الحلقة الثانية عن رواية «مولوي» لصمويل بيكيت.

ربما لو بحثت على الإنترنت باللغة الإنجليزية عن الأديب الإسباني خوان خوسيه مياس لن تجد مادة توازي اسمه الكبير، ولكن في العربية، صار مياس أديبًا متحققًا وبارزًا في وقت قصير، تتزايد ترجماته وينتظرها القراء، والسبب في ذلك يعود إلى رواية «هكذا كانت الوحدة»، الرواية التي ترجمتها ناريمان الشاملي ونُشرت في سلسلة الجوائز عام 2009.

لفترة، ظلت «هكذا كانت الوحدة» بالنسبة لي الرواية التي يجب أن تكون متسلحًا بها في بدايات علاقاتك، الكثير من الفتيات يحببن الرواية، لذلك ينبغي عليك قراءتها والإعجاب بها، والتحدث عنها كواحدة من رواياتك المفضلة. واحتاج مني الأمر بعض الوقت حتى أستوعب تمامًا جمال الرواية وأبعادها خارج هذا التصنيف، احتاج مني الأمر إعادة قراءتها، وكذلك قراءة العديد من أعمال مياس. 

يفتتح مياس روايته باقتباس من رواية التحول/المسخ لكافكا، «أكان يرغب فعلًا في أن يدع الغرفة الدافئة المفروشة على نحو مريح بأثاث موروث تتحول إلى كهف، يكون من شأنه هو أن يزحف فيه بلا إزعاج نحو كل الاتجاهات طبعًا، ولكن مع نسيانه، في آن، ماضيه الإنساني نسيانًا كليًا سريعًا؟» ليبدأ أول تقابل يجري في الرواية، المكونة من سلسلة من التقابلات، إلى جانب من سلسلة من القرناء. 

التقابل الأول يجري بين جريجور سامسا في «المسخ» وإيلينا في روايتنا، الإثنان يخوضان عملية تحول، ولكن بينما نبدأ قصة «المسخ» بموقف غريب يمر به سامسا، ثم يحاول أن يُطبِّع الموقف الغريب مع حياته العادية، تسعى إيلينا للعكس، تخوض عملية التحول من العادية إلى الغرابة، وفي مجمل الرواية، يكون هذا بحس أكثر إيجابية عن رواية كافكا. 

إيلينا في الثالثة والأربعين، تعيش فترة منتصف العمر، زوجة لرجل أعمال، لا تخرج كثيرًا من المنزل، تدمن الحشيش، منفصلة حتى عن حياة أقرب الناس إليها، زوجها وابنتها وأمها، تفتقد «نقاط الوصل» بحسب التعبير المذكور في الرواية. 

تبدأ الرواية بأن تعرف إيلينا خبر وفاة أمها مرسيدس، حين تلقت النبأ كانت تنزع الشعر عن قدمها اليمنى، بالطبع توقفت عن استكمال العملية، ولم تنزع الشعر عن قدمها اليسرى، ولكنها كانت تستوعب تمامًا عادية هذه اللحظة: «بدا أنها تأكدت من الفكرة القديمة.. من أن موت أمها، عندما سيحدث، سيكون مجرد إجراء بيروقراطي».

يشبه هذا البرود النسبي البرود الذي اتسم به ميرسو، بطل رواية «الغريب» لألبير كامو، حين عرف بموت أمه في بداية الرواية، هذا البرود الذي استُغل ضده في المحاكمة فيما بعد. ولكن لا يبدو من حياة إيلينا أن هناك حدثًا كبيرًا قادمًا، أمها ماتت والمراسم البيروقراطية تمر، حتى أنها قالت لأحد المعزين «تخيل، كنت أنزع شعر ساقي». 

لم تخرج الرواية من التفاصيل العادية سواء للقارئ أو لإيلينا نفسها إلا بإدخال عنصر المحقق. ليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها مياس عناصر من الروايات البوليسية، إذ استخدمها في رواية مبكرة وهي «الورقة المبتلة» (لم تترجم إلى العربية)، ورغم أن رواية «من الظل» لم تضم عناصر بوليسية مباشرة، إلا أنها اعتمدت على فكرة «التلصص» وهي من ممارسات المحققين.

شكَّت إيلينا في أن زوجها يخونها، ما جعلها تتواصل مع مكتب محققين لتتلقى تقارير عن تحركات الزوج وحتى تؤكد لنفسها الخيانة. بالتوازي مع ذلك عثرت إيرينا على مذكرات أمها، التي بدأت كتابتها في الثالثة والأربعين، نفس عمر إيلينا حاليًا، في تقابل جديد. كان العثور على المذكرات هو الدلالة الحقيقية لمكانة الأم في حياة إيلينا، وليس موتها.

مما ذكرته الأم في يومياتها حكاية استمعت لها وهي صغيرة عن أن كل مخلوق على الأرض له قرين يسكن الجهة المقابلة، يمشي وينام ويتألم في الوقت نفسه. وهي حكاية محورية في الرواية، ولكن إيلينا لا تحتاج إلى قرين يوجد على الجانب الأخر من الأرض، إذ أن أمها هي القرين هنا. ووسط التشابه والتشابك بين حياتي الابنة والأم، نحتاج إلى عنصر وسيط يفض هذا الاشتباك، والوسيط هنا هو المحقق.

طلبت إيلينا من المحقق، ذي التقارير المبدئية المحايدة، أن يكون أكثر ذاتية في كتابته، أن يتورط بنفسه في السرد، لنكتشف أنه في السادسة والأربعين، نفس عمر الزوج، ولكن في مقابل نجاح الزوج في عالم الأعمال، يعتبر المحقق خبير جنائي فاشل، يقول المحقق عن الزوج في تقريره: «هو في حالات كثيرة نيجاتيف لي، وضد». تستمر لعبة التقابلات عند مياس، إيلينا، نفسها، متقمصة شخصية العميل المجهول الذي يطلب التقارير، تتحول هي نفسها إلى وسيط يساعد المحقق في إدراك ذاته.

يتغير الوضع بالنسبة لإيلينا في الجزء الثاني من الرواية، بدلًا من الاكتفاء بقراءة يوميات الأم، تبدأ إيلينا كتابة يومياتها، وبدلًا من تكليف المحقق بمراقبة زوجها تطالبه بأن يراقبها هي نفسها.

«بما أنني كلفت المحقق بأن يكون ذاتيًا جدًا، فهو يقول أشياء عني كنت أجهلها، هذا فضلًا عن أنه يسليني كثيرًا، يعيد بنائي بعض الشيء، ويعمل على إشغالي، ويعيد لي صورة وحدوية وصلبة عن نفسي، فالآن أرى أن جزءًا كبيرًا من حزني السابق كان يأتي من حقيقة شعوري ككائن مشتت، اهتماماته كانت متناثرة أو معلَّقة في أماكن لم تكن تخصه».

يقول أجاوو-كاكرابا، الناقد المختص بالأدب الأسباني: «إدخال تقارير المحقق في نص إيلينا مهم للبطلة لأن التقارير مكنتها من تحديد شكل ذاتها الجديدة المدرك من خلال مرآة الآخر».

ساعدت التقارير إيلينا على الوصول لإدراك جديد لنفسها، كانت العين الأخرى التي جعلتها تنظر لحياتها بطريقة مختلفة. هجرت زوجها، وأقلعت عن الحشيش، وتوقفت عن تلقي تقارير المحقق، وبدأت تكتب يومياتها للتعبير عن ذاتيتها الخاصة.

عادة ما نقرأ الروايات الأدبية للسبب نفسه الذي يجعل إيلينا بحاجة لتقارير المحقق، لننفصل عن الواقع نعم، ولكن أيضًا لنقرأ عن شخصيات تشبهنا، وتعطينا منظورًا جديدًا لحياتنا، هكذا احتاجت إيلينا هذه التقارير، احتاجت أن تدس شخصيتها في رواية بوليسية راويها محقق، لتفهم نفسها وتَحَوُّلها بشكل أفضل، ثم تتوقف عن هذه القراءة، وتكتفي من حياتها السابقة وتبدأ في كتابة يومياتها الخاصة وخوض حياتها الجديدة.

اعلان