قانون «التأمينات الموحد».. عودة وهمية لأموال المعاشات
 
 

على عجل، ناقشت لجنة القوى العاملة بالبرلمان قانون التأمينات الاجتماعية الموحد الذي استغرق إعداده خمس سنوات، لإقراره قبل انتهاء الدورة البرلمانية التي تم مدها بضعة أيام إضافية لتمرير عدد من القوانين من بينها «التأمينات»، قبل أن ينتهي دور الانعقاد منتصف الأسبوع الماضي.

لكن لماذا تسن الحكومة تشريعًا جديدًا للتأمينات الاجتماعية؟ فيما يوجد أربعة قوانين رئيسية تحكم نظام التأمينات الاجتماعية في مصر ، وهي:

  • قانون التأمين الاجتماعي رقم 79 لسنة 1975.
  • القانون رقم 108 لسنة 1976 للتأمين الاجتماعي على أصحاب الأعمال ومن في حكمهم.
  •  القانون رقم 50 لسنة 1978 للتأمين على المصريين العاملين بالخارج.
  • القانون 112 لسنة 1980 للتأمين الشامل، وهو معني بالأساس بالعمالة غير الرسمية والحرفيين والعمالة الموسمية ومن في حكمهم.

في القانون الجديد ضمت وزارة التضامن، التي أعدت القانون، تلك القوانين الأربعة في قانون واحد، مكون من 12 بابًا و 199 مادة، وأطلقت عليه قانون التأمينات الاجتماعية الموحد، مع تعديلات نسبية في بعض المواد القديمة، واستحداث بابين (الثاني والتاسع)، والمتعلقين بتنظيم أموال التأمينات.

تمثل أموال التأمينات مجموع المبالغ التي يتم تحصيلها من أصحاب العمل ومن العاملين المؤمن عليهم، كنسبة مقتطعة من رواتبهم، في شكل اشتراكات شهرية طوال فترة الخدمة في الوظيفة أو العمل، ليحصل عليها العامل أو الموظف كمعاش عقب انتهاء مدة الخدمة والتقاعد. ويتم ادخار حصيلة اشتراكات المؤمن عليهم في صناديق استثمارية مختلفة لضمان تنمية موارد سداد مستحقات أصحاب المعاشات.

والحقيقية أن البابين المنظمين لأموال التأمينات هما كلمة السر للإجابة على السؤال المتعلق بالقانون الجديد: لماذا تسن الحكومة قانونًا جديدًا للتأمينات؟ حيث يتناول البابان آليات فك التشابكات المالية بين وزارة المالية (الخزانة العامة للدولة) وصناديق التأمينات والمعاشات، وكذلك آليات استثمار هذه الأموال.

ولمعرفة مدى فاعلية الآليات التي يقرها القانون الجديد في فك هذه التشابكات وإعادة أموال التأمينات لصناديقها الأصلية لا بد أن نعرف أولًا ما هي هذه التشابكات وكيف حدثت في عام 2005، عن طريق ضم الأموال الخاصة بصناديق التأمينات الاجتماعية إلى الموازنة العامة، وصدور قرار بأن يكون وزير المالية هو الوزير المختص بتنفيذ تشريعات التأمين الاجتماعي بدلًا من وزير التأمينات.

وقرر وزير المالية، في ذلك الوقت، يوسف بطرس غالي، صرف المعاشات من الخزانة العامة وليس من عائدات اﻷموال الاستثمارية. ثم أضاف غالي العمليات المالية الخاصة بتلك الصناديق إلى العمليات المالية لقطاع الموازنة العامة للدولة، ومعهما بنك الاستثمار القومي، في حساب بنكي موحد بداية من يوليو 2006.

ومن خلال ذلك اعتمد غالي على أموال صناديق التأمينات لتمويل عجز الموازنة العامة، واكتفى بسداد فوائد هذه الأموال للصناديق لتتمكن من صرف المعاشات للمستحقين.

ومن ذلك الحين والمالية تستحوذ على أموال التأمينات، وبعد فشل عدد من محاولات لإعادة الأموال لحوزة هيئة التأمينات الاجتماعية، جاء القانون الجديد، الذي أقره البرلمان الأسبوع الماضي، لينهي مديونية المالية للهيئة، ولكن دون أن ترد المالية فعليًا المبلغ المستحق عليها لصناديق المعاشات لتستثمره بالشكل الذي تراه مناسبًا، وإنما تم إسقاط المديونية بناءً على اتفاق مالي.

 ينص الاتفاق المالي أن ترد وزارة المالية أموال صناديق التأمينات على مدى 50 سنة، وبالمقابل تتحمل الهيئة مسؤولية المعاشات كاملة، كما يلزم الاتفاق الهيئة باستثمار أموالها على نحو يعود بالفائدة على الخزانة العامة مرة أخرى، كما يتضح من السطور التالية.

تنص المادة 16 من القانون الجديد على «استثمار نسبة لا تقل عن 75% من احتياطيات الأموال (الخاصة بهيئة التأمينات) في أذون وسندات الخزانة العامة، ويجوز تخفيض هذه النسبة إلى 65%، باتفاق بين التأمينات الاجتماعية ووزير المالية، وفقًا للقواعد التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون».

  ويعني ذلك أن القانون الجديد يلزم الهيئة باستثمار ثلاثة أرباع الأموال، التي يفترض أن وزارة المالية سوف تردها إليها (عبر 50 سنة)، في أدوات الدين الحكومي، وبذلك تعيد وزارة المالية اقتراض 75% من هذه الأموال عبر السندات وأذون الخزانة.

بينما تجيز المادة 17 من القانون للهيئة العامة للتأمينات تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين، وكذلك يمكنها إنشاء صندوق للاستثمارات العقارية، ما يعني أن القانون يطلق يد الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية في استثمار 25% فقط من أموالها في المجالات التي تختارها، والتي يمكنها بها فعليًا تنمية مواردها لتحمل سداد المعاشات التي تتزايد تكلفتها بشكل مطرد.

ويقول نائب رئيس اتحاد أصحاب المعاشات، منير سليمان، إن القانون جاء لهدف وحيد وهو تقنين استحواذ «المالية» على أموال التأمينات الاجتماعية، بدلًا من استردادها لصالح الهيئة العامة للتأمينات لاستثمارها لصالح أصحاب المعاشات، وليس لصالح الموازنة العامة ككل.

ويؤكد سليمان أن «المالية» حينما استحوذت على أموال صناديق التأمينات والمعاشات في عام 2005 أصدرت بموجبها صكوكًا [الصك ورقة مالية توثق وضع الدائن والمدين ويدفع عنها فوائد]، وبعد 14 عامًا يأتي القانون الجديد ليغير شكل أموال التأمينات التي أخذتها وزارة المالية من صكوك لأذون خزانة وسندات.

ويصل إجمالي أموال التأمينات-وفقًا لنائب رئيس اتحاد المعاشات- إلى نحو 851 مليار جنيه، منها 696 مليار أوراق مالية مختلفة مستثمرة من قبل وزارة المالية، بفائدة 9%، والباقي مودع لدى بنك الاستثمار بفائدة 11%.

  ويتراوح سعر الفائدة على أذون الخزانة بين 15.4% و17.6% وفقا لآخر طرح للمالية على حسب مدة الاستدانة.

تلاعب الحكومة بمسألة مديونية أموال التأمينات يطل علينا من الباب التاسع للقانون، والذي يحمل عنوان «الخزانة العامة»، وينص في أحد مواده على أن «أموال التأمين الاجتماعي أموالًا خاصة وتتمتع بجميع أوجه الحماية المقررة للأموال العامة، وعوائدها حق للمستفيدين منها».

ويعني هذا النص أن أموال التأمينات ملك خاص لأصحاب المعاشات لأنها في الأساس مخصومة من رواتبهم خلال مدة خدمتهم في العمل (في صورة اشتراكات تأمينية)، والملكية الخاصة لهذه الأموال لا تسقط عنها آليات حماية المال العام، فتخضع عمليات الإنفاق والتحصيل والاستثمار لهذه الأموال للرقابة والمحاسبة التي تخضع لها الأموال العامة، من قبل الجهات الرقابية والمحاسبية المختلفة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات.

وفي هذا الباب يضع القانون جدولًا ﻹعادة أموال التأمينات لصناديق المعاشات والتأمينات والهيئة العامة للتأمينات، والذي تلتزم فيه وزارة المالية بسداد قسط سنوي قيمته 160.5 مليار جنيه يزيد بشكل مركب بنسبة 5.7% سنويًا ولمدة 50 سنة ويعاد النظر في قيمة الأقساط بعد 30 عامًا، وتلتزم الخزانة العامة بسداد القسط السنوي على أن يتم تجزئته إلى 12 قسطًا، تحصل شهريًا.

وفي الوقت الذي ألزم فيه «الباب التاسع» من القانون وزارة المالية بسداد الأقساط، فقد أخلى مسؤوليتها من سداد المعاشات نفسها، وأسقط عنها كامل المديونية المستحقة على الخزانة العامة لصالح صندوقي التأمين الاجتماعي (العام والخاص) قبل تاريخ العمل بالقانون، بما فيها قيمة الصكوك التي كانت الخزانة العامة قد أصدرتها لصالح الصناديق في السابق، ومديونية بنك الاستثمار القومي للصناديق.

أي أنه بموجب مواد هذا الباب فإن وزارة المالية تصبح غير ملزمة بدفع المستحقات الشهرية لأصحاب المعاشات ولا تقع عليها أية أعباء مالية أخرى، سوى الأقساط، على أن تتحمل الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية سداد مستحقات أصحاب المعاشات الشهرية البالغة نحو 156 مليار جنيه سنويًا (وفقًا لاتحاد أصحاب المعاشات)، بالإضافة إلى تحمل الهيئة المديونية المستحقة لصناديق التأمينات، والمفترض أن تسددها أيضًا من الأقساط التي تحصل عليها لمدة 50 سنة.

ويقول المستشار القانوني لاتحاد أصحاب المعاشات، عبدالغفار مغاوري، إن القانون مقدم من جهة يعتبرها أصحاب المعاشات في الأساس خصم لهم (وزارة التضامن)، فهي الجهة التي تستشكل على زيادة المعاشات الشهرية بضم علاوات سابقة مستحقة بالرغم من إقرار القضاء بأحقية أصحاب المعاشات فيها، كما أنها هي الجهة التي وافقت من البداية على التخلي عن أموال التأمينات والتنازل عنها لوزارة المالية.

 ويؤكد مغاوري أنه في ظل إلزام القانون للهيئة باستثمار 75% من أموالها في أدوات الدين الحكومي، سيصبح لا سبيل لسداد مستحقات أصحاب المعاشات الشهرية سوى من اشتراكات المؤمن عليهم الموجودين في الخدمة، بالإضافة للعوائد على  أذون الخزانة، وهو ما لا يتيح تكوين احتياطيات جيدة من أموال التأمينات الاجتماعية لاستثمارها في مشروعات.

ويرى مغاوري أن بنود القانون التي تتناول تشكيل مجلس إدارة هيئة التأمينات تكشف عن رغبة الحكومة في الاستحواذ الدائم على أموال التأمينات والانفراد بالقرارات الخاصة بها، حيث يبلغ عدد أعضاء مجلس الإدارة 15 عضوًا،  ثلاثة منهم فقط يمثلون أصحاب المعاشات والباقي حكوميين.

ويصف عبدالغفار القانون في مجمله بأنه غير عادل و مجحف، ويوضح أنه لم يُطرح للنقاش المجتمعي مع أصحاب المعاشات.

نائب رئيس اتحاد المعاشات، منير سليمان، يرفض من جانبه القانون جملة وتفصيلًا، مؤكدًا أنه إذا كان البرلمان قد مرره بشكل نهائي فإن الاتحاد  سيتجه لمطالبة رئيس الجمهورية بعدم التصديق عليه، وحال تجاهل السيسي لدعوات الاتحاد بعدم التصديق فسيتم الطعن على القانون بعدم الدستورية، نظرًا لأن القانون الذي ناقشه البرلمان يخالف المادة 17 من الدستور المصري، التي تنص على استقلالية الهيئة العامة للمعاشات الاجتماعية، في حين يسند هذا القانون تبعيتها لوزارة التضامن.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل