الجماهير المصرية في «الأمم الإفريقية».. شيءٌ ما تغير
 
 
صورة للجماهير من موقع الاتحاد الإفريقي
 

بمجرد وصولنا إلى ملعب المباراة، لاقينا زحامًا شديدًا علي الأبواب يعيد إلى الأذهان زحام الجماهير قبل مباريات القمة التي لم تعتد عليها العاصمة منذ سنوات. الجميع يتحدث عن سوء التنظيم، فلم يتوقع رجال الأمن هذا الإقبال علي مباراة لا تشارك فيها مصر. كثيرون يتحدثون على أنهم لم يواجهوا مثل تلك المصاعب أثناء حضورهم مباريات المنتخب الوطني في البطولة.

المباراة بين منتخبي السنغال والجزائر، والتي أصبحت حديث القاصي والداني من مشجعي الكرة في مصر منذ إعلان القرعة ووقوع الفريقين في نفس المجموعة التي تلعب مبارياتها على استاد الدفاع الجوي بالقاهرة. على صفحات التواصل الاجتماعي، تحدث كثير من الجماهير عن حضورهم للمباراة. ولم نختلف عنهم أنا وأصدقائي. قررنا أن تكون هذه المباراة هي فاتحة مبارياتنا في البطولة.

يملك المنتخبان العديد من الأسماء العالمية مثل رياض محرز في الجزائر وساديو ماني من السنغال، بالإضافة إلى العديد من اللاعبين المتمرسين في الكرة الأوروبية، ما ينذر بمواجهة كروية من العيار الثقيل.

هذا الاحتشاد الجماهيري أربك المنظمين، الذين توقعوا حدوث احتكاكات بين الجماهير المصرية والجزائرية كعادة لقاءات الفريقين، فقرروا أن تدخل الجماهير المصرية كلها معًا إلى مدرجات الدرجة الثالثة والثانية، بينما تجلس الجماهير الجزائرية ومن يدعمهم من الجمهور المغربي والتونسي في جانب من مدرجات الدرجة الأولى. أما أصحاب البشرة السمراء -سنغاليين أو غير ذلك- فتم تخصيص الجانب الآخر من مدرجات الدرجة الأولى لهم.

معاناة كبيرة في الانتظار داخل النفق المؤدي للمدرجات. هذا النفق الذي أعرفه ويعرفه مشجعو الكرة جيدًا. هنا مات 20 من جماهير الزمالك في حادثة الدفاع الجوي في 2015. تلحظ ذلك على وجوه المشجعين الذين يستعيدون ذكرياتهم مع هذا النفق، فيبدأون في قراءة الفاتحة آملين في عدم تكرار المأساة.

قبل نصف ساعة من بداية المباراة، فُتحت الأبواب للجماهير دون النظر إلي تذاكرهم ولا لبطاقة المشجع التي طالما تحدثوا عنها. تدافعت الجماهير إلى داخل المدرجات ليمتلئ الملعب.

هذا الحضور الكبير من الجماهير ينبئ بتغير في ثقافة مشجع الكرة في مصر إذا ما قارناه بالمرة اﻷخيرة التي استضافت فيها مصر نفس البطولة قبل 13 عامًا. في هذه البطولة، على سبيل المثال، واجهت كوت ديفوار منتخب الكاميرون في دور الثمانية. مباراة أكثر أهمية بين فريقين أقوى على مستوى السمعة والنجوم حينها من منتخبي الجزائر والسنغال، وفي دور إقصائي هام. قبل تلك البطولة بقليل، حسمت كوت ديفوار التأهل إلى كأس العالم على حساب الكاميرون في آخر مباريات التصفيات ما جعل للمباراة أهمية كبيرة. لكن، رغم ذلك، لُعبت المباراة في ستاد الكلية الحربية بحضور ضعيف جدًا من الجماهير المصرية. أحاول الآن تخيل ماذا لو لعبت هذه المباراة في البطولة الحالية بتلك الظروف وفي وجود نفس الأسماء.

عداوة تاريخية

بالنسبة للجمهور المصري، منتخب الجزائر هو الخصم الأول لهم فيما يتعلق بكرة القدم. تتسم مباريات الفريقين دائمًا بالحدة داخل الملعب وبالعنف خارجه. ما عزز ذلك الصراع هو أن المنتخبين دائمًا ما التقيا في مناسبات كروية مهمة. تأهلت مصر إلى بطولة كأس العالم عام 1990 على حساب جيل الجزائر التاريخي الذي شارك في بطولتي كأس العالم عامي 1982 و1986، والذي فاز -للمرة اﻷولى والوحيدة في تاريخ البلاد- ببطولة أفريقيا عام 1990 التي استضافتها الجزائر.

لم تنس الجزائر ما حدث في تصفيات كأس العالم 90، فحرمت المنتخب المصري من تكرار الإنجاز ذاته مرتين. أولهما عام 2001 في مباراة عنّابة الشهيرة التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق، والتي بقيت في الذاكرة كواحدة من أعنف المباريات في تاريخ المنتخبين داخل الملعب وخارجه. بينما كانت الأخرى قبل تسع سنوات، حين حرمت الجزائر جيل مصر التاريخي من الوصول إلى كأس العالم بعد صراع كبير تجاوز حدود كرة القدم.

بمجرد دخولي، يعلن المذيع الداخلي عزف النشيد الوطني الجزائري. أتأهب لسماع صافرات الاستهجان التي ستطغى على صوت النشيد الوطني الرائع للجزائر. هذه العادة التي اكتسبتها جماهير الكرة عبر الزمن حين تواجه العدو الكروي اللدود. لكن التاريخ لم يعنِ شيئًا للجماهير المصرية التي أحضر المباراة معها. احترام تام للنشيد الجزائري. يبدو أن الزمن كان كفيلًا بتخفيف حدة الصراع.

يجلس بجواري شاب يتفاعل مع كل كرة في المباراة. يحدثني عن أن هذه المباراة هي أول مباراة يحضرها في ستاد في حياته، وأنه اختار هذه المباراة دونًا عن مباريات المنتخب الوطني لأنه -كما يقول- لا يشعر بالانتماء لمنتخب مصر قدر ما يشعر بالانتماء لكرة القدم. يقول إنه لن يضيع أمواله من أجل مشاهدة كرة قدم غير ممتعة كالتي يقدمها المنتخب المصري في البطولة، وأنه لا يشغل باله كثيرًا إن كان هذا المنتخب سيحقق البطولة في النهاية أم لا. «أنا هنا لأشاهد ساديو ماني ومحرز وغيرهم»، يقول: «جئت هنا للاستمتاع بكرة قدم حقيقية».

مستوى الشوط الأول من المباراة لم يكن على قدر ما توقعنا، واكتفى الجمهور بالاستمتاع بالأهازيج التي يقدمها جمهور الجزائر من الملعب. لكن مع بداية الشوط الثاني، أحرز يوسف البلايلي هدف الجزائر في المباراة لينفجر الملعب من التشجيع. هدف جزائري يُستقبل بالترحيب علي أرض مصرية من جماهير مصرية لم تطلق هتافًا واحدًا ضد جمهور الجزائر طوال المباراة، وتصفق للاعبي الجزائر عند نهاية اللقاء احتفالًا بفوزهم. بالنسبة لمشجع كرة مثلي عاصر الكثير من فصول الصراع الكروي بين الأمتين، بدا لي هذا الأمر غريبًا.

بعد الخروج من الملعب، قابلت جماهيرًا مصرية تلتقط الصور مع جمهور الجزائر فيثير الأمر فضولي لأسألهم عن هذه العلاقة الحميمة غير المعتادة بين الجمهورين، خاصة أن ما حدث في تصفيات كأس العالم 2010 ليس ببعيد. هذه الأجيال شهدت هذه الأحداث بكل تفاصيلها. مشجع جزائري حدثني عن الترحاب الذي تلقاه من الجماهير المصرية على عكس ما توقعه قبل حضوره من الجزائر.

يتذكر المشجع المصري ظروف مباراة تصفيات كأس العالم 2010، والتي كانت «مجرد صنيعة إعلامية»، بحسب رأيه. يقول: «إننا جميعًا إخوة نتشارك العديد من الأشياء، وعلى رأسها حب كرة القدم».

المغرب

دفعتني هذه المباراة إلى حضور مباراة أخرى استضافها ستاد السلام بالقاهرة في اليوم التالي بين منتخبي المغرب وكوت ديفوار. أحاول حجز تذكرة للقاء بجوار جماهير المغرب، ولكن لم أجد إلا تذكرة بجوار جماهير كوت ديفوار. يبدو أن الجماهير المغربية قد حضرت بكثافة لدعم أسود الأطلس في رحلتهم للبطولة.

أستعد هذه المرة للتوجه إلى الملعب مبكرًا. أصادف بعض أصدقائي في طريقي إلي الملعب لمشاهدة اللقاء فنذهب معًا. هذه هي أول زيارة لي إلى مدينة السلام.

أصادف على بوابات الدخول أعداد غفيرة من جماهير المغرب التي فاقت أعدادها المدرجات المخصصة لهم، فاتجهوا مثلي إلي حجز مقاعد لمشاهدة المباراة وسط الجماهير الإيفوارية.

حدثني أحد أبناء المدينة أن أبواب ستاد السلام فُتحت بالمجان لأبناء المدينة لمتابعة مباريات كأس العالم للشباب 2009 التي استضافتها مصر، وهو ما توقعوه أيضًا هذه المرة رغم تأكيدات اللجنة المنظمة على ضرورة الحصول على بطاقة المشجع والتذكرة لحضور اللقاء. لم يُسمح لهم بحضور مباريات الجولة الأولى، فأدركوا أن الوضع قد اختلف في تلك السنوات.

صدمت اللجنة المنظمة الجماهير حين حددت 200 جنيه لتذاكر مباريات المنتخب الوطني في دور المجموعات داخل الدرجة الثالثة، والتي يسكنها جمهور الكرة الأكثر حماسًا من الطبقات الاجتماعية الأقل حظًا. أما باقي مباريات البطولة فتم تحديد سعر 150 جنيهًا للتذكرة. اعترضت الجماهير على الأسعار، وهدد البعض بمقاطعة البطولة ومنظميها الذين لم يراعوا ظروف المعيشة. وخُفض سعر تذكرة الدرجة الثالثة إلى 150 جنيهًا لمباريات مصر و100 جنيه للمباريات الأخرى.

كانت الصدمة الأخرى في إعلان أسعار تذاكر الأدوار الإقصائية من البطولة. رغم الحضور الضعيف في مباريات المجموعات عدا لقاء مصر والمنتخبات العربية، إلا أن اللجنة المنظمة رفعت أسعار التذاكر لتصل إلى 200 جنيه للدرجة الثالثة في مباريات دوري الـ 16 وربع النهائي وتزيد في مباراة نصف النهائي إلى 300 جنيه، بينما تصل في المباراة النهائية إلى 500 جنيه. هذه الأسعار تعني استبعاد قطاع عريض من الجماهير من حضور المباريات.

أدخل إلى الملعب من جهة جماهير كوت ديفوار، لكن كل ما أراه أثناء الدخول هي جماهير مغربية ومصرية وعدد قليل من الجماهير الإفوارية التي وصلت معًا إلى الملعب.

الدخول هذه المرة أكثر تنظيمًا والوصول إلى المدرجات أكثر سلاسة. بمجرد الدخول تبدأ الجماهير التي حضرت لتشجيع المغرب بالهتاف إلى لاعبيها قبل ساعة من بداية المباراة.

جلس أحد جماهير المغرب بجواري فتبادلنا الحديث قبل بداية المباراة عن تاريخ المواجهات بين مصر والمغرب، التي شكلت صراعًا أقل حدة وأكثر متعة من الصراع مع الجزائر. يتدخل في الحديث أحد جماهير الجزائر الذي حضر كغيره من الجاليات العربية لمساندة المغرب.

أصادف صديقًا قديمًا تعرفنا عن طريق كرة القدم. حضر صديقي مع أخيه لمشاهدة اللقاء فيحدثني عن روعة مشاهدة المباراة من الملعب. هذه المباراة هي مباراته الأولى داخل ستاد رغم أنه يسكن قريبًا من ستاد القاهرة. أسأله باستغراب عن اختياره مباراة لا تلعب بها مصر لتكون أولى تجاربه داخل المدرجات. يجيبني بكل صراحة أنه يشعر هنا أنه أقرب إلى مشجعي كرة القدم الحقيقيين عكس مدرجات ستاد القاهرة التي يغلب عليها طابع جمهور السينما، على حد تعبيره.

يستكمل حديثه عن علاقته بالمنتخب التي فترت مع نهاية الجيل التاريخي للمنتخب عام 2010 ومتابعته للكرة العالمية التي زادت مع ضعف مستوى الكرة المحلية في مصر بعد الثورة. يرى أن تلك البطولة كانت فرصة ذهبية لعودة الكرة المحلية في مصر مرة أخرى، لكن هذا كان يحتاج إلى أن تدرك اللجنة المنظمة أن مشكلة الكرة في مصر هي غياب الجماهير، وأن المكسب الحقيقي من هذه البطولة هو عودة الجماهير مرة أخرى للملاعب.

ما حدث للجماهير

عانت الكرة المحلية في مصر منذ عام 2012 بعد حادثة بورسعيد، فتدهور مستوى المسابقات المحلية وعانت الصناعة في مصر من غياب الجماهير عن المدرجات بعد أن قررت الحكومة المصرية أن ترتاح من صداع سببته جماهير الكرة لها داخل وخارج المدرجات قبل اندلاع أحداث الثورة وبعدها.

على ما يبدو، دفعت هذه المعاناة الجماهير للتوجه إلى متابعة الكرة العالمية خاصة مع بداية ظاهرة محمد صلاح التي حولت اللاعب إلي بطل قومي، وجعلت المباريات العالمية أكثر متابعة من نظيراتها المحلية، ما فتح عيون الجمهور على اللعبة عالميًا. خفّت وطأة المنافسة المحلية بين الجماهير وانتقلت إلى منافسات أخرى. ونشأ جيل جديد لا يملك انتماء إلى الأندية المصرية قدر انتمائهم إلي فرقهم العالمية مثل برشلونة وريال مدريد وليفربول وغيرهم.

تفاعل صديقي بشكل كبير مع كل هجمة في اللقاء لكلا المنتخبين. هتف للشهداء في الدقيقة 20 و74، وصرخ باسم أبو تريكة في الدقيقة 22، واحتفى في نهاية المباراة مع جماهير المغرب التي حققت الفوز بهدف نظيف.

أثناء خروجنا من الملعب أخبرني أن هذه المباراة لن تكون آخر مبارياته في البطولة، وأنه سيحاول أن يكون حاضرًا في مباريات أخرى خلال البطولة. أخبره عن رغبتي في حضور لقاء المنتخب إذا وصل إلى أدوار متقدمة، فيرفض معللًا أنه يشعر بعيدًا عن ستاد القاهرة وجمهوره الجديد أنه أكثر حرية. لكن المنتخب الوطني خرج في مفاجأة مدوية وودع البطولة مبكرًا بعد الهزيمة أمام منتخب جنوب إفريقيا، وارتاح كلانا من الاختيار.

مصر تخسر البطولة على أرضها للمرة الثانية في التاريخ بعد عام 1974 الذي ودّع فيه المنتخب البطولة من نصف النهائي أمام منتخب زائير -الكونغو الديمقراطية حاليًا- المتأهل إلى كأس العالم، والذي واجه منتخب مصر بعد عام واحد من حرب أكتوبر، وفي ظل بطولة متوقفة لفترات كبيرة بين النكسة والنصر. أصاب الجماهير حينها حزنًا كبيرًا رغم كل تلك الظروف. لا يُقارن هذا بما حدث للجماهير المصرية بعد وداع البطولة مبكرًا. الجماهير ليست بهذا القدر من الحزن على خروج المنتخب. ربما يعود ذلك إلى مستوى المنتخب الوطني السيئ طوال البطولة، أو حادثة تحرش عمرو وردة التي قسمت الجماهير المصرية. لكن اﻷكيد أن شيئًا ما تغير في علاقة الجماهير بالكرة في مصر.

علي عكس الفشل الذريع للمنتخب المصري في البطولة، قدمت الجزائر واحدة من أفضل أداءاتها في التاريخ، ما جعلها مرشحة للقب منذ دور المجموعات. وبعد خروج المنتخب الوطني، أصبح منتخب الجزائر هو الفريق الذي يشجعه المصريون حسب تصريح لاعب المنتخب المصري السابق محمد بركات. العديد من الجماهير المصرية أعلنت ذهابها إلي مدرجات ستاد القاهرة. البعض يتحدث عن تشجيع لمنتخب الجزائر في انتظار بطل عربي، بينما آخرون يرون في هذه المباراة فرصة رائعة لتوديع المدرجات. فمع وصول البطولة إلى مراحلها النهائية، ظهر العديد من الإشاعات التي تتحدث عن عودة الكرة مرة أخرى دون جمهور أو بعدد محدد من الجماهير كما كان الوضع قبل البطولة.

اعلان
 
 
محمد عادل