«قانون والي».. «العمل الأهلي» من رقابة الأمن إلى الموظفين
 
 

وافق مجلس النواب أمس الإثنين، بأغلبية ثلثي أعضائه نهائيًا على مشروع قانون  «تنظيم ممارسة العمل الأهلي» المعد من قبل وزيرة التضامن، غادة والي، ليحل محل قانون الجمعيات السابق له، والمعد من قبل زعيم الأغلبية في البرلمان عبدالهادي القصبي.

نفس البرلمان الذي وافق بأغلبية ثلثي أعضائه في 29 نوفمبر 2016 على إقرار «قانون القصبي»، دافع خلال جلسات يومي الأحد واﻹثنين، على إقرار «قانون والي» بديلًا للقانون السابق، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس وتكليفه للحكومة قبل ثمانية أشهر بإعداد قانون «متوازن» للجمعيات، بعد مناقشات مجتمعية ومراجعة للتجارب الدولية.

تكليف الرئيس للحكومة وبعدها البرلمان، بإعداد بديل لقانون القصبي الذي لم يدخل حيز التنفيذ منذ صدوره في مايو 2017 حتى الآن، جاء بعد سلسلة من الانتقادات الدولية والمحلية، والتي أقنعت السيسي نفسه بالعدول عن موقفه الذي كان مؤيدًا لقانون القصبي، ورافضًا تعطيل صدوره.

رئيس البرلمان، علي عبدالعال، أكد قبل إقرار «قانون والي» أنه استجاب إلى 99% من اعتراضات العاملين في المجتمع الأهلي في الداخل والخارج على «قانون القصبي». فيما أكد وكيل لجنة التضامن محمد أبوحامد على أن القانون الجديد يتفق مع المبادئ والأحكام الرئيسية كافة التي تضمنتها كل المسودات التي أعدت خلال السنوات السابقة لقانون الجمعيات الأهلية، سواء مسودة الوزير الأسبق أحمد البرعي عام 2014 أو ما تلاها من مسودتي الدكتورة غادة والي، الأولى عام 2016، أو الأخيرة التي وافقت عليها الحكومة في مايو 2019 الماضي.

لكن، وفي المقابل، انقسم حول القانون الجديد مسؤولون حكوميون سابقون وعاملون في المجتمع المدني. بعضهم اعتبر أن القانون يعيد تسويق القانون الحالي الذي يحمل فلسفة عدائية لمنظمات المجتمع المدني بوجه جديد. فيما اعتبر آخرون أن القانون الجديد يمثل «انتصارًا محدودًا»، وأن إعداد قانون «متوازن» للجمعيات هو معركة طويلة المدى، وأن قانون والي يتضمن بعض الإيجابيات يمكن البناء عليها عند المطالبة بقانون أكثر تطورًا خلال السنوات المقبلة.

الموظفون بدلًا من الأجهزة الأمنية

وبينما أكد أبوحامد على أن مسودة الحكومة الأخيرة تتضمن الكثير من المتفق عليه من مسودة وزير التضامن الاجتماعي الأسبق، أحمد البرعي، وصف البرعي لـ «مدى مصر» المسودة بأنها «تتعارض في كثير من موادها مع المبادئ العامة الدولية لحق الأفراد في تكوين منظمات المجتمع المدني والانضمام إليها»، نافيًا أي تشابه بينها وبين المسودة التي أعدها وقت وجوده في الوزارة عام 2013 بعد 40 جلسة حوار مجتمعي عامة في جميع أنحاء الجمهورية. وبحسب رأيه، فإن مشروع القانون الأخير لا يختلف عن «قانون القصبي» سوى في استبدال «الأجهزة الأمنية» بـ «الموظفين» في السيطرة على العمل الأهلي.

ودلل البرعي بأن القاعدة العامة تنص على «عدم جواز حل الجمعية أو عزل مجلس إدارتها إلا بحكم قضائي». وفي مقابل تلك القاعدة تضمن مشروع القانون الحالي منح وزير التضامن سلطة وقف نشاط الجمعية لمدة عام كامل، ما يعني واقعيًا بحسب البرعي «إنهاء عمل الجمعية مدى الحياة».

وأعطى القانون الجديد للوزير المختص بدلًا من «الجهة الإدارية في القانون الحالي» والمتمثلة في العاملين المختصين في الوزارة، سلطة وقف نشاط الجمعية وغلق مقارها لمدة سنة في حال ارتكابها مخالفات مثل:

  • ممارسة أنشطة لم ترد في النظام الأساسي.
  • تصرف مجلس الإدارة في أموالها أو تخصيصها في غير الأغراض التي أنشئت من أجلها.
  • الانتقال إلى مقر جديد دون إخطار الجهة الإدارية بسند قانوني خلال ثلاثة أشهر من تاريخ النقل.

ويفعل قرار الوزير بالوقف بعد مطالبة الوزارة لمحكمة القضاء الإداري بتأييد القرار خلال سبعة أيام من تاريخ صدوره، على أن تفصل المحكمة في هذا القرار على وجه السرعة، فإذا لم تتقدم الجهة الإدارية بالطلب خلال المدة المحددة ينتهي أثر قرار الوقف القانوني.

وانتقد الوزير الأسبق كذلك العقوبات التي تضمنها مشروع والي قائلًا إن الحكومة فعلت حسنًا بإلغاء عقوبات الحبس كافة، ولكنها في المقابل توسعت في استخدام الغرامات المالية الضخمة، بما يكبل العمل الأهلي.

وأضاف البرعي أن مصر في أمس الحاجة لجهود منظمات المجتمع المدني لتطوير قطاعات مثل التعليم والصحة، في ظل ظروف اقتصادية سيئة ومستوى معيشة متدني، وبدلًا من أن تقابل الحكومة ذلك بتشجيع العمل الأهلي، تضمن مشروع القانون غرامات تصل إلى مليون جنيه في بعض الحالات.

وضاعف «قانون والي»، الغرامات المالية التي كان منصوص عليها في «قانون القصبي»، فجعل عقوبة تلقي أو إرسال أموال من جهة أجنبية أو جمع تبرعات بدون تصريح من وزارة التضامن وغيرها من المخالفات، غرامة مالية تتراوح بين 500 ألف جنيه ومليون جنيه في حين تتراوح الغرامات المالية في «قانون القصبي» بين 50 ألف ومليون جنيه، غير أن المناقشات التي تمت خلال الجلسة العامة للبرلمان الأحد الماضي، شهدت مضاعفة الحد الأدنى للغرامة إلى 100 ألف جنيه مع الإبقاء على الحد الأقصى كما هو.

وفيما ينص القانون القصبي على غرامة تبدأ من 20 ألف جنيه حتى 100 ألف جنيه كعقوبة لمخالفات مثل نقل مقر الجمعية إلى مكان غير المخطر به أو الامتناع عن تمكين الجهة الإدارية من متابعة وفحص أعمال الجمعية، أو إنفاق أموال المؤسسة في غير النشاط الذي خصصت من أجله، ضاعف مشروع القانون الجديد تلك الغرامة لتبدأ من 200 ألف جنيه وتصل إلى 500 ألف جنيه، قبل أن يقرر البرلمان تقليص الحد الأدني للغرامة إلى 50 ألف جنيه فقط.

وحدد البرعي السبب الثالث لاعتراضه على مشروع القانون، في استبدال سيطرة الأجهزة الأمنية على عمل منظمات المجتمع المدني الأجنبية في قانون القصبي بسيطرة «الموظفين» في مشروع والي، مضيفًا أن الحكم الوحيد بين السلطة والمجتمع المدني هو وجود أحكام قانونية واضحة تحدد العلاقة بين الطرفين تحت رقابة القضاء، ولكن ما حدث في مشروع القانون، بحسب البرعي، هو إسناد مهام وصلاحيات الأجهزة الأمنية في السيطرة على العمل الأهلي إلى موظفين.

واستحدث «قانون والي» في الباب السادس منه ما يسمى بـ «الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي والوحدات الفرعية التابعة لها» وذلك عوضًا عن «الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية»، والذي ضم في عضويته ممثلين للمخابرات ووزارتي الدفاع والداخلية.

وتضم الوحدة المستحدثة عددًا من العاملين بالإدارة المركزية للجمعيات والاتحادات بوزارة التضامن بعد اجتيازهم اختبارات ودورات تدريبية، وتختص الوحدة بالإشراف والرقابة على الجمعيات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية.

وحدد «قانون والي» صلاحيات وصفها البرعي بـ «الفضفاضة» لتلك الوحدة مثل «دراسة خصائص أنواع مؤسسات المجتمع الأهلي التي يمكن أن تكون أكثر تعرضًا بحكم أنشطتها أو خصائصها لخطر الاستغلال في عمليات تمويل الإرهاب وأن تقوم بتسجيل نتائج تلك الدراسة وأن تراجع تلك الدراسة بشكل دوري ومتى دعت الحاجة لذلك»، وهو ما يتبعه قيامها بمهام مثل: «وضع نظام للرقابة المكتبية والميدانية على تلك الجهات يأخذ في اعتباره ما تم تحديده من مخاطر»، حسب البرعي.

إعادة إنتاج لقانون القصبي

وعلى غرار موقف البرعي، وصفت تسع منظمات مجتمع مدني «قانون والي» بأنه «إعادة تسويق لقانون القصبي القمعي الذي يحمل الفلسفة العدائية لمنظمات المجتمع المدني بهدف إخضاعها للأجهزة الأمنية»، وذلك في بيان مشترك نُشر السبت الماضي.

ورصدت منظمات (القاهرة لدراسات حقوق الإنسان-الجبهة المصرية لحقوق الإنسان-الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان-كوميتي فور چستس-مبادرة الحرية-مركز النديم-مركز عدالة للحقوق والحريات-مؤسسة بلادي للحقوق والحريات-مؤسسة حرية الفكر والتعبير-المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) عددًا من المخالفات التي تضمنها مشروع والي وجاءت مماثلة لما نص عليه قانون القصبي، وجاء أبرزها:

– استمرار التحايل على الحق الدستوري في تأسيس الجمعيات بالإخطار، بتعليق شرط اكتساب الشخصية القانونية للجمعية الأهلية على عدم اعتراض الجهة الإدارية وإصدارها لخطاب يتيح للجمعية فتح حساب بنكي، مما يحول الإخطار إلى ترخيص من الناحية العملية بحسب المنظمات.

– اشترط مشروع القانون بأن يكون نشاط المنظمة الأجنبية متفقًا مع أولويات المجتمع المصري وفقًا لخطط التنمية.

– إخضاع عمل المنظمات الأجنبية لقيود كثيرة منها الموافقة المسبقة من الوزير على نشاطها.

– جواز سحب ترخيص الجمعيات والمنظمات لأسباب فضفاضة كالإخلال بالأمن القومي أو السلامة العامة أو الإخلال بالنظام العام.

– منح الجهة الإدارية بعد موافقة النائب العام، حق الاطلاع على الحسابات البنكية للجمعيات المسجلة، دون توافر مقتضيات الكشف عن جريمة قامت دلائل جدية على وقوعها.

– حظر التعاون مع منظمات أجنبية قبل الحصول على ترخيص من الوزير المختص.

– الحصول على ترخيص مسبق من الوزير لفتح مقار للجمعيات خارج مصر.

– منح الجهة الإدارية حق الاعتراض على قرارات الجمعية واستبعاد المرشحين لمجالس إدارتها دون تحديد مسببات ذلك، ودون إتاحة حق الاعتراض أمام الجهات القضائية.

معارضة غير مبررة

اعتراضات البرعي والمنظمات على «قانون والي»، قابلها تأكيد من محمد أبوحامد على أن القانون الذي ينتظر تصديق الرئيس السيسي عليه خلال الأيام المقبلة ليدخل حيز التطبيق، «يعكس مدى تقدير الدولة المصرية واحتياجها للعمل الأهلي»، مشددًا على أن المشروع استجاب لكل الاعتراضات المحلية والدولية على «قانون القصبي»، مضيفًا أن «المعارضين لقانون القصبي طالبوا باستبداله بقانون الحكومة وبعد إقرارنا لقانون الحكومة ما زالوا معترضين».

وحدد أبوحامد أبرز إيجابيات القانون في حذف كل المواد المتعلقة برقابة الأجهزة الأمنية على عمل منظمات المجتمع المدني، واستبدالها بسلطة وزارة التضامن دون غيرها بكل ما يتعلق بشؤون العمل الأهلي، فضلًا عن وضوح إجراءات التقدم بإخطار لتأسيس الجمعيات الأهلية، والحصول على تمويل أو جمع تبرعات، بالإضافة إلى حذف كل العقوبات السالبة للحرية، وفتح المجال لتشجيع الأشخاص والشركات لعمل مبادرات بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وكان مجلس الوزراء أعلن في 20 أكتوبر 2016، موافقته على مشروع قانون الجمعيات الأهلية الذي أعدته وزارة التضامن الاجتماعي، منذ عهد ترأس الدكتور أحمد البرعي لها وعقدت الوزيرة غادة والي جلسات حوار  مجتمعي  مواده وأدخلت تعديلات طفيفة عليها.

وفي 23 أكتوبر نفسه، قررت لجنة التضامن بالبرلمان عدم انتظار مشروع والي، ومناقشة مشروع قانون سبق وتقدم به القصبي في بداية عام 2016، دون دعوة وزيرة التضامن لأي من اجتماعاتها، وعرض رئيس البرلمان علي عبدالعال القانون على النواب خلال جلستي 14 و15 نوفمبر 2016 في غياب الوزيرة أيضًا. وعندما اعترض نواب تكتل «30/25» على قانون القصبي، وطالبوا رئيس البرلمان بانتظار قانون الحكومة، قال عبدالعال إنه اطلع على مشروع القانون المقدم من الحكومة، وتأكد من اتفاقه مع قانون القصبي في كثير من الأمور.

انتصار على الظروف الحالية 

كانت هناك وجهة نظر ثالثة بخلاف المؤيدة والمعارضة للقانون، انحاز لها المحامي الحقوقي نجاد البرعي، الذي وقف في منطقة وسطى، يحتفل بإقرار البرلمان للقانون كما جاء من الحكومة دون تعديلات جوهرية في نصوصه، مؤكدًا لـ «مدى مصر» أن «قانون والي» بالرغم من أنه أقل من أحلام غالبية المشتغلين في العمل الأهلي، لكنه في المقابل أفضل من كل توقعاتهم في ظل الظروف الحالية للبلاد.

واعتبر  نجاد البرعي «أنه خطوة إلى الأمام تمهد لتعديلات أكثر تطورًا وربما قانون أكثر توازنًا خلال السنوات المقبلة»، وهو نفس ما أكد عليه نائب رئيس الوزراء الأسبق، الدكتور زياد بهاء الدين، في مقال له، نشر أمس، معتبًرا أن «قانون والي»  لم يحقق طموحات المجتمع الأهلي، وخصوصا فيما يتعلق بتخفيف الأعباء الإدارية على أعمال  الجمعيات، ولكنه في المقابل يعد تقدمًا يستحق التقدير لأنه يعبر عن إمكانية التفاوض والتفاهم والبحث عن مساحات مشتركة مع السلطة.

وأشار نجاد البرعي إلى أن المشتغلين في العمل الأهلي يعملون على وضع قانون جديد للجمعيات منذ الثمانينات، والتجربة أثبتت أن قانون الجمعيات لن يتم تحسينه بالضربة القاضية، مضيفًا أن «قانون القصبي» هو الأسوأ على الإطلاق، فيما قانون الحكومة الجديد فهو الأفضل إذا تم مقارنته بالقانونين رقم 84 لسنة 2002، أو رقم 153 لسنة 1999، لافتًا إلى أن «قانون والي» يعد خطوة إلى الأمام حتى لو تم مقارنته بمسودة مشروع الوزير الأسبق أحمد البرعي.

وكشف المحامي الحقوقي عن أن أبرز الاعتراضات التي توجه للقانون الجديد تدور حول ارتباط الجمعيات الأهلية بالجهة الإدارية، رغم أنه أمرًا أصبح واقعيًا.

وأضاف أنه بخلاف الغرامات الضخمة التي تضمنها مشروع القانون، وسلطات الوزير الواسعة تجاه الجمعيات للحد الذي يمكنه من وقف نشاطها بقرار إداري، هناك تعديلات إيجابية شهدها القانون أبرزها النصوص المتعلقة بإجراءات تلقي الجمعيات والمنظمات الأهلية للتمويل، حيث تضمن «قانون والي» السماح للجمعيات بقبول أو تلقي الأموال وإيداعها بحسابها البنكي وإخطار الجهة الإدارية خلال 30 يومًا من تلقي التمويل، على أن تلتزم الجهة الإدارية بالرد على طالب التمويل خلال 60 يومًا من طلبه، وإذا لم ترد خلالها اعتبر ذلك موافقة منها، على عكس ما كان مطبق من قبل من اعتبار عدم رد الجهة الإدارية على طلب التمويل بمثابة رفضًا له.

وإلى جانب التعديلات المتعلقة بتلقي التمويل والتبرعات، أشاد نجاد البرعي بالنصوص المتعلقة باعتبار أموال الجمعيات «عامة»، مؤكدًا على أن حوكمة الجمعيات والرقابة على أموالها ضروري.

وطالب وزارة التضامن والمشتغلين بالعمل الأهلي بتركيز جهودهم في إعداد اللائحة التنفيذية، خصوصًا أن مشروع القانون أحال لها تنظيم كثير من الأمور .

وأعطى مشروع القانون للائحة التنفيذية تحديد آلية تنفيذ غالبية مواد القانون، منها المادة المتعلقة بالتطوع، فاستحدث المشروع بابًا متعلقًا بالتطوع، غير أنه لم يحدد آلية اعتماد الجمعيات الأهلية على المتطوعين، وترك للائحة التنفيذية للقانون تحديد ضوابط حماية المتطوعين والمزايا التي يحصلون عليها.

وأكد نجاد البرعي بأن معركة قانون الجمعيات الأهلية معركة طويلة شأنها شأن معارك حقوق الإنسان والسياسة والإعلام؛ فيها لحظات انتصار وانكسار، ولكن إقرار  مشروع الحكومة للجمعيات الأهلية يعني «أننا كسبنا واحد – صفر».

اعلان