احترس من البارانورمال: النصيحة الخالدة للمعلم سردينة
 
 

مبروك علينا الاتفاق على تحويل قصص «ما وراء الطبيعة» لمسلسل تلفزيوني من إنتاج «نتفليكس»، ويسمونه البارانورمال. أتمنى أن تكون تجربة ناجحة ومثمرة فنيًا وماليًا، ما قد يضمن لنا المزيد من الأعمال بنفس الشكل، وعساه أن يكون خارج الإطار التلفزيوني التقليدي. هي تجربة جديرة بالمراقبة وإن شابها بعض الغموض حول إطارها البيروقراطي والقانوني.

في هذا المقال أحاول تتبع ما قد يطرأ على سوق إنتاج الدراما في مصر من تغيرات بدخول «نتفليكس»، وتأثير هذه التغيرات على المنتَج النهائي.

تغييرات نظام العمل

تختلف منظومة الإنتاج الدرامي الأمريكي الذي تتبعه «نتفليكس» في ميكنتها ومنتجها النهائي عن المنظومة التلفزيونية المصرية أو العربية المعتادة، ومن خلال ما نعرفه عن نظام إنتاج المسلسلات الأمريكية يمكننا رصد ما قد يحدث للمحتوى العربي من تغيير حال تطبيق نفس سياق العمل والإنتاج.

المقصود بتغيير سياق العمل أنه بدلًا من أن يكون المسلسل ثلاثين حلقة، مرتبط بشهر ووقت عرض معين، كما هو في النظام المصري المتعارف عليه، سيتحول بدخول شركات إنتاج أجنبية مثل نتفليكس إلى النظام الأمريكي، حلقات مطروحة على الانترنت يمكن للمستخدم مشاهدتها وقتما شاء، مما قد يعالج مشاكل كثيرة في الصناعة، التي أصبحت مرهونة بشهر رمضان. وفي شركات إنتاج مشابهة مثل HBO وshowtime التي تعمل بنظام الإنتاج الأسبوعي، سوف يكون الوضع أكثر مرونة، يضمن للعاملين فيه، من كتَاب وممثلين وفنيين، عملًا مستمرًا طوال السنة، وقد نتخيل أن يسعدهم الحظ ويحصلوا على مرتبات شهرية وإجازات، عادي جدًا، مثل بقية الخلق. 

إلى جانب هذه المميزات النفسية في آليات العمل، فإن تغيير نظام العمل لنظام أكثر استقرارًا سيغير في محتواها وقيمتها، فلن يضطر صانعوها للإنتاج المتسرع، والسلق والحشو والتطجين. وهو ما يضطر إليه صانعو الدراما عادة عندما يحاولون إتمام كل عناصر العملية الصناعية في شهر أو شهرين. كما أن لصناعة وعرض حلقات المسلسل أسبوعيًا في شركات إنتاج كـ HBO وshowtime  ميزة التفاعلية، حين يقوم صناع المحتوى بكتابة الحلقات متأثرين بمجريات الأسبوع وأحداثه، ثم رصد ردود الأفعال ومتابعة تفاعل الجمهور على الحلقات السابقة، وتعديل المحتوى حسب ردود فعل المشاهدين في الحلقات الأسبوعية التالية. وبعد ذلك تأخذ كل حلقة وقتها في التسويق والترويج والمشاهدة. 

مساحات جديدة للدراما يفتتحها «نتفليكس» خاصة باعتباره منصة تُشاهد على الإنترنت، ومن على أجهزة خاصة ومحمولة مثل التابلت والموبايل، فهذا الوسيط الجديد يشجع نوعًا جديدًا من المحتوى الموجّه للفرد، ليس للأسرة. منتَج له مساحة التعاطي مع مشاعر فردية خاصة أو حميمة يفضل المشاهد اختبارها بمفرده. وهو لا يعني المشاهد الساخنة فقط، ولكن أيضا الإيمان بالخوارق، والتطير ومشاعر الخوف والقلق من البارانورمال، التي يؤمن بها الكثيرون وإن لم يجاهروا بتلك القناعات علنًا، ولعلها رحمة.

الملصق الدعائي لمسلسل ما وراء الطبيعة

تغييرات قانونية 

واجهنا رمضان الماضي مشكلة حقيقية في المحتوى الفني، وسببها طبعًا ليس ندرة الكتّاب والمخرجين الموهوبين أو أن كلهم في برلين. هي مشاكل لها علاقة بمنظومة العمل القانونية التي يعمل بها صناع الدراما، ولسبب لا يخفى على أحد وهو احتكار شركة واحدة لإنتاج المسلسلات (15 من أصل 25). وهي شركة ككل الشركات مهتمة بترسيخ ذوقها، وإقصاء المنافسين منتجي باقي الأنواع. وهو أمر طبيعي سوف تقوم به أي شركة للفوز بالمنافسة مع غريماتها. أما أن تكون لهذه الشركة سلطة تنفيذية وتضارب مصالح مع قنوات البث التلفزيونية التي تستضيف باقي المنافسين، وأن تكون لديها آليات التعبئة والإقصاء وإمكانية تنفيذ خططها الاحتكارية فهنا تكمن المشكلة تحديدًا.

«نتفليكس» بوضعها كمنصة على الإنترنت، وكونها شركة أجنبية، فهي بعيدة عن المنافسة مع القنوات التلفزيونية، ولن تطولها احتكارية شركة مثل «سينرجي» للتلفزيون أو مالكيها أصحاب القنوات التلفزيونية. بل إن وجود «نتفليكس» سوف يجبر القنوات الفضائية على تقديم محتوى تنافسي، وتواجدهم جنبًا إلى جنب سوف يضمن تنوعًا دراميًا. كما يتضح الوضع من اختيار «نتفليكس» لأول محتوى عربي، مسلسلين من أصل ثلاثة («ما وراء الطبيعة»، والأردني «جن») هي من نوع البارانورمال وميكس الإنس بالجن. وهو محتوى غير رائج في الوسائط الاجتماعية مثل السينما والتلفزيون.

تمامًا، من الممكن أن تنجو «نتفليكس» من ضربات سينرجي، لكن ماذا عن العراقيل المتزايدة للرقابة؟ اليوم لإنتاج مسلسل، على المُنتِج عرض السيناريو أولًا على جهاز الرقابة على المصنفات الفنية التابع لوزارة الثقافة، وطبعًا يوافق الجهاز أو يرفض وفقا لأجندته. ولا تنتهي الصعوبات والعراقيل التي تواجه المنتجين، ومؤخرًا اشترط جهاز الرقابة على المصنفات أن يقدم المنتج كل حلقات المسلسل مكتوبة قبل البدء في التصوير لأخذ الموافقة، وهو أمر تعجيزي لصناع الدراما في حالة المسلسلات الطويلة. ثم أُضيف كيان جديد عام 2017 وهو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي أسس بدوره ما سماه بـ «لجنة الدراما»، وهي كيان بلا سلطة واضحة أو دور يختلف عن دور الرقابة على المصنفات الفنية. هذه اللجنة لها «توصيات» عن شكل الدراما المقبول، و«تشجّع» المواطنين على رفع الشكاوي ضد المسلسلات (عن طريق إعلانها لجائزة لكل مواطن يبلغ عن مسلسل خارج الذوق العام).

بسؤال محمود عثمان المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير عن وضع الإنتاج الإنترنتي من الرقابة، قال: القانون الخاص بالمصنفات الفنية 430 لسنة 55، في مادته الثانية ينص أنه لا يجوز بغير ترخيص من وزارة الثقافة عرض أي مصنفات سمعية أو بصرية طالما سوف يتم إذاعتها في مكان عام. أي أنه لا توجد مشكلة إلا في حالة إذاعة المحتوى داخل مصر في مكان عام، لابد حينها فقط الحصول على ترخيص من المصنفات الفنية. عمليًا؛ يوجد بالفعل تطبيق «ويفو»، الذي يعمل في مصر حتى الآن، وعرَض مسلسل «صراع العروش» بدون حذف.

أي أن هذه الإجراءات لن يمكن تطبيقها سوى على القنوات الأرضية والفضائية، أو أي ما يُعرض في الفضاءات العامة. المحتوى المنشور على الإنترنت يتبع قوانين الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية، وليس قانون الرقابة على المصنفات الفنية، إلا إذا تم بثه أو إذاعته في فضاء عام، وهنا تقع العُهدة على مشغل المحتوى وليس صانعه، يعني صاحب القهوة اللي هيشغل مسلسل البارانورمال للزباين مثلًا.

من المفترض أن يفلت الإنتاج الإنترنتي من قبضة الرقابة، أو هذا ما يفترضه Joris Evers نائب رئيس شركة «نتفليكس»، الذي أجاب عن توقعاته في التعامل مع جهاز الرقابة، بأن قال إن محتوى الإنترنت غير قنوات البث التلفزيوني، ففي الأول المستخدم هو المسؤول عن اختيار ما يشاهده وقتما شاء، وحيثما شاء. ما عليهم سوى التنويه إذا كان المحتوى مناسب للأطفال مثلًا أم لا. هذا معناه أن المنتَج لا يخضع لقوانين الرقابة.

لدينا السيناريو الذي حدث بالهند حين قررت وزارة الاتصالات إصدار وثيقة توصيات للإنتاج الإنترنتي، وطالبت أن يوقِّع عليها قنوات الإنتاج على الإنترنت، والطريف أن شركة أمازون برايم لم توقع على الوثيقة ولم يتم ملاحقتها أو إيقاف عملها، فإن الوثيقة هي مجرد كود اجتماعي وليس مسوّغًا قانونيًا.

ولكن «نتفليكس» مع مثيلاتها من قنوات الإنترنت صانعات المحتوى -عايزة تاكل عيش- لن تفتتح عملها في مصر والعالم العربي بالدخول في صدامات اجتماعية أو سياسية قد تتسبب في حجبها بالكامل. وهو أمر متوقَّع في أول صدام، وقد يتم احترازيًا قبل الدخول في أي صدام. ولكن من المتوقع  بالتأكيد أن تمارِس «نتفليكس» نوعًا من الرقابة الذاتية، أو على الأقل رقابة جغرافية، أي أن تمنع محتوى معين في بلد معين فقط، حسب قوانين واشتراطات هذا البلد. مثلما حدث مع برنامج حسن منهاج الذي تم مسح حلقة من برنامجه «patriot act» بضغط دولي من السعودية بعد تعليقه على قتل الصحفي جمال خاشقجي وتورط السعودية في حرب اليمن.

عادة ما تبتعد «نتفليكس»، وعلى خلاف «HBO» و«showtime»، عن المحتوى الجنسي الصريح، أو السخرية من الانتماءات الدينية، وتنتجها بحساب، بما يجذب المشاهد للجديد ولكن دون التصادم الصارخ في معتقداته، وإن تكرر إنتاجهم لمسلسلات ذات محتوى سياسي صاخب، فقد يتجنبوا صناعته في منطقتنا الملغومة بالصراعات. لذا دعنا لا نتوقع الكثير في موضوع تحرر الأعمال من الرقابة، ونعلِّق عليها آمالنا العريضة في إبراز أصوات سياسية متنوعة تجديد الخطاب الديني ومشاهدة المقاطع الساخنة، لكن تطلُّعي أن تخف وطأة الرقابة على الأقل من الجانب البيروقراطي والإداري، ويبقى كتر خيرهم.

وما علاقة كل هذا بالمعلم سردينة؟ 

حينما يقترح عبد الغفور البرعي على المعلم سردينة، خلال أحداث الحلقة الثالثة من مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» (1995)، أن يكون له شيشته الخاصة في الوكالة بدلًا من الأوتسورسينج outsourcing وجلب الشيشة من القهوة المجاورة كل يوم، ويعرض عبد الغفور بأن يأخذ أجر أقل من القهوجي للتخديم على هذه الشيشة، يفحمه المعلم سردينة بنصيحة بسيطة اللفظ عميقة المعنى: لما يبقى ده كارك ساعتها أقول لك ماشي، لكن غيرك له كاره وإنت لك كار، خليك في كارك واتشطر فيه.

بعيدًا عن مشاكل الإنتاج الدرامي الحالية يمكن من خلال مراقبة نموذج العمل الذي تتبعه «نتفليكس»، والانتقال الحتمي من الفضائيات إلى الإنترنت، أن نمد بوزنا شبرين للأمام، ونحلل المشكلات التي قد تطرأ على الإنتاج الدرامي في المستقبل القريب.

1 – المحتوى أكتر من اللازم؟

اعتاد المشاهدون  الشكوى من كثرة المسلسلات وصعوبة اختيار العمل المناسب لمتابعته. وهي شكوى لها وجاهتها، وبدأنا نلاحظها في مسلسلات «نتفليكس» الأمريكية. المحتوى يفوق قدرة المشاهد على المتابعة، أكثر من 450 مسلسلًا في العام الواحد، متوقع أن تزيد إلى 600 بدخول «أبل» إلى سوق الإنتاج الدرامي. هذا الغيث من الأعمال الدرامية قد يطمس الجيد أو الأنسب للذوق الشخصي لكل مشاهد. وفتْح السوق العربية لعملاق مثل «نتفليكس» ومتوقع بعده «أمازون برايم»  وغيرهم، سوف يزيد من المنافسة وخصوصًا مع القنوات المحلية، ما سوف يعرِّض المشاهد المسكين للحيرة فيما يريد مشاهدته.

لا أستطيع بنفس صافية التعاطف مع مشكلة ضياع المشاهد وسط الكثير من الاختيارات، أو الاعتراض على كثرة المحتوى الذي يوفر فرص عمل كثيرة لصناعه، خاصة في الوقت الذي نعاني فيه بالضبط من تضييقات على الإنتاج التلفزيوني. المحتوى الكثير في منطق السوق الحر، وبدون تدخل قانوني أو ضبط لقواعد السوق، هو مجال صحي للتنافس، السوق الحر بطبيعته سيغربل المحتوى ويترك المنتج الأفضل بالسعر الأفضل للمستهلك، بمنطق آدم سميث، لكن هذه القاعدة لا تسري في كثير من الحالات. مثلا حالة التنافس على صعيد واسع جدًا، ليس المقارنة ما بين سلعتين أو ثلاثة أو عشرة لكن مقارنة ما بين مئات من المنتجات، أو في هذه الحالة المسلسلات أو مكتبة الأفلام. لن يستطيع فرد واحد متابعة وتقييم وغربلة المنتجات والاحتفاظ بالجيد منها، سيختار المشاهد أول ما يلقى أمامه.

والذي يلقي بالمسلسل أمام المشاهد هو دور جديد تبلورت أهميته في هذا السوق الجديد، وهو السمسار، أو الغربال. الذي يقوم بدوره الناقد الفني أو الأنفلوانسر أو الألجوريذم. وهو الدور الذي سوف ينتقي لك مسلسلين من عشرة، تباعًا لذوقك، ويردم على الباقي. وهذا الكيان الذي قد يكون بشريًا أو محض ألجوريذم Algorithms، يحكم على إقصاء أو استمرار أعمال درامية بالكامل دون أن يكون للمشاهد دور في متابعتها وتقييمها بنفسه. غير أن دوره سوف يكون عُرضة للتسييس والانحياز تباعًا للمتحكم فيه، أي في حالة تضارب المصالح. مثل ما نراه يحدث بالفعل في حالة «سينرجي» منتجة المسلسلات حينما تكون هي نفسها منصة العرض «اتش-ات Watch it»، فلن تعرض سوى منتجها للمشاهد. أو شركة «نتفليكس» المنصة التي سوف تدفع بمنتجاتها (كشركة إنتاج) على منصاتها مهما كان، على حساب أي محتوى لأي شركات إنتاج أخرى.

مع كثرة المحتوى يغيب المرجع الثقافي، وتختفي فكرة العمل الواحد الذي يشاهده جميع أفراد الأسرة ويتشاركون مرجعيته ما قبل الغيث الإعلامي للفضائيات والآن الإنترنت وتشتتنا في رحابه، ما يبرر شيء مثل صعود ميمز عبدالغفور البرعي والمعلم سردينة على الإنترنت. ببساطة كان مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» آخر مسلسل تابعناه كلنا، آخر مرجع ثقافي نتشارك فيه ما بين بعضنا البعض، ومع أجيال أكبر أو أصغر قليلًا، وتجمعنا مفرداته بلغة واحدة وتاريخ مشترك، بالنسبة لجيلنا هو آخر ما نلجأ إليه للاحتكام إليه حين اختلافنا، ونألفه حينما تحاصرنا الأسئلة ونشعر بصعوبة متابعة كل ما يجري حولنا.

صورة من مسلسل لن أعيش في جلباب أبي

2 – صعوبة دفع أكثر من اشتراك لأكثر من خدمة بث

مع دخول «نتفليكس»، سوف يكون على المشاهد نظريًا دفع اشتراك «نتفليكس»  لمشاهدة مسلسله البارانورمال المفضل، واشتراك «بي إن سبورتس» لمشاهدة نهائي أوروبا والمصارعة النسائي، واشتراك «إي آر تي» لسبب لا أعرفه. وبالطبع اشتراك يوتيوب قريبًا للحصول على محتوى حصري وفيديو بدون فواصل إعلانية لعينة. ولا نستبعد أن يستقبل السوق قريبًا مسلسلات «HBO» و«hulu» و«amazon prime» التي سينتجونها للشرق الأوسط. وكل من هذه الخدمات له اشتراك، وكل منها ينتج عشرات الأعمال ما بين مسلسلات وأفلام وبرامج وحلقات كوميدية وأخبار. لكن أنت لا تريد كل هذه الأعمال، ولا تريد أن تدفع شيء في مقابل أطنان من الأعمال التي لن تشاهدها. أنت طبعًا بتقرصن كل حاجة ولن يهمك تلك الأمور، لكن بافتراض إنك بتحاول تكون مواطن صالح، أو بافتراض تطور تقنيات منْع القرصنة، قريبًا سوف توضع أمام اختيار ضروري، أي من الخدمات تريد أن تدفع اشتراكها وأي منها سوف تضحي به.

يظن البعض أن اندماج صناع الدراما في شركة واحدة تمتلك أو تطرح على منصتها كل المحتوى المرغوب فيه قد يكون حلًا لمشكلة دفع اشتراكات متعددة. وهو أمر يحدث تدريجيًا نراه مثلًا في اندماج شركة ديزني مع شركة 20th century fox وإعلانها عن افتتاح منصتها الخاصة، ودمج شركة الإنترنت At&T مع شركة warner للإنتاج. فهل اندماج شركات المحتوى هو مسألة وقت حتى تصبح كل هذه الشركات كيان واحد عملاق؟

هو أمر محتمل ولكن ليس في المستقبل القريب، لأنه يوجد أكثر من طرف يلعب دور رئيسي يتحكم في هذه المنظومة الدرامية، يحدِّد في النهاية ما تشاهده وأنت جالس على الكنبة (تنتفليكس وتتشل). من أول منتج المحتوى («نتفليكس» – أو «سينرجي»)، وصاحب المنصة («نتفليكس» – أو «واتش-إيت» أو «ويفو»)، وصاحب خدمة الإنترنت (تي إي داتا أو لينك ومشكلتهم مع الـnet neutrality) وصاحب السرفر الذي تُحمل من عليه الحلقات في مكان ما في القطب الشمالي (وهو غالبًا شركة أمازون)، وطبعًا صاحب الحساب وصاحب الكنبة التي تجلس عليها.

ولكن احذر قبل أن تتمنى بتوحد هذه الكيانات حتى تحظى بمشاهدة كل ما تريده ودفع اشتراك واحد. أنت لا تريد لأي من هذه الأطراف أن يقوم بأكثر من دور في العملية الإنتاجية.

3 – احتكار إنتاج المحتوى بشكل حصري

يجينا شخص يترحم على وقت كانت فيه الدراما التلفزيونية حكر على مؤسسة واحدة وهي مثلًا التلفزيون المصري، دراما هادفة تربوية تعبوية خلاقة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر. لكن وجود متحكم واحد في إنتاج المحتوى يعيدنا إلى مشكلة عدم وجود منافسة تزيد من الجودة، أو تشابه منتجات هذه المؤسسة الواحدة، لكن كل هذه مشاكل ابداعية فقط، وهو أقل مشاكل الاحتكار خطورة.

الإنتاج الدرامي له جمهور كبير وتأثير واسع في الحياة الاجتماعية والسياسية، ويمكن من خلاله ترسيخ لأفكار ومعتقدات بشكل مباشر. بالتالي فالمشكلة ليست إبداعية فقط عن توحيد الذوق العام، ولكنها مشكلة تؤثر على صحة الحياة السياسية وتعدد مذاهبها. وهنا من المفترض على السلطة التنفيذية ليس فقط أن تبتعد تمامًا عن الإنتاج الدرامي وأن تقطع أي علاقة لها به، بل من الواجب عليها سن قوانين لضمان استقلال المؤسسات الاعلامية والصحافية، قوانين صارمة وليس نصائح وديباجات وتوصيات وتوعية وأماني، لفصل الإعلام عن السلطة التنفيذية.

في القنوات الأرضية لدينا خلل واضح في صك وتطبيق قوانين تمنع الاحتكار. كيان مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ودوره المفترض والمعلن هو ضمان استقلال المؤسسات الصحفية والإعلامية، وحيادها، وتعددها، ومن منع الممارسات الاحتكارية في مجال الصحافة والإعلام. لكنه في الحقيقة لم يقم بأي من تلك المهام والتي هي أساس عمله، ما أدى إلى تدهور ملحوظ في قيمة الدراما المقدمة فنيًا، إلى جانب طبعًا انتساب جميع المسلسلات لهوى سياسي واحد. وهذا المجلس فشل في عمله في الأطر القديمة لإنتاج المحتوى على قنوات البث الفضائية، وهي من المفترض انها أطر تقليدية، فما بالك بقنوات محتوى الإنترنت التي لا يوجد لها قوانين واضحة بعد. والمشكلة الأكبر أن الهيئة التي من حقها سن القوانين، هي أصلًا تابعة للسلطة التنفيذية، فأي رجاء ينتظر منها لكي تقوم بدور للحفاظ على التعددية وصحة الحياة السياسية.

شركة «نتفليكس» أنتجت وحدها ما يقرب من 1500 ساعة من المحتوى عام 2018 في أمريكا فقط، وتستحوذ على 68% من عدد مستخدمي قنوات بث المحتوى على الإنترنت السوق ويليها «أمازون برايم» 10% وشركة «هولو» 9%. أي أنها تقدر تهيمن هواها السياسي على معظم المنتجات الدرامية. وعينة من هذه المشكلات ظهرت في المسلسل الإسرائيلي «فوضى» الذي دعت حملة حركة مقاطعة إسرائيل «BDS» لمقاطعته لأنه يروّج ويشرعن جرائم الحرب التي تقترفها إسرائيل، وطالبوا شركة «نتفليكس» بإلغاءه. لكن «نتفليكس» لم تعلق وظل المسلسل متوفر ومطروح في مكتبتها حول العالم.

صعوبة محاسبة الاحتكار في إنتاج وتوزيع محتوى الإنترنت تكمن في صعوبة تعريف هذا الاحتكار. وهو نظام عمل غير محدد بأصول، يمكن تقسيمها، ومعرفة محتكرها. قيام «نتفليكس» كشركة أجنبية بإنتاج المحتوى لا يمكن تحديد ميزانيته أو إخضاعها لقوانين السوق المصري المحلية التي سنها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولا هو إنتاج محدد بوقت للبث والعرض، لأن المحتوى على الإنترنت مطروح بالتوازي بجانب بعضه البعض وتشغيله على مسؤولية المستخدم. ولكن أخطر أنواع هذا الاحتكار هو احتكار خطوات الصناعة، أي أن تكون الشركة صانعة المحتوى هي نفسها الشركة الموزعة أو شركة بث المحتوى أو شركة الإنترنت الموزعة للمعلومات. وهي مشكلة لم تحل في أمريكا والاتحاد الأوروبي نظرًا لتعقيدها وتشابكها، وقدرة كبار الشركات على التملص منها خلف مئات من الحيل القانونية.

وما علاقة كل هذا بحكمة المعلم سردينة السابق ذكرها، ولماذا نترحم على عهد إنتاج التلفزيون المصري وسط كل هذه الاختيارات؟

المعلم سردينة قالها:  لما يبقى ده كارك ساعتها أقول لك ماشي، لكن غيرك له كاره وإنت لك كار، خليك في كارك واتشطر فيه. فبدلا من افتتاح قسم للشيشة في الوكالة، بالمنطق الحسابي الذي قد يوفر له بعض القروش بشكل يومي، آثر أن يظل للمقهى وللقهوجي كيانًا منفصلًا، فيحظى المجتمع ككل بفرص متعددة للرزق، وتوزيع عادل للأدوار في المنظومة الصناعية، يشعر فيه كل فرد بأهمية دوره وتفرده، في حكمة سردينية شاملة. ونصائح المعلم سردينة رغم خلوها من أي جديد ربما تكون الأصلح لتوحيد الصفوف ولتذكر الأصول والحقائق البسيطة.

*تحديث  في 15 يوليو 2019: تعديل بالفقرة الثالثة: نظام الحلقات الأسبوعية نظام عمل خاص بمنصات HBO وShowtime.

اعلان