عن الخيال الاجتماعي ومشاكل الموسم الأخير من «لعبة العروش»
 
 

نُشرت النسخة الأصلية من هذا المقال  بالإنجليزية على موقع Scientific American بتاريخ 17 مايو  2019. الترجمة منشورة بإذن من المؤلفة.

في موسمه الثامن والأخير، وصل مسلسل «لعبة العروش» إلى أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها مسلسل تلفزيوني في يومنا هذا؛ فقد تابع الحلقة الافتتاحية وحدها أكثر من 17 مليون مشاهد. ولكن استنادًا إلى ردود أفعال النقاد ومحبي المسلسل، يبدو أن فئات واسعة من بين تلك الملايين قد كرهت الموسم الختامي. في الواقع، فإن أغلب المراجعات التي كتبت عن الموسم الثامن والنقاشات التي دارت ولا تزال تدور عنه والنظريات التي ملأت الإنترنت، تتمحور حول سؤال واحد: ما الذي حدث لهذا المسلسل المقدر عالميًا؟ أين ومتى بدأت المشاكل، وما الذي أدى إلى تدهوره بهذا الشكل؟

مستوى المسلسل قد تدنى بالفعل، ولكن هذا التحول يرجع إلى ما هو أبعد وأعمق من الأسباب المعتادة التي رصدها الكثيرون: كتاب جدد لا يرقون لمستوى المواسم الأولى، قصر مدة الموسم الأخير، والعديد من الثغرات في الحبكة الدرامية. هذا لا يعني أن تلك الأسباب ليست صحيحة، ولكنها مجرد تغيرات سطحية. في الحقيقة، فإن المأزق الذي وقع فيه «لعبة العروش» يكشف نقصًا رئيسيًا في ثقافة الحكي المهيمنة حاليًا بشكل عام: نحن لا نعرف كيف نحكي قصصًا سوسيولوجية.

في أفضل أيامه، كان «لعبة العروش» كائنًا في ندرة تنين وديع في كينجزلاندينج: مسلسل يعتمد على نمط حكي اجتماعي ومؤسسي الطابع في وسيط يطغى عليه الحكي السيكولوجي والفردي. هذه المرحلة الهيكلية من الحكي في المسلسل استمرت طوال المواسم التي اقتبست روايات الكاتب جورج آر. آر مارتين، وهو متخصص في خلق شخصيات تتطور استجابةً للأوضاع والمحفزات والأعراف المؤسسية المحيطة بهم.

 (عائلتي ستارك ولانيستر تتقابلان للمرة الأولى)

ولكن حين سبق المسلسل الروايات، خضع لسيطرة المؤلفين الهوليوديين النافذين ديفيد بينيوف ودي بي وايس. افترض بعض النقاد ومحبي المسلسل أن الثنائي غيّر السردية لكي تتماشى مع الأنماط الهوليوودية التقليدية أو لتسريع الأحداث، ولكن هذا أمر مستبعد. على الأغلب، التزم بينيوف ووايس بالنقاط السردية التي أمدّهما بها المؤلف الأصلي للقصة، حتى إن كان قد أعطاها لهما في هيئة خطوط عريضة فقط. التعديل الذي قام به الكاتبان كان أكثر جوهرية: فقد أخذا الخط السردي نفسه بعيدًا عن خانة الحكي السوسيولوجي، إلى خانة الحكي السيكولوجي. تلك هي الطريقة الأساسية، إن لم تكن الوحيدة، التي يحكي بها كتاب هوليوود وأغلب كتاب التلفزيون القصص.

من المهم تشريح تحول كهذا، لأن الطريقة التي نحكي بها قصصنا -من وجهة نظر اجتماعية أو من وجهة نظر نفسية- لها تبعات كبيرة على كيفية تعاملنا مع العالم والمشاكل التي تواجهنا.

كثيرًا ما تصادفني هذه العقبة في المجال الذي أكتب فيه، التكنولوجيا والمجتمع. عجزنا عن فهم وحكي القصص الاجتماعية هو أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتباكنا أمام التحول التكنولوجي التاريخي الذي نشهده حاليًا، سواء على صعيد التكنولوجيا الرقمية أو الذكاء الاصطناعي، ولكن سنعود لهذه النقطة لاحقًا. دعونا نستكشف أولًا ما الذي حدث لـ«لعبة العروش».

كيف كان الحكي وكيف صار في «لعبة العروش»

من السهل إغفال هذا التحول الجوهري في المعالجة السردية ولوم كتابة بينيوف ووايس الرديئة على انهيار المسلسل، لأنها رديئة بحق. فهما لم يغيرا الديناميكيات التأويلية للقصة فقط، بل فشلا في حكيها على الطريقة الجديدة كذلك.

السيناريو مليء بثغرات لا يمكن تجاهلها. التنانين، على سبيل المثال، تتحول من وحوش لا تقهر في حلقات معينة إلى كائنات هشة غير محصنة من الخطر في حلقات أخرى. كما وجدت صعوبة هائلة في مقاومة الضحك حين انتهى جايمي لانيستر على بقعة صغيرة جدًا من شاطئ عريض جدًا في نفس اللحظة التي سبح فيها يورون جرايجوي إلى نفس تلك البقعة بعد أن غرق أسطوله كي يواجهه في مشهد غير مقنع على الإطلاق!

(مشهد قتل ريجال، أحد تنانين دينيريس، في الحلقة الرابعة)

كذلك، بدا للكثيرين أن رحلات تطور بعض الشخصيات التي رسمت بعناية شديدة على مدار عدة مواسم جرى إهمالها بشكل عشوائي، ليتحول الأبطال إلى صور كاريكاتيرية بدلًا من شخوص حقيقية من لحم ودم. برييان التارثية مثلًا تصير «كمالة عدد» بعد الحلقة الرابعة، تيريون لانيستر يتحول إلى واشٍ خطير ويفقد جميع قدراته الفكرية (فهو لا يأخذ قرارًا صائبًا طوال الموسم)، ومن منا يعلم ما هو سر بران ستارك، الذي كثيرًا ما بدا وكأن صناع المسلسل يحتفظون به كمجرد عضو احتياطي في العائلة؟

ولكن تلك  كلها مشاكل ظاهرية. حتى لو تمكن كتاب الموسم الثامن من احتواء تلك الثغرات وتجنب استخدام الصدف اللامنطقية (مثل تدخل آريا الخارق [والأخرق] في اللحظة الملائمة لإنقاذ البشرية من ملك الليل) كحيَل درامية، فلم يكن بمقدارهما البقاء في نفس الخانة السردية التي تنتمي لها المواسم السابقة. بالنسبة لبينيوف ووايس، استكمال الرسالة التي بدأ «لعبة العروش» بنيّة إتمامها -أي حكي قصة سوسيولوجية جذابة ومقنعة وممتعة- أمر بصعوبة أكل الأيس كريم الذائب باستخدام شوكة. تعرف هوليوود فقط كيف تحكي القصص الفردية السيكولوجية، ولكنها لا تملك الأدوات اللازمة للقصص الاجتماعية، ولا يبدو أنها تفهم المهمة من الأساس.

لكي نفهم هذا التحول في المعالجة السردية، علينا أن نرجع إلى هذا السؤال المحوري: لماذا أحب هذا الكم الهائل من البشر «لعبة العروش» من الأساس؟ ما الذي ميّز هذا المسلسل عن غيره في عهد أطلق عليه النقاد «العصر الذهبي الثاني للتلفزيون» لكثرة الإنتاجات عالية الجودة المتاحة حاليًا؟

لم يكن التمثيل البارع أو التصوير والصوت والمونتاج والإخراج الممتازين وحدهم السبب في اهتمام المشاهدين الأوّلي بالمسلسل أو في ولائهم التام له فيما بعد. فكل هذه العناصر موجودة في مسلسلات أخرى، وجميعها احتفظ بنفس درجة الإتقان والتميز في الموسم الأخير، رغم انخفاض مستواه فيما عدا ذلك.

أحد الأسباب، بوضوح، هو قدرة المسلسل على قتل شخصياته الرئيسية منذ وقت مبكر وبشكل متكرر دون إفلات زمام القصة. نادرًا ما تفعل المسلسلات التي تتبع نمط الحكي السيكولوجي ذلك، لأنها تعتمد في بناء القصة على تماهي المشاهدين مع الشخصيات واستثمارهم فيها بدلًا من النظر إلى الصورة الأكبر التي تتضمن المجتمع والمؤسسات والأعراف التي نتفاعل معها والتي تشكّلنا كأشخاص. ليس بإمكان مؤلفي تلك المسلسلات قتل الشخصيات الرئيسية لأنها تعد الأدوات المفتاحية التي يستخدمونها في بناء القصة وتعليق المشاهدين بها.

في المقابل، يقتل «لعبة العروش» نيد ستارك بشكل مفاجئ في نهاية الموسم الأول، بعد بناء الموسم بأكمله -وبالتالي المسلسل كله- حوله. في الموسم الثاني، يمنحنا المسلسل وريثًا بديلًا من آل ستارك، وهو ما يبدو في بداية الأمر تطورًا سرديًا تقليديًا. ولكن في الموسم الثالث، يُقتَل هذا الوريث هو وزوجته الحبلى بشكل بالغ القسوة، وهكذا تتوالى الأمور. الشخصيات تموت، ولكن القصة تستمر.

 (مشهد إعدام نيد ستارك)
تكمن جاذبية المسلسل الذي يقتل شخصياته الرئيسية بشكل روتيني في كونه ممثلًا لنمط مختلف من الحكي، حيث لا يقوم السرد برمته على فرد واحد وصراعاته الداخلية، مهما بلغت قوته و/أو كاريزميته، ولا يحمل وحده العبء التأويلي للقصة. لاقت هذه المقاربة صدى واسع لدى الجماهير، التي سريعًا ما تشبثت بالمسلسل، خصوصًا في ظل قلة هذا النوع من السرديات في السينما والتلفزيون.

في الحكي الاجتماعي، يكون للأبطال قصصًا شخصية وإرادة فردية يتصرفون على أساسها بالطبع، ولكن تتأثر قصصهم وإرادتهم بالمؤسسات القائمة والأحداث الدائرة حولهم. تحدد هذه القوى الخارجية الدوافع التي تفسر أفعال الشخصيات، كما تهيمن أيضًا بشكل كبير على حياواتهم الداخلية. يقوم الناس إذن بتستيف سردياتهم الداخلية لكي تتماشى مع دوافعهم، في محاولة لعقلنة وتبرير سلوكياتهم في نفس الوقت. (ومن هنا تأتي المقولة الشهيرة لأبتون سينكلير: «من الصعب أن تحمل شخصًا على فهم شيء ما حين يعتمد راتبه على عدم فهمه له.»)

حينما يتبع الحكي أو التحليل أسلوبًا شخصيًا بحتًا، يحرمنا ذلك من إدراك أعمق للأحداث والتاريخ. على سبيل المثال، فهمنا لشخصية هتلر وحدها لن يخبرنا الكثير عن صعود الفاشية. هذا لا يعني أن شخصيته لم تكن مؤثرة، ولكن على الأغلب حتى في غيابه كان سيظهر زعيمًا ديماجوجيًا آخر في ألمانيا بين الحربين العالميتين في القرن العشرين. لذلك، فإن الإجابة على سؤال «هل تقتل هتلر الرضيع إذا سافرت عبر الزمن؟»، والذي يُطرح أحيانًا كتحدي أخلاقي، ينبغي أن تكون «لا»، لأن قتل هتلر لن يغير الكثير، وبالتالي فهي ليست معضلة حقيقية.

بالإضافة إلى ذلك، لدينا كبشر تحيز للفرد باعتباره الموضع الأوحد للإرادة حين يأتي الأمر إلى تفسير حياتنا اليومية أو تصرفات الآخرين. عادة ما نميل إلى البحث عن مسببات داخلية ونفسية لسلوك من هم حولنا، بينما نجد دائمًا أعذار مواقفية لسلوكنا نحن، وهو أسلوب شائع جدًا في النظر إلى العالم، للدرجة التي دفعت علماء النفس الاجتماعيين لإيجاد مصطلح له، وهو «خطأ الإحالة الأساسي».

حين يجور علينا شخص ما، ننزع إلى رؤيته كشخص شرير أو مضلَّل أو أناني: تفسير مشخصن. ولكن حين نسيء نحن التصرف، نصبح أكثر قدرة على تمييز دور الضغوط الخارجية في تحديد أفعالنا: إدراك مواقفي. إذا وجهت كلمة لاذعة إلى أحد زملائك في العمل مثلًا، قد تعقلن تصرفك عن طريق تذكير نفسك أو الغير بأنك لم تنم جيدًا الليلة السابقة، وأنك عانيت من بعض المشاكل المالية هذا الشهر. أنت لست شريرًا، أنت فقط متوتر. أما إذا وجه إليك زميل كلمة لاذعة، ستراه على الأرجح  كشخص جلف وسخيف، دون محاولات شبيهة لعقلنة الأمر. هكذا نحافظ على راحة بالنا، مكتفين بنطاق معرفتنا؛ فنحن نعلم الضغوط الواقعة علينا، ولكن لا نعلم بالضرورة أي ضغوط يتعرض لها الآخرين.

هذا التوتر بين القصص الشخصية والرغبات الداخلية والضغوط الخارجية المتمثلة في المؤسسات والأعراف والأحداث هو تحديدًا ما قدمه «لعبة العروش» في الكثير من شخصياته، خالقًا لوحات سيكولوجية ثرية وأنماط من السلوك لا يمكن وصفها بالخير أو الشر المطلق. كان الأمر أعمق من ذلك: كان بإمكانك كمشاهد أن تفهم -بل تدرك- لمَ تتصرف الشخصيات كما تتصرف، حتى أولئك الذين يقدِمون على أفعال شريرة. كان بإمكانك أن ترى كيف تتبدل وتُهمش نواياهم الحسنة، وكيف تصنع دوافعهم أفعالهم. جعل هذا التعقيد المسلسل أغنى كثيرًا من مجرد قصة أخلاقية مبسطة، يصارع فيها الخير الخالص الشر المحض.

جايمي وسيرسي لانيستر

السمة المميزة للحكي الاجتماعي هي قدرته على حملنا على وضع أنفسنا محل أي من الشخصيات، ليس فقط البطل أو البطلة، وأن نتخيل أنفسنا نتصرف بشكل شبيه، مما يعد مدخلًا إلى فهم أعمق وأوسع من مجرد التعاطف، والذي نشعر به بالطبع تجاه الضحايا والأشخاص الخيرين فقط، لا فاعلي الشر. إذا فهمنا كيف ولماذا تقوم الشخصيات باختياراتها، بإمكاننا أيضًا أن نفكر في كيفية بناء عالم يدعم اختيارات أفضل للجميع. البديل هو مناشدة دائمًا ما تكون عديمة الجدوى إلى الجانب الملائكي من طبيعتنا. والأمر ليس أن هذا الجانب لا وجود له، لكنه يعيش بصحبة دوافع أدنى وأكثر دنيوية. المسألة إذن ليست في التفتيش عن الملاك الكامن في داخلنا، ولكن في تمكين كل منا من القيام باختيارات تقودنا، بشكل جمعي، إلى مكان أفضل.

يعد مسلسل «ذا واير» (2002 – 2008) من تأليف ديفيد سيمون، والذي يتمتع بقاعدة معجبين ذات حماس شبيه، مثالًا آخر للدراما التلفزيونية السوسيولوجية بامتياز. يتبع المسلسل مسار مجموعة متنوعة من الفاعلين في بالتيمور، يتراوحون بين أفارقة-أمريكيين يحاولون النجاة في المناطق الفقيرة والمهمشة من المدينة وضباط شرطة وصحفيين وعمال نقابيين في الميناء ومسؤولين محليين ومدرّسين. قتل هذا المسلسل كذلك  شخصياته الرئيسية بشكل دوري دون أن يفقد جمهوره. من المثير للاهتمام أن النجم الحقيقي في كل موسم كان أحد المؤسسات أكثر ما كان شخصًا بعينه؛ ركّز الموسم الثاني مثلًا على انهيار الطبقة العاملة النقابية في الولايات المتحدة، بينما ركز الرابع على المدارس، والخامس على الصحافة والإعلام.

من حسن حظ متابعي «ذا واير» أن القرارات الإبداعية الخاصة بالمسلسل لم تنتقل إلى كتاب هوليووديين نموذجيين كانوا سيعطونا شخصيات نشجعها أو نكرهها دون أن تكون لدينا القدرة على فهم الظروف التي كونتها. من اللافت في المسلسل أيضًا كيف دفع المشاهدين لتفهم جميع شخصياته، ليس الأخيار فقط (في واقع الأمر، لم يكن أي منهم خيّر أو شرير بشكل كامل). حين يكون الأمر كذلك، تعرف أنك تشاهد قصة سوسيولوجية.

لماذا توقف «صراع العروش» عن قتل شخصياته الرئيسية؟

صدم الموسم الثامن من «صراع العروش» الكثير من المشاهدين لأنه -في حلقاته الأولى على الأقل- لم يقتل أي من الشخصيات الرئيسية. كان هذا أول مؤشر واضح على التحول السردي الذي قام به الكتاب، حيث نقلا وزن القصة إلى الفرد، وهجرا نمط الحكي السوسيولوجي أو الاجتماعي. في هذا السياق، رأينا بعض الشخصيات المفضلة لدى الجماهير تقوم بـ«نِمَر» تدفعنا لتشجيعها والتهليل لها، كقتل آريا ستارك لملك الليل بشكل يصعب توقعه أو تصديقه.

 (آريا ستارك تقتل ملك الليل)

طوال سبعة مواسم، ركز المسلسل على التعقيدات الاجتماعية التي قد يسببها تهديد خارجي في شكل «آخر» خطير وغريب -كملك الليل وجيش الموتى والشتاء القادم- على الصراعات القائمة في المعسكر المواجِه له. وبعد القضاء على أحد أهم المحركات السوسيولوجية التي وجّهت المسلسل منذ بدايته بطعنة خنجر وحيدة حاسمة، تفرّغ بينيوف ووايس لتخريب المحرك السوسيولوجي المتبقي: قصة السلطة والفساد، أو كيف تُفسِد السلطة.

صُورت هذه العلاقة الطردية بين السلطة والفساد بشكل أساسي في رحلة صعود وتطور شخصية سيرسي لانيستر من ضحية (وإن كانت أنانية) إلى فاعل شرير، ومن الواضح أن قصة غريمتها الرئيسية، دينيريس تارجاريان، كان من المقدر لها أن تعكس نفس المنحنى. أرادت داني أن تكون «محطمة الأغلال»، ولكن أنهكها ثقل الخيارات الأخلاقية حتى شهدناها تتغير في موسم تلو الآخر بفعل الأدوات المتاحة لديها، والتي احتضنتها في النهاية: الحرب، التنانين، النيران.

(تتويج سيرسي لانيستر)

في حال نُفذت كما يجب، كانت ستصبح حكاية ديناميكية وآسرة: بطلة تتحول إلى نسخة أخرى من عدوتها في خضم سعي كل منهما نحو سلطة مطلقة باستخدام أدوات مُهلِكة وبلا هوادة، إحداهما تبدأ رحلتها من منطلق أناني (رغبتها في أن يصل أبناؤها إلى الحكم) والأخرى تبدأها من منطلق إيثاري (رغبتها في تحرير العبيد والمقهورين، والذين كانت ضمن صفوفهم يومًا ما).

يعد إفساد السلطة أحد أهم الديناميكيات النفسية والاجتماعية المفسرة للكثير من نقاط التحول في التاريخ، ولتفشّي العلل والاضطرابات المجتمعية. لهذا توصلت البشرية إلى الانتخابات ونظام الضوابط والتوازنات وأعداد لا تحصى من القوانين والآليات التي من شأنها تقييد السلطة التنفيذية. كم من شخصية تاريخية مُدمِرة آمنت بضرورة وجودها في الحكم لأنها هي وحدها القادرة على قيادة شعبها، ولأن البديل سيكون كارثيّ؟ عادة ما يتحول القادة إلى أشخاص معزولين، يحيط بهم المتملقون من كل جانب، فيستسلمون بسهولة للنزعة البشرية التي تدفع الفرد إلى تبرير وعقلنة تصرفاته مهما كانت. التاريخ يغص بنماذج لقادة بدأوا معارضين وممتلئين بالنوايا الطيبة مثل داني، فقط ليلجأوا إلى العنف والقسوة بمجرد أن يصلوا إلى الحكم، وينتهي بهم الأمر كطغاة.

دينيريس

تحول داني من بطلة محبوبة إلى سفّاحة كان بإمكانه أن يكون محور لقصة قوية وجذابة إذا حُكيت من منظور سوسيولوجي. ولكن حين وضعت القصة في يد كاتبين لا يملُكان ما يكفي من الفهم كي يطوّرا السرد في هذه الخانة، تحولت إلى شيء تافه. تهاجم داني كينجزلاندينج على ظهر تنينها دروجون، تنتصر، وترن أجراس المدينة استسلامًا. فجأة، تثور داني وتقرر أن تدمر المدينة في كل الأحوال. بشكل ما، تُفعّل جينات الطغاة الكامنة بداخلها.

يقول فاريس -مستشار داني الذي يدفع حياته ثمنًا حين يحاول إيقافها- لجون سنو أنه «في كل مرة يولد تارجاريان، تلقي الآلهة بعملة في الهواء، ويحبس العالم أنفاسه منتظرًا على أي وجه ستهبط.» اختُزل تطور الشخصية بشكل مباشر ومسطح في مفهوم الحتمية الجينية، على عكس كل ما شهدناه في المواسم السبعة الماضية. مرة أخرى، القصص الاجتماعية لا تهمل العوامل الشخصية أو النفسية أو حتى الجينية، ولكن الفارق أن الأمر يتخطى كونه مجرد «عملة في الهواء»؛ القصص الاجتماعية تتكون من تفاعلات معقدة لها عواقب واضحة، وهي الطريقة التي يعمل بها العالم فعليًا.

 (مشهد قتل فاريس)

في اللقاءات التي تلت هذه الحلقة* من الموسم، اعترف بينيوف ووايس أن قرار داني في تلك اللحظة كان عفويًا. يقول وايس: «لا أظن أنها قررت مسبقًا أنها ستفعل ما فعلته. ولكنها ترى القلعة الحمراء، وهي بالنسبة لها البيت الذي شيدته عائلتها حين أتت إلى هذا البلد للمرة الأولى منذ 300 سنة. تلك هي اللحظة -على جدران كينجزلاندينج، وهي تنظر إلى رمز كل شيء تم أخذه منها غصبًا- التي تقرر فيها أن تجعل الأمر شخصيًا.»

من المؤكد أن جورج آر آر مارتين هو صاحب هذه النهاية لـ«صراع العروش»، التي تتحول فيها دينيريس إلى «الملكة المجنونة»، وأن بينيوف ووايس قد أخذاها منه. هنا نرى بوضوح مشكلة الآيس كريم الذائب والشوكة التي أشرت إليها سابقًا. تمكن الكاتبان من الحفاظ على القصة، ولكن ليس على نمط الحكي. لم يكن بوسعهما سوى أن يحوّلا النهاية إلى مجرد لحظة مفاجئة، مدفوعة ببعض من علم النفس وبعض من علم الوراثة: أي بعض من العفوية وبعض من جينات الجنون.

أهمية الحكي السوسيولوجي

سواء نفذ بشكل جيد أو بشكل سيء، فالنمط السيكولوجي/الداخلي من الحكي يتركنا غير قادرين على فهم التغيرات الاجتماعية أو التعامل معها. بل قد يدّعي البعض أن هيمنة السردية السيكولوجية المبنية على البطل ونقيضه تعد سببًا في عجزنا عن مواجهة التطور التكنولوجي التاريخي الذي يجري حاليًا. لذلك، فهذا المقال يتعدى كونه عن مسلسل تلفزيوني واحد تتخلله المعارك والتنانين.

تواجهني نفس المشكلة في مجالي من البحث والكتابة، وهو تأثير التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي على المجتمع. هناك عدد معتبر من القصص الصحفية والكتب والسرديات التي تتمحور حول شخصيات اللاعبين الأساسيين في المجال، أمثال مارك زوكربيرج و شيريل ساندبيرج وجاك دورسي وجيف بيزوس. لشخصيات هؤلاء أهمية بالطبع، ولكن فقط في سياق نماذج الأعمال والتطورات التكنولوجية والبيئة السياسية و(قلة) اللوائح المنظمة والقوى السياسية والاقتصادية القائمة التي تدعم سوء توزيع الثروة وانعدام المساءلة لأصحاب السلطة، بالإضافة إلى الديناميكيات الجيوسياسية والخصائص المجتمعية وغيرها.

من المنطقي مثلًا أن تفكر مؤسسة ما مليًا في صفات الشخص الأنسب كرئيس تنفيذي لها قبل أن تختاره، ولكن ليس منطقيًا أن نتوقع -نحن العامة ومستخدمو التكنولوجيا- نتائج مختلفة راديكاليًا لمجرد أن أحد هؤلاء اللاعبين الكبار تم استبداله بشخص آخر دون تغيير الهياكل وموازين القوى التي تحدد كيف يتصرف كل منهم وكيف تعمل كل من شركاتهم في هذا العالم.

تفضيل السرديات الفردية والسيكولوجية أمر مفهوم؛ فالقصة تصبح أكثر سلاسة في الحكي، لأننا، بشكل شخصي، لدينا استعداد دائم للتماهي مع البطل وكراهية نقيضه. فنحن، في نهاية الأمر، أفراد.

في مسرحية برتولت بريخت الشهيرة «حياة جاليليو»، يزور أندريا، أحد طلاب جاليليو السابقين، العالم الإيطالي بعد أن يتبرأ من أعماله واكتشافاته الكبرى تحت ضغط الكنيسة الكاثوليكية. يعطي جاليليو مفكراته لأندريا ويطلب منه نشر المعرفة التي تحتويها. يحتفي أندريا بالأمر، قائلًا: «تعيسة هي الأرض التي لم تنجب بطلًا»، ولكن جاليليو يصححه: «تعيسة هي الأرض التي تحتاج بطلًا.»

جون سنو

المجتمعات الكفؤة لا تحتاج إلى أبطال، والسبيل إلى تحجيم النوازع السيئة ليس خلع «الأشرار» وإحلال أشخاص خيرين في مكانهم. للأسف، الكثير من حكاياتنا -في السينما والتلفزيون والأدب وكذلك في الإعلام- يظل حبيس سردية البطل ونقيضه، ولذلك، يعد فشل «لعبة العروش» في إنهاء موسمه الأخير على نهجه الأصلي خسارة غير هينة. في لحظة تاريخية تتطلب بناء مؤسسات جديدة وخلق محفزات بديلة (في ظل التحديات التكنولوجية والتغير المناخي واللامساواة وانعدام المساءلة)، نحن في أمس الحاجة إلى خيال اجتماعي حيّ، وقد كان وجود مسلسل يلهم ذلك بالتحديد لفترة ما أمرًا منعشًا، حتى وإن كان مسلسلًا فانتازيًا يركب أبطاله التنانين.

*الحلقة الخامسة من الموسم الثامن ( نُشر هذا المقال قبل إذاعة الحلقة السادسة والأخيرة)

اعلان
 
 
زينب توفيقي