«حماية المنافسة» مع إيقاف التنفيذ
 
 

بين حين وآخر، يعاود جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الظهور، معلقًا على أحدث صفقات اﻷعمال، يحاول التأثير فيها إذا أثارت شبهة احتكار أو إضرار بالمنافسة.

الظهور اﻷخير كان في منتصف يونيو الماضي، حين أعلن عن تلقيه إخطارًا رسميًا من شركات خدمات التوصيل «جلوفو» و«ديليفري هيرو» أعلنا فيه استئناف «جلوفو» نشاطها مجددًا في السوق المصري. كما تعهدت «ديليفري هيرو» بعدم استخدام نصيبها في «جلوفو» بأي طريقة قد تؤثر على النشاط الاقتصادي لـ«جلوفو» في مصر.

التطور اﻷخير جاء بعدما أمهل الجهاز في نهاية مايو الماضي الشركتين 30 يومًا للتراجع عن الترتيبات بينهما لمخالفتها قانون حماية المنافسة، بحسب بيان أصدره الجهاز.

كانت «جلوفو» أعلنت بشكل مفاجئ في اﻷول من مايو الماضي إيقاف أعمالها في مصر وتشيلي، وذلك بعد يوم واحد من حصولها على استثمارات قيمتها 150 مليون يورو. وأثار توقيت إعلان الخروج التكهنات حول ما إذا كانت الخطوة رضوحًا لضغوط من شركة «ديليفري هيرو»، والتي تمتلك كذلك 16% من أسهم «جلوفو»، تمثلت في اشتراط الخروج من مصر مقابل الموافقة على أموال الاستثمارات. وتمتلك «دليفيري هيرو» منصة طلب الطعام على الإنترنت «اطلب» إلى جانب أسهمها في «جلوفو».

لم يتضح بشكل رسمي سبب قرار «جلوفو» العودة إلى السوق المصري، لكن تقارير صحفية تحدثت عن أن السبب يرجع إلى تدخل الجهاز. المؤكد أن قرار العودة جاء خلال المهلة الزمنية التي منحها الجهاز لهم.

لكن اﻷمر كان مختلفًا فيما يتعلق بصفقة اندماج شركتي «أوبر» و«كريم». قبل شهور، أعلن الجهاز رفضه صفقة استحواذ «أوبر» على «كريم»، المتنافستين في سوق النقل التشاركي في مصر، بعد أنباء نشرتها وكالة بلومبرج في يوليو من العام الماضي كشفت أن «أوبر» تجري محادثات أولية مع منافستها «كريم» لدمج خدماتهما لنقل الركاب في الشرق اﻷوسط.

في البداية، كان موقف الجهاز من الصفقة المحتملة قويًا في رفضها. لكن، وبعد إتمام الصفقة في مارس الماضي بقيمة 3.1 مليار دولار، تراجع الجهاز عن موقفه اﻷول. اكتفى الجهاز بإبداء قلقه من الصفقة، التي وصفها مسبقًا بأنها غير قانونية، وأعلن عن استطلاع رأي أصحاب الشأن والشركات المنافسة قبل عرض موقفه النهائي من الاندماج. وأمهل الجهاز نفسه 60 يومًا -قابلة للتجديد- لاتخاذ قراره بخصوصها.

وفي أوائل مايو الماضي، أعلن الجهاز أن كلًا من «أوبر» و«كريم» أبديا حرصهما على التوافق مع أحكام قانون حماية المنافسة، لكنه أكد أن قراره لم يصدر بعد. وانتهت مهلة الستين يومًا قبل أسابيع، ولم يُعلن الجهاز قراره بخصوص الصفقة أو حصوله على مهلة جديدة.

اختلاف مواقف الجهاز في حالتي «أوبر» و«جلوفو» يفتح الباب أمام تساؤلات حول الدور الذي يمكن لجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية أن يؤديه، وحدود اختصاصاته واستقلاليته، وحجم السلطة التي يتمتع بها، في ظل اﻹطار التشريعي الذي يحكم عمله، والسياق الذي يعمل فيه.

وتشير دراسة الصلاحيات الممنوحة للجهاز وتاريخ عمله وأبرز القضايا التي تولاها -أو لم يتولها- إلى حدود الدور الذي يمكن للجهاز في شكله الحالي أن يلعبه. يمنح قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الجهاز حق التدخل في الاتفاقات التي تجري خارج مصر إذا كانت تضر بالاقتصاد المصري، وهو ما استند إليه الجهاز في موقفه خلال أزمتي «أوبر» و«جلوفو». لكن الصلاحيات المدرجة في نصوص القانون لا تعني بالضرورة سلطة الفعل.

تسببت ضغوط رجال الأعمال المؤثرين على دوائر صنع القرار في تأخر إصدار قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية حتى عام 2005، بعد توقيع مصر اتفاقية التجارة الحرة الأورو-متوسطية في العام 2001، ودخولها حيز التنفيذ في 2004، والتي حددت عددًا من الشروط تتعلق بتنظيم المنافسة ومكافحة الاحتكار.

أحيل مشروع قانون حماية المنافسة إلى البرلمان في العام 2004، تحت اسم «حماية المنافسة ومنع الاحتكار»، وحدد نسبة 65% كحد أدنى للاستحواذ كي يتم اعتبار شخص ما مسيطرًا على السوق.

لكن القانون تغير في صيغته النهائية، وتحول من «منع الاحتكار» إلى منع «الممارسات الاحتكارية». تغيرت نسبة السيطرة على سوق إلى 25% فقط، وتعرفت بأنها قدرة الشخص المسيطر على السوق في «إحداث تأثير فعال على اﻷسعار أو حجم المعروض بها دون أن تكون لمنافسيه القدرة على الحد من ذلك». أباح القانون السيطرة على السوق، لكنه منع من يتمتع بهذه السيطرة أن يقوم بممارسات احتكارية.

لم يكتف القانون بتحديد الممارسات الاحتكارية على سبيل الحصر، لكنه حدد أيضًا ضوابط للاتفاقات بين المتنافسين تحول دون أي شبهة احتكار.

التمييز القانوني بين الاحتكار والممارسات الاحتكارية تمييز «ذكي»، بحسب وصف مدحت نافع، خبير الاقتصاد ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية. في مقال له نشرته صحيفة الشروق. يشير نافع إلى أن هذا التمييز «يحول دون اتهام الشركة القابضة للكهرباء -مثلًا- بكونها محتكرًا لسوق إنتاج وتوزيع الكهرباء». لكنه في الوقت نفسه يحظر عليها «منع دخول منافسين لإنتاج الكهرباء من مصادرها المختلفة، وتقديم أسعار تنافسية للمستهلك».

«جهاز حماية المنافسة في مصر هو الوحيد في العالم الذي ليست لديه سلطة فرض غرامات إدارية واتخاذ تدابير إدارية فورية تمكنه من وقف المخالفات»

تتفق منى ياسين، الرئيسة اﻷولى لجهاز حماية المنافسة (2006-2011)، مع هذا الطرح. في تصريحات لـ«مدى مصر»، تشير منى إلى أنه ليس من العدل الإضرار بشركة تسيطر على السوق بشكل طبيعي نتيجة جودة ما تقدمه من منتجات أو خدمات. المشكلة التي تحتاج إلى التدخل تكون في حالة ارتكاب المسيطرين على السوق ممارسات معينة تمنع الغير من دخوله.

يختص جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بتنفيذ أحكام القانون، حيث يتلقى الطلبات الخاصة بالتقصي واتخاذ الإجراءات في حالات الاتفاقات والممارسات الضارة بالمنافسة، كما يتلقى إخطارات ببلاغات ضد ممارسات مخالفة للقانون، إلى جانب إعداد قاعدة بيانات وتقارير سنوية حول النشاط الاقتصادي، وإبداء رأيه في التشريعات والسياسات التي من شأنها أن تضر المنافسة.

ويتمتع الجهاز بصفة الضبطية القضائية كي يمارس دوره، ويحق له الاطلاع على المستندات والبيانات الحكومية وغير الحكومية. كما يتمتع بميزانية مستقلة، ويحصل على تمويله من الموازنة العامة (لكن يُسمح له بالحصول على منح وهبات طالما كانت «لا تتعارض مع أهداف الجهاز»).

يفرض القانون غرامات مالية في حالة المخالفة تتراوح بين 1 إلى 12% من اﻹيرادات. ويجوز مضاعفة الغرامات في حال تكرار المخالفة، أو عدم الالتزام بالقرارات العقابية.

لكن القانون لا يسمح للجهاز بفرض هذه الغرامات بنفسه. تتحدد الغرامات بحكم المحكمة بناءً على دعوى جنائية يحركها الجهاز ضد الجهات المخالفة. ويحق للجهاز التصالح في القضايا المنظورة أمام القضاء.

حدود سلطة الجهاز فيما يتعلق بفرض الغرامات كانت محل شكوى أمير نبيل، الرئيس الحالي للجهاز. في مؤتمر صحفي عقده في أكتوبر الماضي. اعتبر نبيل أن الجهاز يعاني من افتقاده أدوات رقابية فعالة تمكنه من القيام بدوره. بحسب رأيه، فإن «جهاز حماية المنافسة في مصر هو الوحيد في العالم الذي ليست لديه سلطة فرض غرامات إدارية واتخاذ تدابير إدارية فورية تمكنه من وقف المخالفات». وتستغرق هذه القضايا أعوامًا طويلة أمام المحاكم. بحسب دراسة أعدها الجهاز وأشار إليها نبيل، يبلغ متوسط عمر هذه القضايا حوالي أربعة سنوات، وهي «فترة طويلة لإثبات المخالفة وتحقيق الردع المطلوب لمواجهة أي ممارسات احتكارية»، بحسب تعبيره.

يحرك الجهاز هذه الدعاوى القضائية بناء على ما يرد إليه من إخطارات أو شكاوى، وعلى المعلومات التي يجمعها بنفسه، والتي يسمح القانون له بجمعها.

ورغم أن القانون يفرض غرامة على من يمتنع عن تقديم المستندات اللازمة للجهاز، تتراوح بين 20 إلى 500 ألف جنيه، ويفرض على من يقدم معلومات غير صحيحة غرامة بين 50 ألف إلى مليون جنيه، بحسب المادة 22 مكرر، تشير منى ياسين إلى أن أحد المشكلات التي يواجهها الجهاز دائمًا هي عدم قدرته على الحصول على المعلومات اللازمة لدراسة الموقف، خاصة حين تكون المعلومات المطلوبة من شركة تابعة للدولة أو لجهات سيادية. فرغم الضبطية القضائية الممنوحة للجهاز، إلا أن اﻹجابة قد تكون أن المعلومات «سرية».

لكن هبة شاهين، الخبيرة في مجال حماية المنافسة والأستاذة الزائرة في كلية كينجز في لندن، لا ترى اﻷزمة مقتصرة على الشركات المملوكة للدولة الخاضعة للقانون. بحسب رأيها، فإن اﻷزمة تتمثل في صعوبة الحصول على أي معلومات مطلوبة من الشركات سواء كانت مملوكة للدولة أو القطاع الخاص.

أُنشئ جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في العام 2006، بعد إقرار قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية رقم 3 للعام 2005، والذي عُدلت بعض بنوده في العام 2014، وإصدار لائحته التنفيذية. صدر القانون وقت حكومة رجال الأعمال التي تولت الإدارة في العقد السابق على ثورة يناير 2011، والذي شهد سيطرة رجال الأعمال على المشهد السياسي، بما صاحب ذلك من تجاوزات سياسية واقتصادية، من ضمنها فساد واحتكار، وهي القضايا التي تكشفت بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد حسني مبارك وبعض رموزه.

تبع الجهاز وزارة الصناعة والتجارة الخارجية، وكانت قرارات تعيين رئيس الجهاز وتشكيل مجلس إدارته خاضعة ﻹشراف الوزارة منذ تأسيسه، إلا أن هذا اﻹشراف انتقل إلى رئيس الوزراء في يناير الماضي.

تأثير السياق السياسي ظهر واضحًا خلال أزمة شبكة «بي إن سبورتس» قبل عامين.

ويتشكل مجلس إدارة الجهاز من ثلاثة ممثلين عن مجلس الدولة ووزارة التجارة والصناعة ووزارة التموين، وثلاثة ممثلين عن اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات المصرية واتحاد حماية المستهلك، بالإضافة إلى ثلاثة خبراء في الاقتصاد والقانون، وذلك تحت رئاسة رئيس الجهاز، بإجمالي عشرة أعضاء. وتبلغ مدة المجلس أربعة سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

غادرت منى ياسين منصبها في يناير 2011، وذلك بعد شهر واحد من تحريكها قضية احتكار سبع شركات سينمائية توزيع الأفلام في مصر في ديسمبر 2010. تقول منى: «في الوقت ده كان القانون ما بيسمحش بإن الجهاز يحيل بصفة مباشرة الملفات للقضاء، فاتحال الملف لوزير الصناعة وقتها، [وكان] هو المسؤول عن تحريك دعوى قضائية».

بعد منى، انتقلت رئاسة الجهاز إلى سامح الترجمان، رئيس البورصة السابق، والرئيس الحالي لمجلس إدارة شركة بلتون المالية القابضة، الموقوفة حاليًا بسبب مخالفات مالية. تولى الترجمان رئاسة الجهاز في منتصف يناير 2011، لكنه اتُهم بالتلاعب في القضايا المنظورة والخاصة بالاحتكار. وبعد عام واحد من توليه المسؤولية، استقال الترجمان من منصبه.

ترأس الجهاز قائم بالأعمال لمدة عام، ثم انتقلت رئاسته إلى منى الجرف، من نوفمبر 2013 حتى نوفمبر 2017، بعد انتهاء فترتها اﻷولى، واستمرارها عدة شهور لتسيير أعمال الجهاز، قبل العودة إلى التدريس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وفي مايو 2018، عُين أمير نبيل رئيسا للجهاز.

في 2007، أُحيل 20 مسؤولًا في عدد من شركات اﻷسمنت إلى المحاكمة بناء على تقرير للجهاز اتهمهم برفع الأسعار وتقسيم السوق فيما بين شركاتهم، وصدر الحكم النهائي بعد عامين بتغريم العشرين حوالي 200 مليون جنيه.

كما حرك الجهاز عددًا من القضايا الكبرى خلال السنوات الأخيرة. أحد أكبر هذه القضايا هي احتكار الدواء، وهي القضية التي أحالها الجهاز إلى المحكمة الاقتصادية في ديسمبر 2015، متهمًا أربعة شركات دواء بممارسات احتكارية. وصدر الحكم النهائي في فبراير الماضي بتغريم 13 مسؤول في هذه الشركات 420 مليون جنيه.

كما صدرت كذلك أحكام في قضايا أخرى حركها الجهاز كقضية احتكار الدواجن، والتي صدر الحكم فيها بتغريم 12 متهمًا بين 10 آلاف ومليون جنيه لمخالفتهم قانون حماية المنافسة والاتفاق على خفض الأسعار في السوق بالشكل الذي أضر المنافسة الحرة في ديسمبر الماضي.

لكن الوضع يبدو مختلفًا عندما يتعلق بملفات لها حساسية سياسية. أحد أهم هذه الملفات هو الحديد، والذي لطالما شابته اتهامات بالاحتكار منذ التسعينيات، مع صعود أحمد عز، إمبراطور صناعة الحديد وأمين التنظيم وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني المنحل وأحد أهم رموز نظام الرئيس اﻷسبق حسني مبارك، في السوق، وسيطرته عليه بحلول 1999 بعدما اشترى 28% من أسهم شركة حديد الدخيلة القومية، التي أنشأتها الحكومة في الثمانينيات. لاحقًا، اتسعت سيطرة عز على سوق الحديد في مصر لتصل إلى 67%، واتسعت معها اتهامات الاحتكار. وطالب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بالتحقيق في احتكار عز للحديد في تقارير رقابية قدمها إلى مجلس الشعب عام 2004، قبل إقرار القانون.

لم يتناول الجهاز ملف احتكار الحديد خلال الأعوام الأولى من عمله. لكن، ونتيجة ضغوط لفتح القضية، أعلن الجهاز في العام 2009 أنه، بعد دراسة استمرت لعامين، لا توجد ممارسات احتكارية في سوق الحديد. لم يُفتح ملف احتكار الحديد إلا بعد ثورة يناير 2011، حين أحالت الأموال العامة أحمد عز إلى المحكمة الاقتصادية في يناير 2013 لمخالفته قانون حماية المنافسة وممارساته الاحتكارية في قطاع الحديد، ولكنه حصل على البراءة في يونيو 2013.

أثيرت الاتهامات مجددًا في العام الماضي، حين أحال جهاز حماية المستهلك أصحاب مصانع الحديد والصلب إلى جهاز حماية المنافسة، بعد تلقيه بلاغات بالاتفاق على رفع أسعار الحديد. لكن الأخير نفى التحقيق في أي ممارسات احتكارية في سوق الحديد.

تقول منى ياسين إنه لم يثبت قيام عز بفعل مخالف أدى إلى ضرر بالسوق، رغم سيطرته على السوق، مضيفة أن السيطرة جاءت من جودة المنتج، وكانت هناك شركات أخرى منتجة للحديد في السوق، بالإضافة إلى شركات مستوردة، ما خفض أسعار الحديد وحافظ على التنافسية. الممارسة الاحتكارية الوحيدة التي سجلها الجهاز بعد دراسة هذا الملف كانت تخص العقود التي يوقعها عز مع المشترين، والتي لفت الجهاز انتباهه إليها وتغيرت صياغة العقود، بحسب منى.

تأثير السياق السياسي ظهر واضحًا كذلك خلال أزمة شبكة «بي إن سبورتس» قبل عامين. في ظل أزمة متصاعدة بين مصر وعدد من الدول الخليجية من بينها السعودية والإمارات مع قطر وصلت إلى ذروتها في يونيو 2017 بفرض الدول اﻷربعة حصارًا على قطر، تلقى الجهاز بلاغات ضد الشبكة الرياضية تتهمها بممارسات احتكارية تخص بث مباريات كرة القدم، وذلك في العام 2016. وقرر الجهاز إثبات المخالفات وإحالة الملف للقضاء. وفي أكتوبر 2017، أحيلت شبكة «بي إن» ورئيس مجلس إدارتها ناصر الخليفي للقضاء بتهمة مخالفة قانون حماية المنافسة واشتراط الشبكة على المستخدمين الدخول عبر القمر الصناعي القطري. وصدر الحكم النهائي بتغريم الشبكة والخليفي 400 مليون جنيه في سبتمبر الماضي. كما فرض الجهاز على اتحاد الكرة العالمي «فيفا» العام الماضي بث مباريات كأس العالم على القنوات المصرية الأرضية، ضد احتكار بث «بي إن سبورتس» حصريًا للمباريات الدولية.

تحد تناقضات اﻹطار التشريعي الحاكم والسياق السياسي اﻷوسع من قدرات عمل جهاز حماية المنافسة. وظهرت هذه المحدودية بشكل واضح خلال أزمة اندماج شركتي «أوبر» و«كريم». بعد تسريب معلومات تخص استحواذ «أوبر» على «كريم» في أكتوبر الماضي، علق رئيس الجهاز الحالي، أمير نبيل، في مؤتمر صحفي قائلًا إنه يجب على الشركتين إخطار الجهاز قبل 60 يومًا من إبرام أي اتفاق. واعتبر نبيل، في حوار صحفي، أن اندماج الشركتين سيصعب المنافسة على أي شركة جديدة تريد الدخول إلى السوق، مستشهدًا بشركة «أسطى»، التي خرجت من السوق سريعًا لعدم قدرتها على منافسة الشركتين منفصلتين.

وفي 23 أكتوبر الماضي، نشرت الجريدة الرسمية قرارًا لجهاز حماية المنافسة، يتخذ فيه ما أسماه تدابير وقائية قبل اندماج الشركتين. اعتبر القرار أن الاستحواذ سيتسبب في السيطرة على بيانات المستخدمين عبر كيان واحد يمتد إلى قطاعات اقتصادية أخرى ويضر بالسوق ككل، ويعرض بيانات المستخدمين للمخاطر.

وأشار القرار الرسمي أن الاستحواذ سيرفع أسعار الخدمة ويخفض مستواها، ويحد من حرية اختيار المستخدمين، كما أنه سيؤثر على فرص العمل المتاحة للسائقين بالسلب، في حال جرى الاتفاق دون ضمانات حماية السوق. وألزم القرار الشركتين بإخطار الجهاز قبل إبرام الصفقة، على أن يقدم الجهاز رده على اﻹخطار خلال 60 يوم عمل.

بحسب القانون، يجب «على الأشخاص الذين يتجاوز رقم أعمالهم السنوي في آخر ميزانية مائة مليون جنيه أن يخطروا الجهاز لدى اكتسابهم لأصول أو حقوق ملكية أو انتفاع أو أسهم أو إقامة اتحادات أو اندماجات أو دمج أو استحواذ». 

أُخطر الجهاز في 26 مارس الماضي بإبرام الصفقة، وأوشكت 60 يومًا عمل على الانتهاء. وفي بيانه حول اﻹخطار، أعلن الجهاز أنه سيقوم بإجراء فحص فني قد ينتهي إلى الموافقة أو الموافقة المشروطة أو الرفض.

لكن هبة شاهين أوضحت أن الجهاز ليس لديه الحق في إيقاف أي اتفاقات للاندماج أو الاستحواذ، ﻷن القانون اشترط تلقي إخطارًا، لكنه لم يمنحه سلطة منع الاتفاقات. في تقرير سنوي له قبل عامين، أعرب الجهاز عن رغبته في «تعديل نصوص القانون بإدخال المراقبة المسبقة على عمليتي الاندماج والاستحواذ من أجل زيادة فاعلية دور الجهاز».

«الجهاز يحتاج إلى توازن معين، يجمع بين استقلالية التشكيل الإداري للجهاز، وضرورة تبعيته للحكومة. لكن التشكيل الحالي، بالنسبة إليها، أغلبه ممثلون عن وزارات وغرف تجارية وصناعية لهم مصالح اقتصادية مباشرة». 

حاول «مدى مصر» أكثر من مرة التواصل مع رئيس الجهاز لسؤاله حول صفقة الاندماج وحدود دور الجهاز، إلا أننا لم نتمكن من الاتصال به. من جانبها، قالت منى ياسين إن الجهاز يدرس الصفقة الآن، وله كلمة فيما يخص أثر الصفقة على السوق، لأنها قد تمنع وجود منافسة لشركة «أوبر» في حال استحواذها على السوق.

لكن المشكلة، بحسب منى ياسين، أن الجهاز ليس لديه سلطة منع إتمام اتفاق استحواذ «أوبر» على «كريم». وتضيف أنه من الضروري أن يُمنح الجهاز الحق في الموافقة على طلبات الاستحواذ، أو الموافقة بشروط، كي يتمكن من مراقبة تبعات الاتفاق والتعامل مع أي مخالفة ناتجة عنه حتى «لا نُفاجأ بالاستحواذ على السوق».

تتفق هبة شاهين، مشيرة إلى أن قوانين الدول الأخرى تمنح أجهزتها سلطة إيقاف الاستحواذات، لكنها أوضحت أن هذا يتطلب أدوات معينة ومراحل مختلفة لدراسة وتحليل مثل هذه الاتفاقات، لتحديد تأثيرها على السوق. بحسب رأيها، فإن الجهاز في مصر لا يملك السلطة التشريعية ولا الأدوات، «فلماذا إذًا يدرس الاتفاق إن لم يكن لديه القدرة على إيقافه؟».

بحسب رأيها، كانت المشكلة منذ تأسيس الجهاز وحتى الآن هي غياب التخصص في مجال حماية المنافسة، فهو لا يُدرس في الجامعات. تقول إن مجموعة هائلة تولت الجهاز وقت تأسيسه رغم ندرة الكوادر الكافية لإدارة الجهاز، والخبرة الكافية والكوادر المتخصصة لاتخاذ قرارات متأنية ومدروسة لا تضر بالسوق. لكن، وبعد مرور حوالي 13 عامًا على تأسيس الجهاز وعمله، إلا أنه لا يزال هناك غياب لتدريب كوادر شابة ومؤهلة في هذا المجال بالشكل الكافي.

تضيف أن المطلوب من الجهاز التركيز على ثلاثة مهام في غاية اﻷهمية في نظرها هي Compliance program ، أو ما يسمى ببرامج التوافق بنصوص القانون، بالإضافة إلى Advocacy program، أي برامج توعية لقانون المنافسة، وأخيرًا توزيع قواعد إرشادية على الشركات والمحامين لشرح كيفية التعامل مع القانون لهم.

وتشدد هبة على ضرورة أن تستكمل الدولة دورها في تفعيل دور الجهاز، بدعم الجهاز بكوادر شابة مدربة، والإشراف على قرارات الجهاز، بما يسمح بوجود منافسة حقيقية.

وتضيف أن إتاحة المنافسة، وحماية حركة السوق التي تسمح بدخول وخروج شركات في القطاعات المختلفة بحسب آليات السوق في العرض والطلب، تمثل أساسيات السوق الحر. بحسب رأيها، فإن الهدف من المنافسة الحرة ليس فقط فتح الأسواق، ولكن ضمان أن تكون المنتجات متوفرة للمستهلكين بجودة أفضل، وأسعار أرخص، وتعدد أكبر في الاختيارات. وفي المقابل، تزيد قدرة المنتجين على تحقيق أرباح أكثر. ويتطلب كل هذا تنظيم المنافسة بشكل سليم، ويستدعي تدخل الدولة عبر سن القوانين وإنشاء جهاز لتنظيم حماية المنافسة.

تقول هبة إن الجهاز يحتاج إلى توازن معين، يجمع بين استقلالية التشكيل الإداري للجهاز، وضرورة تبعيته للحكومة. لكن التشكيل الحالي، بالنسبة إليها، أغلبه ممثلون عن وزارات وغرف تجارية وصناعية لهم مصالح اقتصادية مباشرة. 

وتوضح أن الاستقلال في التشكيل يعني أن تكون عضوية مجلس إدارة الجهاز الذي يتخذ القرارات، بعيدة عن أي تضارب في المصالح، حيث يجب أن يكون التشكيل معتمدًا على خبراء متخصصين ومستقلين. أما الجانب الآخر لهذا التوازن؛ أن يكون الجهاز تابعًا لرئيس الوزراء، لأنه يشرف على الاقتصاد بشكل كلي، وبالتالي عليه أن يراجع قرارات الجهاز، حتى لا تضر بالاقتصاد بأي شكل. بحسب رأيها، فإنه لا يوجد جهاز لحماية المنافسة في العالم مستقل تمامًا عن الدولة.

تتفق الرئيس الأسبق للجهاز مع هذا الرأي، فتقول منى ياسين إن «ما يحفظ استقلالية الجهاز وحياديته أمران، أن يظل تحت رئاسة رئيس الوزراء مباشرة، بعيدًا عن وزراء هم بالنهاية يتأثرون ولهم تأثير في الصناعة والتجارة، والأمر الثاني أن يزداد عدد المستقلين بمجلس إدارة الجهاز في مقابل من يمثلون هيئات أو مصالح اقتصادية، حتى تصدر قرارات مستقلة في النهاية».

اعلان
 
 
هدير المهدوي