مسيرة حفتر تتعثر تجاه طرابلس.. والتحديات تتصاعد
 
 

عندما خسرت القوات الليبية التابعة لخليفة حفتر، والمعروفة بـ «الجيش الوطني الليبي» مركز قيادتها الرئيسي في غريان، والذي استخدمته في شنّ حملتها المستمرة منذ ثلاثة أشهر للاستيلاء على العاصمة طرابلس، وصف المتحدث باسم هذه القوات أحمد المسماري ما حدث بأنه «خيانة».

كان مركز القيادة في غريان، وهي مدينة جبلية تقع على مسافة 100 كيلومتر جنوبي طرابلس، واستولت عليه القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني المُعترف بها دوليًا برئاسة فائز السراج يوم 26 يونيو الماضي. ومع اقترابها من المدينة، حيث انقلبت المشاعر العامة ضد حفتر، تلقت قوات الوفاق الوطني الدعم من الميليشيات المسلحة في غريان. وسرعان ما جرى اجتياح القوات التابعة لحفتر واضطرت للهرب إلى مدينة ترهونة، على مسافة 100 كيلومتر شرقًا، حيث يقع مركز الدعم اللوجستي التابع لها.

أطلق حفتر عملية «طوفان الكرامة» للاستيلاء على طرابلس في 4 أبريل الماضي، والتي خلّفت 986 قتيلًا و1011 جريحًا حتى الآن، من بينهم مقاتلين ومدنيين، وفقًا لمصدر طبي في منظمة الصحة العالمية.

ومع خسارة غريان، فإن ما يشكل الولاء قد يصبح أكبر مصدر لقلق قوات الجيش الوطني الليبي؛ التي تتكون من مزيج من الوحدات العسكرية والجماعات المسلحة القبلية أو الإقليمية التي يُطلق عليها اسميًا «القوات المُعادية للإسلاميين». ولقد أخفقت محاولات حفتر لإقامة علاقات مع العملاء في مدن تتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي في غرب ليبيا، في التغلب على المشهد السياسي المعقد في حقبة ما بعد القذافي.

إن مسألة دعم حفتر، التي يمكن القول إن شرعيته أصبحت محل شك بعد محاولته الأخيرة للاستيلاء على طرابلس، تمتد خارج حدود ليبيا إلى شبكة معقدة من التحالفات الدولية البراجماتية التي تقدّم له أشكالًا مختلفة من الدعم. ولقد حصلت قوات «الجيش الوطني الليبي» على دعم من عدد من الجهات الفاعلة على الصعيدين المحلي والدولي، على الرغم من تباين مصالحهم.

عقبات في طريق حفتر إلى طرابلس

تمحور تقدم حفتر إلى طرابلس حول غريان وترهونة. كانت هاتان المدينتان الرئيسيتان بمثابة بوابتين إلى العاصمة الليبية، ووفرتا مراكز لعمليات «الجيش الوطني الليبي»، وبعد أن بدأت هذه القوات انتشارها في المدينتين، اندلع القتال في 4 أبريل الماضي على الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية لطرابلس.

واعتمدت تحالفات حفتر مع ميليشيات مدينتي غريان وترهونة أساسًا على تجنيد جهات فاعلة قوية من خلال توفير الشرعية والمال للجماعات المسلحة داخل المدينتين. وفي غريان، استقطب حفتر قوات عادل دعاب، الذي قاتل في السابق مع التحالف الإسلامي المعروف بـ «فجر ليبيا» ضد القوات التابعة لحفتر. وفي ترهونة، المدينة التي كان القذافي يفضلها ذات يوم، اتجه حفتر إلى ميليشيا محلية تُدعى «اللواء السابع»، المعروفة كذلك باسم «لواء الكانيات»، نسبة إلى أربعة من القادة من عائلة كاني في ترهونة، وتعهد «اللواء السابع» بالولاء والتكامل مع «الجيش الوطني الليبي» في 2017، واشتبك عدة مرات مع ميليشيا «لواء ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري، وهي إحدى الميليشيات التي تُسيطر على طرابلس ومتحالفة اسميًا مع حكومة الوفاق الوطني. منذ أغسطس 2018، اشتبكت «اللواء السابع» في صراع مباشر ضد قوات حكومة الوفاق -المُعترف بها دوليًا- باتخاذ خطوات متعددة من أجل «تحرير العاصمة من الميليشيات»، وأسفرت الاشتباكات عن أكثر من 100 قتيل وآلاف المُشردين.

وفقًا لمصدر أمني رفيع المستوى من حكومة الوفاق الوطني، دفع حفتر مبالغ كبيرة من المال لقيادات الجماعات المسلحة في غرب ليبيا، ومن بينهم تلك التي تتمركز في مدينتي ترهونة وغريان.

وأشار مصدر بحكومة الوفاق الوطني إلى أن قوات «الجيش الوطني» اشترت دعم الجماعات المسلحة في غرب ليبيا، ومن بينها مدينة بني وليد القريبة، والتي تُعد موطن قبيلة ورفلة القوية، التي تشكل مليون ونصف مواطن من أصل ستة ملايين مواطن ليبي في جميع أنحاء البلاد، وهي أحد معاقل القذافي القوية التي لم تقبل الإطاحة به في 2011. وصمدت المدينة في مواجهة المتمردين لمدة شهرين بعد استسلام العاصمة.

قامت قوات الجيش الوطني الليبي بمحاولات متكررة لإدخال بني وليد في دائرة صراع السلطة في طرابلس بسبب هذا التأثير الاجتماعي، وآخرها عندما أعلنت الكتيبة الـ 52 في المدينة أنها ستدعم حفتر في أبريل الماضي. ومع ذلك، رفض مجلس شيوخ المدينة إعلان الكتيبة، مؤكدًا أن المجلس الاجتماعي المحلي هو الوحيد الذي يمكنه التحدث نيابة عن بني وليد.

قال عضو  يشارك في صنع القرار في بني وليد لـ «مدى مصر» إن مجلس الشيوخ يهدف إلى الحفاظ على الحياد في الصراع الحالي وسينظر في لعب دور الوساطة، على الرغم من عروض حفتر المغرية لجذبهم للقتال.

وأضاف المصدر أن تلك العروض تضمنت 31 شاحنة نفط و10 شاحنات إمدادات، أُرسلت في نهاية أبريل الماضي إلى بني وليد من حكومة عبد الله الثني المؤقتة في شرق ليبيا الداعمة لحفتر. تزامن ذلك مع قرار حكومة الوفاق الوطني -المُعترف بها دوليًا- بوقف تزويد المدينة بالنفط خشية أن تنحاز مع حفتر، ولكنها تراجعت عن القرار منذ ذلك الحين.

 ويضيف المصدر أن ممثلي حفتر تعهدوا بضخ 40 مليون دينار ليبي في بنوك بني وليد إذا ألقت المدينة بثقلها وراء قواته.

ومع ذلك، أكد مصدر سياسي مطلع على الترتيبات الأمنية في مصراتة -المدينة القوية التي ينتمي إليها وزير الدفاع والداخلية في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا، ومصدر آخر في بني وليد على دراية بالترتيبات الأمنية للمدينة، كلٌ على حدة، أن هناك مناقشات جرت بين حكومة الوفاق الوطني وبني وليد على مدار الشهر الماضي، وهو أمر يثير الاهتمام نظرًا للكراهية العميقة بينهما، والنابعة من سقوط القذافي.

وفقًا للمصدر في بني وليد، فإن طبيعة هذا الاتصال بين قادة المدينتين تدور حول محاولة إنشاء قوة عسكرية من بني وليد من شأنها أن تسيطر على الأمن وتشنّ حملة على أنصار حفتر في المدينة. ويضيف المصدر أن حكومة الوفاق ترغب في دعم موقف بني وليد المحايد في الصراع. وستكون القوة المحلية حافزًا لدعم حياد بني وليد.

 تمكن قادة مدينة بني وليد من التوسط لوقف إطلاق النار في الاشتباكات المتكررة بين ميليشيات مصراتة التي بدأت في أغسطس 2018. وفي حين أخفقت بعثة الأمم المتحدة الخاصة في ليبيا مرارًا وتكرارًا في إقناع الفصائل المعنية بوقف القتال، نجحت وساطة بني وليد في يناير الماضي.

ولكن ما الذي يمنع مدينة مثل بني وليد، التي شهدت نقصًا في السيولة النقدية منذ نوفمبر 2018، من قبول مبادرات حفتر؟ تلقي الإجابة الضوء على بعض الديناميكيات الأعمق والتي تشكل عقبات في وجه استراتيجية حفتر المعتمدة على الأموال والوضع القائم.

ويرى جليل حرشاوي، وهو باحث يهتم بالشؤون الليبية في معهد كلينجيندال في لاهاي، أن الجواب يكمن في حقيقة أن نموذج حكم حفتر «يتسم بالطغيان ويستبعد كل أشكال التعددية، حتى أبسطها. ما يدور في خلده هو شكل من أشكال التنافسية لاكتساب العملاء».

 «لقد صوّر الخليج ومصر وفرنسا حفتر على أنه شخصية غير مهتمة بالسلطة السياسية وملتزم تمامًا -لما لديه من إيثار- بأداء مهمة أمنية بحتة وخالية من أي طموح سياسي. في الواقع، كانت مكافحة الإرهاب مجرد وسيلة لتحقيق غاية سياسية» يقول حرشاوي.

«ينسى الناس أن حملته اتبعت دائمًا منطق الانقلاب العسكري في حركة بطيئة. ولقد صورت جميع المبادرات الدبلوماسية الدولية حفتر بشكل ممنهج على أنه شخصية منفتحة وراغبة في تسوية النزاعات مع خصومه السياسيين. في الواقع، لا يوجد دليل على ذلك. لم ينحرف حفتر أبدًا عن الخيار العسكري، منذ الحملة العسكرية التي بدأها قبل نحو خمس سنوات. لذلك، عند الحديث عن طاولة المفاوضات، تذكر أنه لا يوجد مثال واحد اعترف فيه حفتر بأي شيء على الإطلاق للجهات الفاعلة غير الراغبة في الخضوع له».

 ويضيف حرشاوي أن بني وليد تشك في حفتر لأن جهوده الحربية في شمال غرب ليبيا تعتمد بشكل متزايد على معاقل القذافي، على الرغم من أنه في أواخر الثمانينيات أبرم صفقة مع الولايات المتحدة لمحاولة الإطاحة بالقذافي، بعد حملة فاشلة في تشاد، وما جعل جميع الأطراف تتحاشاه حينها. وفي سبتمبر 2011، وبصفته قائد الجيش الليبي، هاجم حفتر بني وليد، التي كانت آخر معقل لقوات القذافي في البلاد في ذلك الوقت.

بعد سقوط غريان، استفاد حفتر أيضًا من الإذن بنقل جرحى وقتلى «الجيش الوطني» عبر مطار بني وليد لنقل الأسلحة إلى خطوطه الأمامية. وقد حاول مسؤولو المدينة الذين تربطهم صلات بحكومة الوفاق الوطني منعه من ذلك في الأيام الأخيرة من أجل الحفاظ على الحياد، وفقًا لمصدر عسكري في حكومة الوفاق الوطني، الذي أضاف أن الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها تمتنع عن قصف المطار خشية أن تُدفع المدينة في أيدي حفتر.

ولعدم قدرته على تأمين دعم بني وليد وبعد خسارة غريان، سوف يعتمد حفتر بشكل متزايد على ميليشيا «اللواء السابع». لكن خسارة غريان أثارت موجة من الخوف بين أهالي ترهونة، حيث كان اندماج «الجيش الوطني» وميليشيا المدينة محفوفًا بالمخاطر إلى حد ما.

أخبر أحد قادة مجلس الشيوخ في ترهونة «مدى مصر» بأن المدينة تقبل الآن الدخول في مفاوضات محتملة مع حكومة الوفاق الوطني، مضيفًا أن مشاركتهم المستمرة في الحرب لا تمثل إرادة سكان المدينة، الذين احتُجزوا كرهائن بواسطة القوة العسكرية لـ «لواء السابع».

ويوضح المصدر بمجلس الشيوخ أن «اللواء السابع» رفضت الانسحاب من معركة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني، مضيفًا أنه في اجتماع عُقد مؤخرًا، ناقش أهالي ترهونة عدم رغبتهم في أن تصل المعارك إلى مدينتهم في حال فقد حفتر سيطرته على طرابلس. ويضيف المصدر أن قادة الميليشيا يعلمون أنهم لن يفقدون السيطرة على المدينة طالما أبقوا جبهة القتال بعيدة عن ترهونة وحصلوا على دعم من «الجيش الوطني».

 ومع ذلك، فقد شعر قادة ميليشيا اللواء السابع بالخوف جراء خسارة غريان، كما يقول المصدر، وطالب ضباط مقربون من حفتر بتفسير لما حدث وأكدوا على الحاجة الملحة لتوفير قوات إضافية لاستعادة غريان وتجنب اقتراب حصار قوات حكومة الوفاق لترهونة.

وما يثير الخوف في ترهونة هو خسائر «اللواء السابع» في القتال الدائر حول طرابلس في الأسابيع الأخيرة. وفقًا لمصادر متعددة في «الجيش الوطني» وفي ترهونة، قُتل ما لا يقل عن ستة من كبار الضباط التابعين لحفتر في حملة طرابلس في الأسابيع الأخيرة. وكان بعضهم من الشخصيات البارزة في ميليشيا اللواء السابع، بحسب المصادر، وهو ادعاء تدعمه صور جنازات الضباط المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.

كتلة دولية هشة

خلال حملته للسيطرة على طرابلس، اعتمد حفتر على دعم من روسيا وفرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة، والذي تضمن المشورة العسكرية والدعم الجوي، وفق ما ذكرته مصادر لـ «مدى مصر». وعلى الرغم من احتواء الاختلافات بين هؤلاء الداعمين بسبب العقبات في طريق حفتر نحو طرابلس، فإن الانتكاسة في غريان قد تُزعج هذا الخليط من الحلفاء وتؤدي إلى ظهور خلافات بينهم.

تشترك مصر، التي طالما اعتُبرت حليفًا قويًا لحفتر، في حدود طويلة يسهل اختراقها مع ليبيا، ما يعني أن تزايد عدم الاستقرار، مثل حملة الاستيلاء على طرابلس، يُمثل تهديدًا محتملًا لأمن مصر. وفي وقت مبكر من ديسمبر الماضي، عندما كان حفتر يستعد لحملة عسكرية واسعة النطاق لدخول طرابلس، أعلنت مصر أنها تعارض مثل هذه الخطوة.

أخبر مسؤول مصري «مدى مصر» في ديسمبر  أن حفتر رفض بعد ذلك مقابلة المسؤولين المصريين وأن العلاقة لا تبدو جيدة. وقال المسؤول: «لقد أصبحت مصر منزعجة إلى حد ما من حفتر بسبب عدم التزامه بالتعاون السياسي والأمني ​​بين ليبيا ومصر».

 ما الذي تغيّر من ديسمبر إلى أبريل الماضيين؟ فقد حثّ الرئيس عبد الفتاح السيسي- قبل نحو ثلاثة أشهر- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دعم حفتر، وهو ما يعني على حد تعبير مسؤول مصري أن مصر أصبحت «يدًا بيد مع حفتر» في حملة طرابلس.

يبدو أن معظم الإجابة على هذا السؤال تأتي من ولي عهد الإمارات -وزعيمها بحكم الأمر الواقع- محمد بن زايد. ولقد أخبر مسؤول مصري آخر «مدى مصر» بأن ابن زايد مارس ضغوطًا شديدة مباشرة على مكتب السيسي لدعم الهجوم على طرابلس.

يحرص ابن زايد على اطلاع السيسي مباشرة على الصورة الكاملة للمشاورات بين الإمارات وحفتر، بحسب مصدر في الإمارات على علم بعلاقاتها مع مصر، مضيفًا أن الإمارات تقدم دعمًا جادًا لحفتر، يُقدم بعضه بالاشتراك مع مصر.

 على الرغم من هذا الدعم، وفقًا لمسؤول حكومي مصري ثالث تحدث في أبريل الماضي، فإن حفتر لم يُبلغ مصر بتحركاته العسكرية بالكامل.

 «مصر لا تسيطر على حفتر. إنها تحاول فرض سيطرتها لكنها لا تنجح، ويتفاقم غضبها عندما لا تكون على علم تام بمشاوراته مع روسيا والإمارات وغيرهما من الدول»، يقول المصدر الإماراتي، مضيفًا: «لا يمكن أن تتخلى مصر عن حفتر حتى عندما تشعر بخيبة أمل أو تشعر بالإحباط من أدائه، لأنه لن يكون لمصر أي تأثير حقيقي على الأراضي الليبية بدون حفتر».

ويضيف المصدر أنه في الوقت الذي تدعم فيه الإمارات والسعودية حفتر، لأنه يتحدى الإسلاميين -المسلحين وغيرهم من الذين تدعمهم قطر- فإن هدف مصر في بداية الحملة كان استمرارًا للعمل السياسي الذي قامت به حتى تلك المرحلة وهو ضمان أن يستمر رئيس المجلس الرئاسي في حكومة الوفاق الوطني فائز السراج على رأس السلطة السياسية في ليبيا، وأن يرأس حفتر القوات المسلحة.

 «تحاول القاهرة الترويج لخط سياسي يؤدي إلى اعتراف السراج حتمًا بحفتر باعتباره القائد العسكري الوحيد، واعتراف حفتر بالسراج كرئيس مؤقت للحكومة» قال المسؤول الحكومي المصري الثالث لـ «مدى مصر» في أبريل الماضي، مُضيفًا: «الأمر المهم بالنسبة لمصر هو أن تُهزم أو تُهمش جميع الميليشيات والجماعات التي لا تتبع حفتر، نظرًا لمخاوف مصر بشأن الدور الذي ستلعبه تلك الميليشيات في تهريب الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود المصرية».

استغل حفتر هذه التناقضات لصالحه في شنّ حرب استنزاف، على الأقل حتى فقد غريان، بحسب تقدير حرشاوي.

 «لا تستطيع مصر أن تقول لا للإمارات العربية المتحدة، ولا تستطيع [أيضًا] أن ترى الجيش الوطني الليبي مهزومًا أو مُهانًا أو مفككًا. قدرات مصر على المناورة محدودة، وحفتر ليس في مجال منح رعاته الأجانب فسحة للمناورة. على العكس من ذلك، فإن مفهومه الرئيسي هو خضوعهم» يقول حرشاوي. «حفتر يفضل الحرب الدائمة على التعايش السلمي مع مصراتة، التي لم ترضخ بعد. لقد عرفت مصر أن حفتر كان يتجه نحو حرب دائمة ولم يعجبها هذا الأمر. فعلى عكس الإمارات العربية المتحدة، تحتاج مصر إلى ليبيا هادئة».

 لهذا السبب، في اعتقاد حرشاوي، كان من المرجح أن تتدخل مصر بشكل حاسم بمجرد بدء الحملة. ويضيف الباحث الليبي: «لأن حفتر وضع القاهرة في هذا المأزق».

بحلول منتصف مايو، كان الخطاب الصادر عن مصر أكثر عدوانية وإلحاحًا. وتزامن ذلك مع ما وصفه دبلوماسي غربي مطّلع بأنه «دعم متزايد ومباشر وعلى أرض الواقع [لحفتر] من حلفائه العرب وأيضًا من روسيا». وعلى حد تعبير مسؤول مصري رابع تحدث إلى «مدى مصر» في ذلك الوقت: «حفتر لا يخسر أرضًا، وليس صحيحًا أنه لا يستطيع اقتحام طرابلس. وفي تقديرنا أنه قادر على فعل ذلك. السراج أضعف من أن يكون قائدًا لليبيا، والوضع لا يحتمل الألعاب الدبلوماسية التي لا نهاية لها والتي من غير المرجح أن تحقق أي شيء قريبًا».

تؤكد المعلومات على أرض الواقع وصف المسؤولين المصريين في البداية لمشاركة القاهرة في طرابلس بأنهم «يد بيد مع حفتر».

 في منتصف يونيو، أخبر مصدر يقاتل تحت قيادة حكومة الوفاق الوطني «مدى مصر» بأنهم احتجزوا مصريًا كان يقود أحد ألوية «الجيش الوطني». وبعد أيام من خسارة قوات حفتر لغريان، أصدرت غرفة التحكم التابعة لحكومة الوفاق لمواجهة حفتر في طرابلس بيانًا علنيًا بأنها أسرت مصريًا ضل طريقه ودخل عن طريق الخطأ إلى منطقة تسيطر عليها قوات حكومة الوفاق.

إلى جانب هذا النهج «التعاوني» في حملة طرابلس، مارست مصر ضغوطًا دبلوماسية على عدة جبهات.

«لقد أرجأنا وسنواصل إيقاف جميع المحاولات من بعض الدول، بناءً على رغبة [رئيس بعثة الأمم المتحدة الخاصة في ليبيا غسان سلامة]، لتمرير قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدعو حفتر لوقف محاولاته لاقتحام طرابلس» قال المسؤول المصري الرابع لـ «مدى مصر» في مايو، مضيفًا: «لدينا الولايات المتحدة وروسيا والصين من أجل هذا الغرض». كما تساعد مصر الإمارات في ممارسة الضغط على ترامب.

قال مسؤول في واشنطن تحدث إلى «مدى مصر» في الأسابيع التي سبقت خسارة «الجيش الوطني» لغريان إن ابن زايد كان يعمل بجد للحصول على تصريح من الولايات المتحدة وبريطانيا لرفع حظر الأسلحة المفروض منذ 8 سنوات على ليبيا، للسماح بتدفق الأسلحة إلى حفتر. لقد انتُهك الحظر مرارًا وتكرارًا من جميع الأطراف، ما سمح باستمرار تدفق الأسلحة إلى البلاد، كما هو موثق في تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا 2018.

وفقًا للمصدر، أبدت الولايات المتحدة بعض القبول للاقتراح، لكن لم يُتخذ قرار نهائي لأن وزارة الخارجية الأمريكية على وجه الخصوص كانت قلقة بشأن هذه الخطوة.

وقال المصدر إن الضغط الإماراتي-المصري من أجل زيارة حفتر إلى واشنطن لحضور حفل استقبال للمكتب البيضاوي قد رُفض، مع ترضية بعقد اجتماع محتمل بين حفتر ومسؤولين أمريكيين ليس من بينهم ترامب. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء النجاح القليل الذي حققه حفتر في السيطرة على طرابلس على الرغم من الدعم المُقدم من الإمارات ومصر وفرنسا وروسيا، بحسب المصدر.

 هذا شعور أعرب عنه دبلوماسي غربي في القاهرة. «لقد وصل حفتر إلى حدوده القصوى، ولولا دعم مصر والإمارات العربية المتحدة، لكان يتفاوض اليوم من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تهدف إلى تقاسم السلطة» قال المصدر لـ «مدى مصر» في يونيو.

في حين أن الطبيعة الزئبقية لسياسة ترامب لا تعني شيئًا واضحًا، فقد يجري ضغطًا في الوقت الراهن على جماعات الضغط هذه فيتمّ تأكيد المخاوف بطريقة محرجة للغاية.

عندما فرت قوات «الجيش الوطني» من غريان، تركت وراءها صواريخ أمريكية قوية، عادة ما تُباع فقط لحلفاء الولايات المتحدة المُقربين. ولقد التقطت قوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا صورًا فوتوغرافية لأربعة صواريخ من طراز «جافلين» المضادة للدبابات، والتي يتكلف الواحد منها أكثر من 170 ألف دولار أمريكي، ونُشرت الصور على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُشير العلامات على حاويات الشحن إلى أن الصواريخ بُيعت في الأصل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2008.

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، قال مسؤولون في وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين إنهم فتحوا تحقيقًا في كيفية وصول الأسلحة إلى ساحة المعركة الليبية.

ومع ذلك، بدأت مشاورات لإيجاد صيغة جديدة للتعامل بين حفتر والإمارات ومصر عندما انسحبت قوات «الجيش الوطني» إلى ترهونة، وفقًا للمسؤول المصري الثالث. وفي اجتماع رفيع المستوى يوم 28 يونيو الماضي في روما، ناقش مسؤولون من بعثة الأمم المتحدة الخاصة في ليبيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة كيفية إنهاء العنف واستئناف العملية السياسية. كما خططت مصر وفرنسا لضغط على «الجيش الوطني» من أجل قبول وقف إطلاق النار، في حين واصل حفتر والإمارات العربية المتحدة رفضهما، وفقًا للمسؤول المصري الأول، الذي أضاف أن ما حدث في غريان كان «مقلقًا للغاية».

وبعد أن كانت فرنسا تساعد حفتر على الأرض وتزوده بتغطية جوية لهجماته على طرابلس، وفقًا للدبلوماسي الغربي المقيم في القاهرة، فقد أوقفت باريس كل المساعدات الجوية بعد نكسة القوات التابعة لحفتر، على حد قول مسؤول مصري خامس.

 وتظهر تقارير في الوقت الراهن حول خطة «الجيش الوطني» لاستعادة غريان وشنّ غارات جوية متجددة على العاصمة، وسط تحذيرات للمدنيين وإطلاق عملية «عاقبة الغدر». ومن المحتمل أن يتسبب ذلك في خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، كما كان الحال في الأسبوع الماضي عندما أسفرت غارة جوية شنّتها قوات الجيش الوطني الليبي عن مقتل 53 مهاجرًا على الأقل، كانوا مُحتجزين في مركز احتجاز في مدينة تاجورا الغربية. ولم ترد أي إدانة دولية لدور «الجيش الوطني» في الغارة الجوية، وتحركت الولايات المتحدة لمنع صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي لإدانة الحادث والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وفقًا لوكالة أنباء «رويترز».

 وفي الأسابيع التي سبقت خسارة غريان، أعرب اثنان من المسؤولين المصريين الذين تحدثوا لـ «مدى مصر»، كلٌ على حدة، عن قلقهما إزاء صورة «الجيش الوطني الليبي» دوليًا، في ضوء الحملة العسكرية الراهنة، وكيف يمكن أن تؤثر على قدرة حفتر على لعب دور بارز في ليبيا مُستقبلًا. ومن السابق لأوانه استبعاد حفتر من المشهد، لكن هذه الأصوات الناقدة قد تتعالى في الأسابيع المُقبلة، خاصة إذا استمرت تحالفات حفتر في الانهيار ولجأ إلى تدابير أكثر يأسًا.

اعلان