كيف أصبحنا مصريين؟ | حوار مع المؤرخ زياد فهمي عن الثقافة الشعبية في ثورة 1919
 
 
مقطع من غلاف كتاب زياد فهمي
 

دون يا ونجت.. ‏بلادنا غلبت

خدتوا الشعير.. ‏وجمال وحمير

و‏القمح كتير اعتقونا

‏طلبوا ‏الإعانة.. ‏يا غُلبي يانا

‏شوفوا المدير.. ‏يا عالم كتير

‏من غير تقدير.. ‏ارحمونا

أنفار ‏تسافر.. و كمان عساكر

سابوا الغيطان.. وراحوا الميدان

‏لجبل لبنان.. فى الخنادق.. قال ‏بيلومونا

‏شُوفم رزونا.. لولا العمال.. ما مشي لهم الحال

هذه الكوبليهات مقطع من أغنية مناهضة للاحتلال البريطاني غناها مصريون ثائرون في شوارع القاهرة منذ 100 عام، في ثورة 1919. وكما هو واضح، فهي باللغة العامية المصرية. الأغنية، والتي تخاطب المفوّض السامي البريطاني، لم تُسجّل ولم تُنشَر، بل استخرجها المؤرخ زياد فهمي، أستاذ التاريخ بجامعة كورنل الأمريكية، من تقرير استخباراتي بريطاني.

 تعثّر فهمي على الأغنية في خضم تنقيبه عن آثار ثقافية دارجة أو شعبية في مسار بحثه في تشكّل القومية المصرية.

«مصريون عاديون: تشكيل الأمّة الحديثة من خلال الثقافة الدارجة» هو كتاب فهمي المنشور في 2011، والذي عرض فيه أغنية باردون وينجت، مستخدمًا الثقافة الدارجة كعدسة ينظر من خلالها إلى بزوغ هوية مصرية بامتياز في مطلع القرن العشرين، مبتعدًّا عن التأريخ التقليدي لهذه الحقبة، والذي ينظر فقط إلى تأثير شخصيات قومية مثل عبد الله النديم ومصطفى كامل وسعد زغلول، أو مثقفين قوميين كأحمد لطفي السيد وطه حسين على انتشار الشعور القومي بين المصريين.

أثار فضول فهمي تساؤله عن كيفية انتشار الإنتاج الفكري والبلاغي لهذه الشخصيات وغيرهم -أي الفكر الذي أنتج مفاهيمًا تمكنت من توحيد ناس مختلفة تحت هوية قومية جامعة- وكان إنتاجهم باللغة الفصحى بشكل أساسي، بين شعب كان أكثره أميّ. نتيجة لذلك، أقدم فهمي على بحث تاريخي للتنقيب عن أشكال التعبير الثقافي الموجود في ذلك الوقت، ودُور هذا التعبير في نشر فكرة الأمة القومية عند الأشخاص العاديين.

حاور «مدى مصر» زياد فهمي وسأله عن المصادر التي استخدمها في بحثه، وعن مركزية اللغة العامية في عملية تشكيل مجتمع مُتخيَّل وعن المظاهر المكانية للثقافة الدارجة.

زياد فهمي

«مدى مصر»: عندما بدأت في بحثك، ماذا كانت الاتجاهات السائدة في كتابة تاريخ القومية وتاريخ  ثورة 1919؟

زياد فهمي: بالنسبة إليّ، فإن أهم الأعمال الموجودة عن القومية المصرية وقت قيامي بالبحث كانت لإسرائيل جيرشوني وجيمس جانكاوسكي -الّلذان نظرا إلى دور المثقفين في تشكيل الوعي القومي المصري في الجزء الأول من القرن العشرين- على الأقل بالنسبة إلى التأريخ الغربي للتاريخ المصري.

وعندما بدأتُ العمل الجاد على مشروعي، لاحظتُ أن أحدًا لم ينظر تأريخيًا بشكل أساسي إلى الثقافة الدارجة أو اللغة العامية بشكل عام. وكان علماء الأنثروبولوجي قد بدأوا في استخدام الثقافة الدارجة ولكن في بحثهم عن مصر المعاصرة، وأصبح أحد الأعمال التي كان لها تأثيرًا على اتجاهاتي البحثية هو كتاب لوالتر أرمبرست عن الثقافة الشعبية في مصر منذ السبعينيات إلى نهاية القرن العشرين. وشمل بحثه مثلًا مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وأثار ذلك رغبتي للنظر إلى التاريخ من منظور الثقافة الدارجة.

وكان هناك أيضًا بعض علماء اللغة الذين بحثوا في مفهوم ازدواج اللسان فيما بين الفصحى والعامية بشكل عام. هناك نقاشات عن ازدواج اللسان فيما بين علماء اللغة. وعندما بدأتُ النظر إلى الماضي، اكتشفتُ أنه كان هناك بعض الصحف والمجلّات المبكِّرة التي كانت تستخدم اللغة العامية. بدأت القراءة ووجدتُ مواد أكثر وأكثر، في دار الكتب بشكل رئيسي، وبعدها بدأت التساؤل عن كيفية وصول الناس العاديين إلى المعلومات، ولاحظت أن مستويات الأُمِّية كانت شديدة الارتفاع. وأشارت معظم المصادر إلى أن الناس كانوا يقرأون المطبوعات في المقاهي وأماكن عامة أخرى، فشرعت في البحث في وسائط أخرى، مثل الفونوغراف المبكّر.

في مشاريع مستقبلية؛ أود أن أستخدم الراديو . في كتابي القادم، سأنظر إلى تاريخ الراديو منذ منتصف العشرينيات فما بعد. أحاول تغطية «ما قبل التاريخ» للراديو في مصر، لأن أغلب الذين درسوا تاريخ الراديو المصري قاموا بذلك في حقبة ما بعد تأسيس الراديو الحكومي سنة 1934، وقد أغلقت الحكومة العديد من محطات الراديو الخاصة التي كانت موجودة قبل ذلك فيما يمكن وصفه بالاحتكار المبكر للموجات الإذاعية وقتها. 

 

كيف عثرت على تسجيلات الراديو تلك، فعادة يكون من الصعب الوصول إلى أرشيفات الشركات الخاصة؟

نعم، وفي مصر بالتحديد. أنا لم أنتهِ من البحث لمشروع كتابي الثالث، لكنني وجدتُ في دار الوثائق عرائض مقدمة للحكومة كتبتها بعض شركات الإذاعة الخاصة تشكي قرارات إغلاقها: «يجب أن تظل هذه المحطات تعمل، لماذا أغلقتمونا»  إلخ. فهناك بعض الآثار التاريخية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن في الأرشيف البريطاني معلومات كثيرة عن الإذاعة المصرية المبكرة لأنه كانت توجد علاقة مشتركة بين شركة ماركوني البريطانية وشركات إذاعة مصرية في ذلك الوقت.

 

هل وجدت الأزجال والطقاطيق التي ذكرتها في كتابك مثل «باردون وينجيت»، والتي عكست شعور قومي لدى المصريين حينها، عن طريق وثائق الإذاعة هذه؟ وهل وجدت تسجيلات أم كان هناك نسخ مكتوبة منها؟

بالنسبة لـ «باردون وينجيت»، فإنني لم أستطع العثور على تسجيلات لها، فقد أُلّفت في الشارع وغنّاها الناس فيه، وعلى أغلب الظن تمّ تدوينها كتابيًا من قِبل أحد عملاء الإنجليز، وقد قُيدت بالعربية وتُرجمت إلى الإنجليزية، ولم تكن الترجمة بالغة الدقة ولكنها اقتربت من المعنى الأصلي. خلال فترة 1919 والحرب العالمية السابقة لها، كان الإنجليز لديهم جواسيس كثيرون في القهاوي يكتبون عمّا يدور هناك، والكثير من تقاريرهم موجودة في الأرشيف القومي البريطاني. وكان هناك أيضًا جواسيس مصريون، وبعض تقاريرهم في الأرشيف. ولذلك فالكثير من الوثائق مكتوبة. والكثير من هذه الأغاني عكست ما يجري في الشارع، في حالة شبيهة بالتي رأيناها في ثورة 2011 -كما شاهدت، يؤلّف الناس أغاني تلقائيًا بحسب الأحداث التي تحدث حولهم، أو  في المشهد السياسي بشكل عام.

 

الكثير من الشخصيات المرتبطة بالفن والاستعراض التي تذكرها في الكتاب، كمنيرة المهدية ونجيب الريحاني وبديع خيري وبيرم التونسي، ما يزالون حاضرين في الثقافة المصرية المعاصرة، خصوصًا لدى الأجيال الأكبر والمصريين المهتمين بالتاريخ. هل كان كانت هناك علاقة بالإنتاج الفني العامّي لهؤلاء وانتشار الإحساس القومي إبان ثورة 1919؟

بالطبع، إن تحدثنا بشكل عام، فهذه العلاقة بمثابة معلومات عامة الآن. وإن نظرنا إلى بعض السيَر لهذه الشخصيات، ومن ضمنهم السيرتين الشخصيتين للريحاني وخيري، فإنهم يتحدثون ويحتفون بأنهم كانوا يخرجون إلى الشارع في ثورة 1919، وهي معلومة معروفة إلى حد كبير. ولكن لم يتم التنظير لها أو الكتابة عنها كجزء من التاريخ المصري الرسمي. طالما نُظر إلى الانتاج الثقافي لهذه الشخصيات على هامش الكتابة التاريخية، وكان الهوس بسعد زغلول والقيادات السياسية هو سيد الأمر، في مقابل كيف تأثر الناس وتفاعلوا مع أحداث الثورة في الشارع، كيف احتفلوا وحزنوا وهكذا.

 

في كتابك تتحدث عن أسلوب الفودفيل المسرحي، وكيف أنه ساعد في فترة الثورة وما سبقها في غرس شعور بوجود الغربي كـ «آخر» وفي نشر ثقافة تضامنية قومية. ما هو الفودفيل في السياق المصري؟

يصعب تعريفه، ولكنه يشبه كثيرًا الأسلوب المسرحي المنتشر في مصر في ذلك الوقت. كان يشمل كل شيء، لم يقتصر على المسرحيات فقط بشكلها التقليدي. فمسرحيات نجيب الريحاني وعلي الكسّار على سبيل المثال كانت في الواقع قصيرة جدًا، ولكن الفودفيل شمل أيضًا كوكبة صاخبة من العروض الأخرى -شملت راقصين وسحرة واستعراضيين أُخر، ثم تأتي المسرحية. وكان ذلك الوضع خصوصًا في المراحل المبكرة خلال الحرب العالمية الأولى. فالعرض كله كان يسمّى فودفيل في فرنسا والولايات المتحدة وبلدان أُخرى، وكان ذلك بالتأكيد هو شكل هذه العروض في مصر كما تخبرنا بعض الإعلانات لها في هذه الفترة وبقيت هكذا حتى الثلاثينيات. فكان مثلًا يخرج على الجمهور ممثّل يلقي مونولوجًا، مثل شكوكو، ثم تبدأ المسرحية بعدها، ثم تبدأ فقرة راقصة. وفي بعض هذه المسارح كان يُعرض فيلمًا صامتًا، وذلك منذ فترة مبكرة تعود إلى عام 1910.

 

هل تشرح لنا كيف تعتبر أن العامية المصرية أكثر تأثيرًا للتعبير السياسي والتعبير والمعارضة وأكثر ارتباطًا بخلق مجتمع متخيّل من اللغة العربية الفصحى؟

أعتقد أنهما الاثنان مؤثران، ولكن عندما يكون مستوى الأمية مرتفع فإن التعبير الفصيح لن يترك أثرًا لدى أغلب الناس. وحسب التاريخ الذي نتحدّث عنه، فإن القدرة على القراءة والكتابة تراوحت بين 6% و12% من المصريين في الفترات السابقة واللاحقة على الثورة. ولكن إن أردنا أن نعرف كيف شعر الناس في الواقع وكيف عبّروا عن أنفسهم، فذلك يستوجب إلقاء النظر على التعبير باللغة العامية -وهي اللغة التي تكلّم بها عامة الناس. حتى المثقفين، إن سعوا إلى حمل رسالة مؤثرة للناس كلها، كالفلاحين والعمال وآخرين، فكانوا يحولون حديثهم من الفصحى إلى العامية لجعل خطابهم سمة أكثر عاطفية وأكثر ارتباطًا بالشارع. حتى زعيم القومية العربية، الرئيس جمال عبد الناصر، في أغلب خطبه -والتي يجب الاستماع إليها لا قراءتها لأنه قد تم كتابتها في المنشورات الحكومية بالفصحى- فإنه كان يبدّل لغته إلى العامية في أغلبها، حسب الجمهور. كان أحيانًا يعود إلى الفصحى إن كان الخطاب مرتبطًا بالعالم العربي، أو كان في حدث رسمي. لكنه في أغلب خطبه تحدُث بالعامية، وكانت لديه دراية بضرورة التواصل بلغة يفهمها الناس العاديون.

هل كان خطباء ماهرون مثل مصطفى كامل وسعد زغلول يستخدمون العامية في خطبهم؟

لستُ متأكدًا. لم أعثر على أي دليل على ذلك، ولكن ذلك لا يعني أنه لم يكن يحدث. ولكني أعتقد إنه في أغلب الأحيان، إن كانوا يقرأون الخطاب فكان باللغة العربية الفصحى. ولكن إن كان خطابًا أكثر تلقائية يُلقى أمام تجمهر للناس أو شيء مماثل، فإنهم في الأغلب كانوا يبدّلون بين الاثنين.

أنت تؤكّد أن رأسمالية الوسائط الإعلامية وقتها، في النشر والصوت والمسرح، كان لها دور محوري من خلال حتمية لجوئها إلى الذوق العام كمصدر لإنتاج محتوى يلقى رواجًا، ما أدّى في النهاية إلى خلق محتوى زاد من تجانس الأذواق في مصر، وأيضًا خلق بديل ينافس الأنماط الثقافية «الرفيعة» والنماذج الثقافية التي تبنتها وأنتجتها الدولة، والتي كانت الفصحى لغتها. هل تحدّثنا عن هذه العملية؟

أعتقد هذه العملية حدثت بشكل عضوي فرضه نوع الطلب في السوق، فكانت الطقاطيق الفكاهية والإباحية والمثيرة بشكل عام هي التي تبيع، وكانت الكثير من هذه الشركات – والكثير منها كان متعدد الجنسية- تريد بيع تسجيلات أكثر. وكانت دائمًا الطقاطيق هي التي تلقى رواجًا، ولذلك فإن إنتاجهم كان يزيد ومبيعاتهم أيضًا. ونفس الشيء مع الاستعراض. إن نظرنا إلى وثائق المسرح المبكّر، سنجد أن ترجمات مسرحية «روميو وجولييت» بالفصحى مثلًا لن يُقبَل عليها المستهلكون. في الحقيقة كان مسرح الريحاني والكسّار ما يذهب إليه الناس.

 

لقد ذكرت مفهوم «القومية الرتيبة»، حيث لا تتمثّل القومية في إعلان الحب والولاء للوطن وأشياء مشابه لذلك فقط، بل هناك طبقة أعمق تجلّت في بعض الآثار الثقافية التي ذكرتها، هل توضّح ماهيتها؟

القومية الرتيبة نطاقها أوسع من تلك الآثار، وأراها كشيء موجود فحسب، حتى في شيء روتيني كقراءة صحيفة أو الذهاب إلى المدرسة وتحية العلم أو الاستماع إلى النشيد الوطني -أشياء في الخلفية، يتعرّض لها الناس في حياتهم اليومية. عندما تقرأ الجريدة، أي جريدة، هناك عادة أوصاف توحي إلى أنّك تنتمي إلى «شعب» محدد في مقابل تلك «الشعوب» الأخرى، وتجري الأمور هكذا في الحياة اليومية بطريقة لم تكن موجودة في القرن التاسع عشر، تطور الدولة القومية تطور المؤسسات الخاصة بها ووسائلها الإعلامية وجيشها. وبذلك فإن الشعور القومي يتواجد في اللا وعي، في الحياة اليومية، وليس فقط في العروض المسرحية. ولكن في المسرح والسينما يظهر ذلك في أشكال مختلفة، مثلًا في الطريقة التي يتمّ من خلالها تمثيل الأجانب، من خلال استخدام اللكنات للتشديد على الداخل (البلد) والخارج، أو من خلال الفرق بين أحد الشخصيات الذي يفهم دعابة محلية ما أو الديناميات والدقائق الثقافية ومن لا يفهمها. لا يتمّ التخطيط لأي من ذلك، ذلك يحدث كنتيجة لتطوّر المؤسسات التي ترسّخ هذا الشعور.

 

تتكلم عن الدور المهم للمساحات العامة لانتشار هذه الأفكار والطموحات السياسية ولتخيّل مجتمع واحد – أماكن كالمقاهي والمسارح والأسواق والجوامع والكنائس، وهي بالأساس في المدن الكبيرة، هل تستثني الريف من عملية التخيّل الجمعي تلك؟

لا، إطلاقًا. أعتقد أن طبيعة الكتاب والمصادر التي استخدمتُها اقتصرت إلى حد ما على الأماكن الحضرية، ولكنّي، على سبيل المثال، أذكر -ولكني لا أشدد على هذه النقطة أن العديد من الفرق المسرحية ذهبت بعروضها إلى الريف. وأعتقد أيضًا أن دخول الراديو إلى الساحة يساعد على انتشار هذه الثقافة على الصعيد القومي. لكن الحقيقة هي إن طبيعة القومية تميل إلى أن تكون مركزية، ويبدأ أغلب الانتاج الثقافي في العاصمة، فما يحدث هو أن ثقافة العاصمة تفرض نفسها إلى حد كبير على المناطق الأخرى في الوطن. ودائمًا ما تكون الثقافة القاهرية المهيمنة هي التي تطبّع، بعكس ثقافات الأطراف أو الهوامش.

هناك شئ يكاد يكون تطهّري فيما يوصفه بختين بخصوص الكرنفال. فهو بمثابة طريقة للناس ليعبّروا عن شعورهم بالإحباط وعدم الرضا في حياتهم اليومية، وتخرج هذه المشاعر في شكل نكات. ربما في السياق المصري، كان يتمثّل روح الكرنفال في الموالد بشكل أساسي. في الكثير من الأحيان يحدث نوع من الانعكاس عندما يخرج الناس للاحتفال -وفي الماضي كان الجميع يذهب إلى الموالد، النخب والعامة. لحظات كتلك هي في حقيقة الأمر طريقة للناس للتعامل مع واقعهم والتعبير عن قنوطهم، وحدث ذلك بكل تأكيد أثناء ثورة 1919، كما حدث في 2011. وهنا تكون لحظة الانعكاس هذه ذات أهمية قصوى ولكن في نفس الوقت إن تمادت، فإنها تكون خطر بالنسبة للنخب الحاكمة والاجتماعية وتظهر الرغبة في السيطرة عليها.

تصوّر في كتابك 1919 كذروة، أو كتعبير هام لتشكيل أمّة مصرية متخيلة. أترى التجمعات والمظاهرات والخطاب العام في ثورة 1919 كانعكاس لبلورة هذا الشعور القومي وتطوره؟

لا أريد أن أبدو مثاليًا، لكني أعتقد أن ذلك عَكَس في هذه اللحظة -كيفما أردتُ تعريفها وقتيًا شهر أو شهرين أو ثلاثة في ربيع عام 1919- رغبة أو احتياج للناس بأن يحصلوا على استقلالهم ويعبرون عن هوية قومية. أغلب الأفكار كانت في الواقع أفكار طبقة متوسطة، وبشكل رئيسي أفكار لأناس متعلمين، أتت من أشخاص انضموا لمجموعات سياسية منذ وقت الحزب الوطني ومن بعدها. لكن في تلك اللحظة انتشرت هذه الأفكار لأسباب مختلفة. أنا لا أريد الإدعاء بأن كل شخص شارك في مظاهرة عام 1919 كان قوميًا للنخاع- كان للناس تظلماتهم الخاصة. الفلاحون مثلًا كانوا ساخطين بسبب نقص في السلع وضرائب مرتفعة وغيره. لكني أعتقد أنه في هذه اللحظات، الكثير من الأفكار والتظلمات للناس تُجمَّد، ثم بعد ذلك تمرّ اللحظة، وتظهر الشقوق في المجتمع مرة أخرى، إما كانت في الطبقة أو العرق أو الدين أو أيًا كان.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي