البعض يفضّل العمل في الظل
 
 

يذكر المسؤولون الحكوميون المصريون الاقتصاد غير الرسمي باستمرار في الأعوام الأخيرة، بهدف محدد: دمجه في الاقتصاد الرسمي في أسرع وقت. ففي ظل أزمة اقتصادية مرت بها مصر في السنوات الماضية، متمثلة في مستويات نمو منخفضة، بالكاد بدأت تتعافى، تجزم الحكومة المصرية أن مستوى النمو الحقيقي لا تعكسه الأرقام الرسمية.

الحكمة بسيطة؛ إذا كان حجم الأعمال غير المسجلة نحو 2 تريليون جنيه –كما تزعم التقديرات فإن حجم الضرائب التي قد تُقتطع من تلك الأعمال مهولة. كما أنها ستنقل إلى الدولة أموالًا لا بأس بها من أيدي موظفي الدولة الفاسدين فارضي الإتاوات على المنشآت غير المسجلة، ما يفيدها ويرحم أصحاب المنشآت من الابتزاز، نظريًا.

وأخيرًا، فإن منطق السوق يقول إن تسجيل المنشآت الاقتصادية يوفر شروط المنافسة العادلة، فيشتكي رجال أعمال مثلًا أن القطاع غير الرسمي يقتطع من أرباحهم لأنه يتيح سلعًا أرخص في السوق، لأنه لا يتحمل تكاليف الضرائب والتأمينات. النائب محمد السويدي، رجل الأعمال ورئيس اتحاد الصناعات المصرية، اعتبر أن «الإرهاب الحقيقي في البلد هو القطاع غير الرسمي»، في مجلس النواب.

والحل؟ طبقًا لوزيرة التخطيط هالة السعيد، الحل بسيط: تحفيز المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر -التي تمثّل تقليديًا أغلبية هذا القطاع- من خلال تبسيط الإجراءات والتحفيز عبر الحد من الضرائب المفروضة عليها.

ولكن ذلك المنظور للتعامل مع ظاهرة الاقتصاد غير المسجّل لم يتغيّر منذ ما يقرب من 20 عامًا، حين بدأت مصر محاولات تطبيق نظام الشبّاك الواحد لسرعة تسجيل المنشآت الاقتصادية، وكُتبت القوانين المشجعة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

رغم أن تناول الدولة للاقتصاد غير الرسمي يتبع التفكير السائد للتعامل مع الظاهرة، متلخصًا في رؤية هذا الاقتصاد كأمر يحيد عن الطبيعي، والتأكيد على إمكانية «دمجها»، إلا أن صفة «غير الرسمية» ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ «الرسمية» نفسها، ومحاولة التعامل معها من خلال إجراءات إصلاحية للتحفيز على التقنين قد يكون نتيجة سوء فهم الظاهرة، مما يؤدي إلى نتائج متواضعة لجهود الحكومة.

الحكمة التقليدية: تحفيز التسجيل

بخلاف ما يحدث أحيانًا عندما تحاول الدول مطاردة النشاطات الاقتصادية غير الرسمية لجباية الضرائب منهم، فإن الحكومة المصرية الآن تخطط لاتباع أسلوب أقل تدخلًا، وهو تقديم حزمة من الحوافز للمنشآت الاقتصادية لكي يسجلوا نشاطهم لدى الحكومة، وبالتالي يدخلون المنظومة الرسمية.

وزيرة التخطيط هالة السعيد قالت -في حوار أُجرى في نوفمبر الماضي- إن الخبرة العالمية في شأن دمج الاقتصاد غير الرسمي هو التشجيع، بمعنى تبسيط إجراءات التسجيل وخفض تكلفتها لحثّ المنشآت الاقتصادية على التسجيل.

تشرح علياء المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، والتي شاركت في أبحاث عن المنشآت الاقتصادية غير الرسمية في السنوات الماضية، أن المشكلة مرتبطة إلى حد كبير بالتكاليف والفوائد لمَن يعملون في القطاع غير الرسمي.

وقد قدّر باحثون في حجم الاقتصادات غير الرسمية في العالم أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يمثل ما بين 27% و35% من حجم الاقتصاد الرسمي. بينما يقول المسؤولين إنه يمثّل ما قد يصل إلى 60%. وتؤكد علياء -التي تعترف بأن هناك تباينًا بين التقديرات نتيجة صعوبة تقدير ما هو غير مسجل-  أنه ما بين 8 إلى 9 مليون عامل يشتغلون بالاقتصاد غير الرسمي، ولذلك فإن التشجيع هو الطريق اﻷمثل.

تشير علياء المهدي إلى أنها ومجموعة باحثين قابلوا بعض أصحاب الورش خلال بحث أُجرى عامي 2003 و2004، والذين أكّدوا لهم أنهم يرغبون بالفعل في تقنين أعمالهم، ﻷنهم دائمًا عُرضة لتحصيل الإتاوات، وهناك دائمًا شخص يأخذ منهم نقودًا. لكن التقنين معقد، بسبب تعقد اﻹجراءات وتوزيعها على مصالح مختلفة بين مكتب العمل والحي ومصلحة الضرائب وغيرها.

هناك أيضًا تكلفة التقنين؛ تؤكّد المهدي أن العاملين في الاقتصاد غير الرسمي في النهاية «عاقلين وحاسبينها: هل أدفع رشاوى بثلاثة آلاف جنيه، أم أدفع عشرة آلاف في إجراءات التقنين؟ الإجابة واضحة»، كما تقول المهدي. مضيفة أن تكاليف التقنين على حدة، بخلاف التكاليف السنوية بعد التسجيل، باهظة.

«مجرد إدخال خط كهرباء تجاري يحتاج إلى مصاريف تتجاوز 11 ألف جنيه، وتكلفة دراسة جدوى للمشروع في حدود الـ 25 ألف جنيه، فدخلنا في مصاريف تتجاوز 35 ألف جنيه من هذين البندين فقط، فمن الطبيعي أن يعمل صاحب العمل من المنزل وأن يسرق الكهرباء»، تقول علياء المهدي.

يؤكّد راجي أسعد، أستاذ التخطيط والسياسات العامة بجامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة، أن التقنين له تكلفة كبيرة، لافتًا إلى أن تلك التكلفة تزيد كلما صغُرت المنشأة، وبالتالي فهي تمثل عائقًا أمام تقنين المنشآت في الاقتصاد غير الرسمي. «هناك علاقة وثيقة بين حجم المنشأة واللا رسمية»، كما يقول أسعد.

وتمثل المنشآت غير الرسمية السواد الأعظم من الشركات متناهية الصغر والصغيرة، بواقع 80% طبقًا لبعض التقديرات الصادرة في عام 2010.

المهدي وأسعد يتفقان على ضرورة حد الضرائب المطلوبة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والأهم من ذلك هو تبسيط إجراءات التسجيل.

تقول المهدي إنه من المهم تبسيط الضريبة حتى يعلم صاحب النشاط كم سيتوجّب عليه دفعه كل عام، لأن طبيعة الكثير من هذه النشاطات غير منتظم، وبالتالي فإن معرفة التكلفة الضريبية السنوية ستريح صاحب النشاط وتشجعه بدلًا من عدم اليقين.

تؤكد المهدي أن الكثير من البلدان طبّقت ضريبة المبلغ الإجمالي، وهي ضريبة محددة الحجم لا تختلف حسب أداء المنشأة، وذلك ما أكدته وزيرة التخطيط سابقًا. كما يؤكد أسعد أن مصر قد أحدثت تقدمًا في سهولة تسجيل الأعمال كما تبيّن في ترتيبها في تقرير «دوونج بيزنيس» العام الماضي، ولكنه يرى أن ذلك ليس كافيًا، مشيرًا إلى ضرورة خفض تكلفة التسجيل الحالية أيضًا.

لا تخرج هذه الإجراءات عن الأدبيات السائدة في المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي عن التعامل مع القطاع أو الاقتصاد غير الرسمي، والذي يوجّه له البعض الانتقادات كونه لا يعي واقع اللا رسمية، فالأمر قد لا يكون ببساطة حسبة نقدية مرتبطة بالمكسب والخسارة.


أسجّل أم لا أسجّل؟

يملك أحمد بكري مقهى صغيرًا في مدينة المنصورة، وهو عضو فخور في الاقتصاد الرسمي، فكل أوراقه -كما يؤكد- «مظبوطة».

«لدي سجل تجاري وبطاقة ضريبية ورخصة»، يقول بكري. مؤكدًا أن إجراءات التقنين كانت سريعة، حيث كل المكاتب اللازمة كانت في مقر الغرفة التجارية بمدينة المنصورة.

حصل بكري، بعكس الكثير من أصحاب المشاريع الصغيرة أو متناهية الصغر، على قرض من أحد مؤسسات التمويل، لبدء نشاطه. لكن إلى جانب القرض، حظى بكري بموارد أخرى، غير مادية، ضرورية لإدارة مشروع تجاري.

يقول بكري إنه دون مصادقته لضباط شرطة ومعارف في عدّة جهات حكومية، كان سيضطر ﻹنفاق الكثير من الأموال لشرطة المرافق والكهرباء والمصنفات، وهي جميعها جهات رقابة تخضع المقاهي لسلطتها، نظرًا لمضايقاتهم المستمرة له، أحيانًا بحق، وكثيرًا دون حق، حسبما يقول.

يلخص بكري رؤيته للموضوع: «لا اللي مسجّل مرتاح، ولا اللي مش مسجل مرتاح، المرتاح هو الي معاه واسطة».

لكن على العكس من حالة بكري، فإن عدم التسجيل قد يكون خيار البعض، مهما بلغت التسهيلات في التسجيل، أو الحوافز الضريبية.

تبيع هيلين لبيب -ربة منزل في العشرينيات من عُمرها- الحلوى من خلال صفحة على فيسبوك. بدأ نشاطها عندما شجعها صديقاتها على أن تطلق مشروعًا لعمل الحلوى بعدما أعجبن كثيرًا بالحلوى التي تصنعها. اقترضت هيلين مبلغًا من والدتها، وتصفحت اﻹنترنت وأجرت اتصالات لشراء معدّات لعمل الحلوى من الصين. وبعد شهور، أصبح لديها طلبات مستمرة لعمل الكعك والبسكويت لأعياد الميلاد والمناسبات الأخرى.

عندما سأل «مدى مصر» هيلين إن كانت تفكّر في فتح محل لبيع حلواها، ترددت، ثم قالت إن التعامل الرسمي في مصر صعب، موضحة أنها تفضّل العمل حين ترغب والتوقّف حين ترغب كذلك. لم تبدِ أي حماس للتسجيل التجاري، رغم أنها ترغب في توسّع مشروعها، حيث تحاول بيع حلواها على نطاق أوسع من معارفها، ومَن يجدون صفحتها، وتحاول عرضها في يوم مفتوح بمكان مزدحم.

تعكس هذه الحالة الكثير مما توصلت إليه الأبحاث عن الاقتصاد غير الرسمي منذ عقود. في عام 1997، كتب عالم الاجتماع الإيراني الأمريكي آصف بيات في ورقة بحثية شهيرة أنه بعيد عن فكرة سهولة التسجيل أو حجم الضرائب، فإن الكثير من أصحاب الأعمال غير الرسمية يريدون الاستقلالية من الإجراءات والانضباط الذي يستلزمه دخول المنظومة الرسمية.

«المحرومون يعبّرون عن رغبة عميقة لعيش حياة غير رسمية، وإدارة شؤونهم بأنفسهم دون تدخل السلطات ومؤسسات رسمية أخرى»، يقول بيات في ورقته. مؤكدًا أن ذلك لأنهم يستفيدون أكثر من بقائهم خارج المنظومة، حيث لا توفر لهم مؤسسات الدولة الحديثة احتياجاتهم.

ورغم أن بيات كان يتحدّث بشكل أساسي عن المهمشين، فإن هذا السلوك، كما عبّرت عنه هيلين، ينتشر أيضًا في منشآت غير رسمية ﻷصحاب أعمال من الطبقة المتوسطة وما فوقها. ورغم اختلاف النشاط والمستهلكين، إلا أن الأسباب متشابة: العمل غير الرسمي، بعيدًا عن المكسب أو الخسارة، يتيح لهم امتيازات قد تحول دون دخول المنظومة الرسمية. يتجلى ذلك في تفضيل هيلين للعمل بحرية، وعدم الارتباط بمواعيد قد يفرضها امتلاك محل لبيع الحلوى.

يضيف بيات إن «اللا رسمية» تتيح للفقراء استخدام الموارد العامة مثل الأرض (كالأرصفة التي يستخدمها البائعون الجائلون) أو المأوى التي يعلمون أن فرص حصولهم عليها من خلال القنوات الرسمية غاية في الصعوبة.

لكن الدولة تعلن باستمرار عن مبادرات لتسهيل اللجوء إلى تلك الموارد، سواء من خلال توفير أماكن أو تمويل، فهل تغيّر هذه المساعي من تفضيل كثير من المنشآت الاقتصادية الابتعاد عن الاقتصاد الرسمي؟

لمَن تذهب التسهيلات؟

إحدى المشروعات التي سُلط عليها الضوء الإعلامي في الشهور الأخيرة لتشجيع المنشآت غير الرسمية لتقنين أوضاعها هي مدينة دمياط للأثاث، وهو مشروع مُقام على 330 من الأفدنة بالقرب من مدينة دمياط، به نحو 1400 وحدة صناعية، مرفق بها مراكز تكنولوجية لصناعة الأثاث ومعارض لبيعها. باختصار، بها عوامل جذب لصنّاع الأثاث من المفترض أن تنعش الصناعة التي تشتهر مدينة دمياط.

لكن أصحاب ورش ومصانع اشتكوا من غلاء أسعار الورش هناك وضيق مساحاتها وبعدها عن المدينة. محمد نبيل، مالك ورشة في مدينة دمياط، تحدث إلى «مدى مصر» معتبرًا أن مَن سيحصلون على تلك الورش هم أصحاب الأعمال الكبيرة الممثلون في الغرفة التجارية بدمياط، ثم يبيعونها لاحقًا للقادرين على تحمّل تكلفتها. بحسب رأيه، فإن أغلب أصحاب الورش الصغيرة في دمياط -مثله- لن يستفيدون منها.

وسواء كانت شكوك نبيل في ضرورة الوساطة في الحصول على تلك الورش صحيحة أو خاطئة، فإن الاعتقاد بأن هناك عقبة للحصول على الامتيازات من خلال التقنين عبر مشروع قومي كهذا هي نقطة مهمة فيما يتعلق بدمج الاقتصاد غير الرسمي. نبيل، في آخر الأمر، لن يتحرّك من ورشته، ﻷنها تقع في نفس العقار الذي يسكنه، ما يمكّنه من الإشراف عليها بسهولة، سواء بنفسه أو من خلال أحد معارفه في المنطقة، ولا تكلّفه شيئًا.

ما يشير إليه اعتقاد نبيل بضرورة الوساطة، ومن قبله تجربة بكري -صاحب المقهى- هو أن العمل تحت مظلة الاقتصاد الرسمي لا ينفي الحاجة إلى ممارسات غير رسمية من أجل استمرار النشاط، وهو ما توصّلت إليه الكثير من الأبحاث. هناك اشتباك لا يُفضّ بين ما هو رسمي وما هو غير رسمي، يكبر حجمه في سياقات ويقل في سياقات أخرى، وقد يحوّل منظور الدولة الذي لا يرى ذلك الاشتباك ويصر على ثنائية الرسمية وغير الرسمية دون التعامل المطلوب مع الظاهرة.

من أوروبا إلى وكالة البلح: تداخل الرسمي واللا رسمي

إن تمشيت لبعض الوقت بحي بولاق أبو العلا قريبًا من وسط القاهرة، ستعترض طريقك آجلًا أم عاجلًا ستاندات الملابس المنتشرة في شوارع وعلى أرصفة وكالة البلح، أكبر أسواق الملابس المستعملة في مصر.

تمثّل الوكالة أحد أبرز مظاهر التشابك بين الرسمي واللا رسمي، كما ترى باحثة الانثروبولوجي أمنية خليل، التي تتبعت رحلة الملابس المستعملة من أسواق بلجيكا وإيطاليا وفرنسا وسويسرا إلى وكالة البلح في ورقة بحثية لم تُنشر بعد.

تحدد أمنية محطّات رسمية ومحطات غير رسمية في رحلة تلك الملابس من أوروبا لبورسعيد ثم من الأخيرة إلى القاهرة. «هناك مثلًا إجراءات التخليص من الميناء وما يُدفع للجمارك، وإيجارات محلّات الملابس في الوكالة وضرائبها، كل هذا يدخل فيما يُسمّى الشق الرسمي للاقتصاد»، تقول أمنية، مضيفة: «لكن على الجانب الآخر، فهناك الرشاوى التي يأخذها موظفو الميناء لتقليل نفقات الجمارك لدى التجّار، ومئات العاملين غير المسجلين الذين يغسلون ثم يكوون ويصنفون الملابس حسب النوع والموسم، والبائعين الذين يبيعون الملابس في شوارع الوكالة، واﻹتاوات التي يدفعها هؤلاء للقيام بعملهم في الشارع دون مضايقات أمنية، إلخ».

تؤكد أمنية أن هناك اعتماد مشترك لهذه العمليات الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية على بعض، وتتمثّل في آخر الأمر في تجارة الملابس المستعملة، التي لم تكن توجد دون ذلك التفاعل بين تلك الأنشطة المتباينة الرسمية.

لا تنفي المدارس التقليدية التي تتبنى ازدواجية ما هو رسمي وغير رسمي ذلك التداخل، ولا يغيب عن أي اقتصادي مصري أن الغالبية العظمى من العمالة في الاقتصاد الرسمي المصري غير مسجلة. لكن أمنية ترى أن هناك تبسيط في التعامل مع تلك القضية بطريقة «مقاس واحد يناسب الجميع»، ودون النظر إلى كل حالة على حدّها.

«الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة في وسط البلد ينبع من مرحلة في تاريخ مصر المعاصر تبنّت فيها الدولة سياسات الاقتصاد الحر، ونتيجة لذلك تمّ منح ترخيصات تجارة تلك الملابس المستوردة لتجّار في بولاق توارثها أبناؤهم، وتشابك ذلك التطوّر مع البنية التشريعية والاجتماعية والسياسية في مصر فأنتج الشكل الذي نراه اليوم في وكالة البلح». وتؤكّد أمنية أن اختزال الوضع فقط في إصدار تشريعات تسهّل التسجيل فضلًا عن محاولة حث المنشآت على التسجيل بطريقة فوقية لن تنجح لأنها لا ترى ذلك الواقع المتشابك، وبالتالي لن تستطيع التعامل معه.

انتقد باحثون كثيرون ثنائية الرسمية وغير الرسمية لدورها في إعادة إنتاج الظروف الصعبة التي يعيش بها الناس العاديون والذين يندرجون تحت فئة الاقتصاد «غير الرسمي»، بحسب تصنيف من يتبنون تلك الثنائية.

توضّح أستاذة علم الاجتماع ليلا جرونوولد في ورقة منشورة في كتاب «سوسيولوجيا الرسمية وغير الرسمية» المنشور عام 2015، أن الانتقاد اﻷساسي لهذه الثنائية هو أنها لا تعترف بالظروف المُعاشة لمَن يعملون بشكل غير رسمي، وأن لجوئهم إلى هذا العمل هو مزيج من الضرورة والامتيازات التي يحصلون عليها من خلاله، والتي من دونها لن يستطيعون تحقيق دخل وأمان، حتى إذا كان ذلك الأمان مؤقتًا أو ذلك الدخل غير مستقر.

ما تؤسس له الثنائية هو أن هؤلاء يحيدون عن نمط «طبيعي» ما، وبالتالي يضفي هذا عليهم وصمًا، ويكون التعامل معهم، سواء بالقوة أو بالتحفيز، من موقف ينظر إليهم نظرة دونية، لا تفهمهم وبالتالي لا توفّر لهم الحلول التي يريدونها.

وذلك ما يشدّد عليه عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي يرى أن إشكال إدماج «القطاع غير الرسمي» نفسه مصطنع بشكل كبير، حيث يُصاغ بشكل شكلي جدًا، أي بشكل إجرائي وقانوني، «ولا ينظر إلى الأساس الواقعي على الأرض، ما هو الجانب الاجتماعي لممارسة الاقتصاد في مصر لدى القاعدة العريضة للمشتركين في القطاع الخاص».

ما جدوى الجري وراء تاجر الفشّة؟

«أهم ما يميّز الاقتصاد غير الرسمي أن أغلب أنشطته متناهية الصغر، ويجرى من خلالها تبادل منتجات منخفضة القيمة، بشكل التوظيف الذاتي»، يقول عادلي، مؤكدًا أن القيمة المتدنية لإنتاج هذه المنشآت يجعل إيراداتها غير مجدية بالنسبة للحكومة.

وتكشف الإحصاءات عن أن السواد الأعظم من المنشآت الاقتصادية في مصر صغير الحجم، فمثلًا في القاهرة، 94.28% من المنشآت الاقتصادية الخاصة يشتغل بها من 1 إلى 5 موظفين، و23% من المنشآت الاقتصادية الخاصة يعمل بها موظّف واحد، طبقًا للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2017.

في رؤية عادلي، فإن اللا رسمية هي أحد أعراض التخلّف الاقتصادي، وليس أحد أسبابه. مضيفًا أن التقنين يأتي بشكل تلقائي مع توسّع أعمال المنشآت الاقتصادية الصغيرة، وبالتالي تزداد حاجتها إلى الدولة كطرف في تنظيم علاقاتها مع المتعاملين معها خارج السياق الشخصي والعائلي الذي يميز المنشآت الاقتصادية الصغيرة، وكذلك إتاحة التمويل اللازم لها من أجل هذا التوسع.

«التقليد المتعارف عليه في جباية الضرائب، والذي يمثّل أحد الأسباب الرئيسية وراء رغبة الدولة في تقنين هذه المنشآت، هو حصاد أغلبها من الضرائب غير المباشرة، ثم الضرائب المباشرة للمنشآت الكبيرة ذات العائد الكبير»، يقول عادلي، «أما الجري وراء تاجر الفشّة لتحصيل خمسة جنيهات منه فهو شيء مثير للضحك».

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي