محمد مرسي «المختار».. ما أتت به الريح ذهبت به الزوابع
 
 

هذا النص نسخة محررة لجزء من الفصل العاشر من كتاب «خريف الإخوان: كيف فشل حكم الجماعة في مصر؟»، والذي صدر عن إحدى دور النشر بالقاهرة في يناير 2015 لكنها امتنعت عن توزيعه في ظروف غامضة. وظل الكتاب إلى حينه -والذي يعتمد على 22 مقابلة خاصة علاوة على المراجع والأرشيفات اللغتين العربية والإنجليزية- رهينًا للون من المصادرة الخفية غير المعلنة.

تلاحظ الباحثة الأمريكية المتخصصة في شؤون الإخوان، كاريه ويكهام، أن الدكتور محمد مرسي، الرئيس اﻷسبق والقيادي بجماعة اﻹخوان المسلمين والذي تُوفي قبل أيام، كان يبدو  متخشبًا وغير مرتاح في مواجهة الكاميرا. حملته الانتخابية عام 2012 لم تعتمد على جاذبية شخصية، بل اعتمدت بالأساس على دعم شبكة جماعة الإخوان.

يمكن فهم بعض أسباب عدم الراحة هذه حين نعرف مرسي دخل عالم السياسة متأخرًا للغاية. بالإمكان أن ندرك أن مرسي الطالب الجامعي لم يكن منخرطًا على نحو بارز في السياسة، لأنه خدم في الجيش بين عامي 75 و1976، دون مواجهة أي مشكلات من تلك التي يعانيها الشباب السياسيون الناشطون عند تجنيدهم بالقوات المسلحة. ولقد قال الرئيس مرسي بنفسه في حوار مع مجلة «تايم» الأمريكية عرضًا إنه بدأ العمل السياسي في عام 1986.

لكن هل كان الشاب محمد مرسي مُنخرطًا في إطار أي من الجماعات الاسلامية خارج «الإخوان» في سنوات الجامعة خلال السبعينيات؟ لا تتوافر معلومات بهذا الشأن.

لكن اللافت هو أن أول تجربة اعتقال مرّ بها كانت في 18 مايو 2006 بعد أن اقترب من الخامسة والخمسين من العُمر، ومن الشارع في سياق أحداث التضامن مع حركة استقلال القضاء والقاضيين محمود مكي وهشام البسطويسي. وعلى هذا النحو، فإن مرسي لم يكن من ضحايا حملات عقد التسعينيات ومحاكماتها العسكرية القاسية ضد «جيل الوسط» من جماعة «الإخوان المسلمين». وفي هذا السياق أيضًا، فإن الرجل لم يكن من القيادات التي اشتغلت بالترشّح والعمل بالنقابات المهنية. ولا تتوافر معلومة واحدة تفيد بأنه ترشّح في أي انتخابات بنقابة المهندسين أو بهيئة تدريس جامعية.

وفق سيرة شخصية للدكتور مرسي منشورة بجريدة «الحرية والعدالة»، فإن الرجل انضم للتنظيم عام 1979. كان عمره وقتها 28 عامًا بحكم أنه من مواليد 1951. ولكن قبلها بعامين -أي في عام 1977- كان قد بدأ التعرّف على جماعة «الإخوان» واعتنق أفكارها. يعني هذا أن «مرسي» لم يكن عضوًا بالجماعة وناشطًا تحت مظلتها عندما كان طالبًا.

انضمّ الدكتور مرسي إلى الجماعة وهو يعمل بالكادر الأكاديمي لجامعة القاهرة معيدًا، فمدرسًا مساعدًا، قبل أن ينتقل للعمل بجامعة الزقازيق رئيسًا لأحد أقسام كلية الهندسة. ويمكن فهم التحاق مرسي الأكاديمي القادم من إحدى الكليات العلمية العملية، غير العلوم الأدبية الإنسانية، بالتحوّل الحاصل في عضوية الجماعة: من غلبة الأفندية والأسطوات عند التأسيس عام 1928 مثل مدرسي الابتدائي وصغار الموظفين والأزهريين والعمال الحرفيين إلى أساتذة الجامعة، وبخاصة في التخصصات العلمية والأطباء والمهندسين بعد التأسيس الثاني في منتصف السبعينيات وحتى الآن.

مَنْ يقرأ «مذكرات الدعوة  والداعية» للمرشد المؤسس حسن البنا، فإنه يتبيّن أن الرعيل الأول لجماعة «الإخوان» والذي كان مكونًا من سبعين عضوًا بمدينة الإسماعيلية يغلب عليه هؤلاء الأفندية من العاملين بمدارس الدولة ومرافقها الأخرى والأسطوات العاملين لدى الأجانب.

والآن وفق السيرة المنشورة بجريدة «الحرية والعدالة»، فإن الرجل انضمّ إلى اللجنة السياسية للجماعة عام 1992 أي حال تأسيسها. لكن الظهور الأبرز له على الساحة السياسية العامة جاء مع فوزه في انتخابات مجلس الشعب عام 1995 أي بعد ثلاث سنوات فقط. إلا أن هناك غموضًا يحيط بتقدّمه صفوف زملائه من أعضاء مجلس الشعب الإخوان (16عضوًا) كي يصبح رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان بين عامي 1995 و 2000، وهي بالأصل هيئة غير معترف بها لائحيًا داخل البرلمان لكون الجماعة لا تتمتع بصفة حزبية قانونية. وثمة رواية لنائب المرشد العام السابق الدكتور محمد حبيب هنا قد تزيد مثل هذا الصعود غموضًا. قال: «اتصل بي الدكتور محمد علي بشر عضو مكتب اﻹرشاد -والمكتب صاحب القرار في اختيار رئيس الكتلة- وطرح عليّ اختيار الدكتور مرسي كمسؤول، على اعتبار معرفته به منذ أن كانا [يدرسان] في أمريكا. ولأنني كنتُ أثق في الدكتور بشر فقد تكلمتُ مع أعضاء الكتلة البرلمانية مجتمعين حول استطلاع رأيهم. وكان طرح اسم الدكتور مرسي مُفاجئًا لهم، خاصة إنها المرة الأولى التي يدخل فيها إلى البرلمان. ولا سابق خبرة له به. وإذا ما وضعنا في الاعتبار، إنه كان ضمن الكتلة البرلمانية أعضاء سابقين في البرلمان لأدركنا مدى المفاجأة التي وقعت عليهم. غير أن أعضاء الكتلة البرلمانية تصوروا أن طرحي لاسم الدكتور مرسي إنما هو تعبير عن رؤية مكتب الإرشاد .ولأن الأخير له منزلته ومكانته في قلوب الإخوان فقد قبَلوا الأمر ورضوا به». وسرعان ما تحوّل الرجل إلى إحدى واجهات جماعة الإخوان للعمل السياسي العام. ومع تزوير الانتخابات البرلمانية بدائرة الزقازيق في إعادة الجولة الثانية عام 2005، فقد الدكتور مرسي مقعده وفرصة ترأّس أكبر هيئة برلمانية للإخوان قبل ثورة 25 يناير (88 عضوًا). لكن اسم الرجل ظل مطروحًا في ساحة العمل العام ممثلًا لجماعته. وهكذا كان مشاركًا عام 2005 في تأسيس «الجبهة الوطنية للإصلاح والتغيير» بقيادة منسقها العام المرحوم الدكتور عزيز صدقي. وكذا «الجبهة الوطنية للتغيير» بقيادة الدكتور محمد البرادعي عام 2010.

ولأن الدكتور مرسي انضمّ بالتعيين إلى مكتب الإرشاد -أعلى هيئة قيادية في تنظيم جماعة «الإخوان المسلمين»- مطلع عام 2000 ثم بالانتخاب عام 2009، بدا أنه ممَن يضعون قدمًا بين رجال التنظيم المحافظين، وقدمًا أخرى بين رجال العمل العام اﻹصلاحيين. لكن ثمة نص كاشف كتبه مرسي في عام 2005 بعنوان «لماذا الإسلام هو الحل؟» يفيد بانحيازه للخيار الأول. فالنص الذي كتبه بمناسبة انتخابات مجلس الشعب جاء خاليًا من أي إشارة إلى انفتاح ما باتجاه أفكار إصلاحية، بل أنهى المقال بشعار الجماعة التقليدي: «الله غايتنا.. والرسول قدوتنا.. إلخ».

وعلى أي حال، فإن العام الذي انضمّ فيه الدكتور مرسي إلى مكتب الإرشاد عضوًا منتخبًا يقع على منحنى المزيد من سيطرة رجال التنظيم المحافظين على الجماعة وهيئاتها القيادية. كما أن الانتخابات التي حملت الرجل -في عام 2009- إلى داخل مكتب الإرشاد ترجمت ظاهرة غزو أهل الريف لهيئات الجماعة القيادية بما في ذلك مكتب الإرشاد، كما أوضح الباحث الراحل حسام تمام. وإجمالًا، فإن الأعضاء من أصول ريفية كانوا 12 من بين إجمالي أعضاء المكتب.

ويتفق هذا التحوّل في السنوات الأخيرة نحو ترييف قيادة جماعة الإخوان مع ثقافة «السمع والطاعة» المستمدة من نصوص تراثية دينية بعينها. وقد طبعت هذه السمة طريقة إلقاء مرسي للعديد من كلماته وخطاباته فضلًا عن سلوكياته خلال فترة توليه الرئاسة مما استدعى صورة الرئيس الأسبق أنور السادات الذي كان يفاخر بأصوله الريفية ويستهلك ريفيته في الكسب السياسي في مواجهة  معارضة مدينية وتقدمية بالأساس. واللافت أن الرئيس مرسي -في هذا السياق- لم يبدِ نفورًا من قيام «إسلاميين» بتقبيل يده، كما شاهدنا لدى وصوله الى مؤتمر «نصرة سوريا» بالاستاد المغطي مساء يوم 15 يونيو 2013.

ولقد تجلى في الاستحقاقات الانتخابية بعد ثورة 25 يناير نفوذ جماعة الإخوان في الريف على عكس المدن والحضر، وصولًا إلى نتائج الاستفتاء على الدستور في ديسمبر 2012. ويجرى تفسير ذلك بخطاب الجماعة الديني المحافظ وبقدرتها على تقديم خدمات في تلك المناطق الأكثر حرمانًا من رعاية الدولة والمؤسسات العامة. لكن يمكننا أن نضيف إلى كل ذلك أيضًا جاذبية المظهر الريفي، والأصول الريفية لقيادتها الجديدة لدى جمهور ينتمى إلى الأصول ذاتها. ولاشك أن مثل هذه القيادة الريفية تستند بدورها على قاعدة جماهيرية ريفية قال عنها شاب إخواني سابق: «إن إخوان القُرى والأماكن النائية و العشوائيات هم الغالبية بحكم ترابط الفقر بالقرب من الله والبحث عن الراحة من قهر العيش في جنة الآخرة. وتلك الأعداد هي التي تحرك الدفة في الانتخابات ووقت الحشد وتعطي السيطرة لهؤلاء باسم الدين». ولعل من مؤشرات استمرار صعود الدكتور مرسي داخل «الإخوان المسلمين» أنه كان هو والدكتور سعد الكتاتني يمثلان الجماعة في اللقاء مع اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية يوم 9 فبراير 2011، ومع أن مرسي كان قد خرج قبل أيام من اعتقال محدود المدة في سجن وادي النطرون احترازًا من مشاركة قيادات الإخوان في جمعة الغضب يوم 28 يناير 2011. ولعل موقع مرسي داخل مكتب الإرشاد، وتوليه اﻹشراف على القسم السياسي بالجماعة قبلها بسنوات كما أشار الدكتور حبيب، قد رفعا أسهمه كي ينطلق إلى تكليفه برئاسة حزب الجماعة «الحرية والعدالة» في صيف 2011، ثم اختياره من جانب مجلس شورى الجماعة العام كمرشح احتياطي لانتخابات الرئاسة بعد رجل الأعمال والتنظيم القوي خيرت الشاطر.

كما من المفيد أن نشير إلى تقييم الباحثة الأمريكية المتخصصة في شؤون الإخوان كاريه ويكهام للدكتور محمد مرسي وموقعه داخل الجماعة. فقد قالت إن مرسي محافظ برجماتي مثل خيرت الشاطر. إلا أن آراءه تميل أكثر إلى اليمين لأنه أقرب إلى تفكير الحرس القديم بالجماعة. وتضيف أن مرسي لعب دورًا رئيسيًا في صياغة برنامج حزب الجماعة عام 2007 الذي أثار الجدل وتعرّض لانتقادات من الرأي العام. وأكدت أيضًا أن مرسي يمكن النظر إليه بوصفه الرجل النموذجي الموال للحرس القديم والمخلص لتعليماته. وفضلًا عن ذلك فإن مرسي لا يملك شيئًا من قاعدة الشاطر وحضوره القيادي. وقد وُصف في الشارع المصري عند ترشيحه احتياطيًا للشاطر بأنه المرشح «الإستبن».

سوّقت صحيفة «الحرية والعدالة» قبيل الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة 23 مايو 2012 للدكتور محمد مرسي بوصفه «مرشح الشريعة الإسلامية». وفي عدد 14 مايو كان مانشيت الجريدة هو قوله في مؤتمر انتخابي: «الدستور الجديد لن ينطلق إلا من الشريعة». ونقلت أيضًا عنه: «نحن قادرون على تطبيق الشريعة الآن.. ولن نرضى بديلًا عن الشريعة الإسلامية». وفي 20 مايو، كان مانشيت الجريدة -ذاتها- قوله: «سأكتب على مكتبي بالرئاسة: أتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله». واللافت أن الكلام -في المؤتمرات وعلى صفحات جريدة الحزب والجماعة- عن الشريعة الآن يختلف عما جاء في برنامجه الرئاسي؛ «النهضة» حين يتحدث عن «الفهم الوسطي الشامل للشريعة الإسلامية وضرورة تهيئة المجتمع وإصلاح تشريعاته ليتمّ التطبيق الصحيح لها».

وفي التطبيق لم يقدم الدكتور مرسي خلال عام كامل من رئاسته أي إجراء عملي يخرج المناداة بـ «الشريعة» من دائرة الشعارات ليس إلا، هذا إذا وضعنا جانبًا الخلاف بالأصل حول ما هي الشريعة في نظر المذاهب والتيارات المختلفة، بل والأشخاص.

ولاشك أن رفع شعار «الشريعة» في سوق السياسة أدى الى جملة من المزايدات أصبح الرئيس مرسي نفسه ضحية لها. ولا تقتصر المزايدات على قطاعات من السلفيين والجماعات الدينية الأكثر يمينية من «الإخوان»، فقد رَفَع المهندس حمدي الفخراني دعويين ضد مرسي طالبه فيهما بتطبيق الشريعة فيما يتعلق بمنع الخمر والربا. وكان من الطبيعي أن يصف الإخوان [الدعويين] بالمزايدة. واعتمد تسويق الرئيس مرسي عند البسطاء على صورة ذهنية قريبة إلى حد ما من صيغة «الرئيس المؤمن» التي روّجها السادات عن نفسه، وخاصة عندما استحكمت أزمة حكمه ولجأ إلى إجراءات قمعية في مواجهة معارضيه مع اندفاعه في سياسات التبعية للولايات المتحدة والغرب والصلح مع العدو الصهيوني والانفتاح الاقتصادي. لكن مع قدر من التميز بمزج هذه الصورة بملامح «الطيبة» و«رقة القلب». واللافت في هذه السياق التوسع في تغطية غشيان الرجل المساجد للصلاة، و أن صحيفة قومية كبرى كـ «الأهرام» دأبت على نشر أنباء عن بكاء الرئيس مرسي تأثرًا لسماعه القرآن في المساجد. وعلى سبيل المثال، يمكن العودة إلى خبر «مرسي يبكي خلال خطبة الجمعة تأثرا بالقرآن الكريم» في عدد صحيفة «الأهرام» يوم 29 ديسمبر 2012. ولقد سألت الزميل الصحفي محرر هذه الأخبار فأبلغني أنه لم يكن بإمكانه من موقعه البعيد عن الرئيس مشاهدة هذا البكاء بنفسه. لكن إمام المسجد نفسه هو الذي كان يتولى إبلاغه بذلك في كل مرة.

وبالإمكان أيضًا رسم خريطة جغرافية بتنقل الرئيس البكّاء بين المساجد الكبرى كـ«الأزهر» و«عمرو بن العاص»، وتلك القريبة من منزله في غضون عام واحد حكم خلاله البلاد. ولم يكن تسويق أداء الرئيس للصلاة تقليدًا جديدًا في مصر. لكن الجديد هو الترويج لأنه أول رئيس لمصر يحفظ القرآن كاملًا، وأن زوجته ترتدى الحجاب. وفي هذا السياق نقلت «الأهرام» عن مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع إشادته بهذه الخصال خلال أداء صلاة عيد الفطر في مدينة مرسى مطروح وبإمامة مرسي للحرس الجمهوري كل يوم في صلاة الفجر كما قال. وفي هذا السياق تكرر قيام الرئيس المؤمن حافظ القرآن البكّاء بالصلاة بكبار مسؤولي الدولة. واصطناعًا لتقليد لم يكن قائمًا، أدى مدير المخابرات الجديد اللواء محمد رأفت شحاتة يمين الإخلاص والولاء ويده على المصحف مع تغيير في ديباجة القسم إلى «أقسم بالله العظيم وكتابه هذا أن …»، إلا أن مثل هذه الصورة الذهنية تطورت إلى ما لا يُحمد عقباه مع ذروة أزمات الحكم. في البدء كان الخلط بين التأييد السياسي وبين الشعائر الدينية، فدعا الدكتور محمود حسين أمين عام جماعة «الإخوان» مع حلول نهاية شهر رمضان الكريم وبعد إطاحة الرئيس مرسي بالمشير طنطاوي والفريق عنان إلى مليونية «ختم القرآن وتأييد قرارات الرئيس».

ثم في مواجهة الدعوة لمليونية 24 أغسطس 2012 المعارضة للرئيس خرج الشيخ عاصم هاشم إسلام، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، بفتوى إهدار دم المتظاهرين المعارضين، وإن تنصلت جماعة «الإخوان» على لسان أمينها العام من مسؤوليتها عن هذه الفتوى. لكن مفتى الجماعة نفسه الدكتور عبدالرحمن البر مع تصاعد المعارضة في صيف عام 2013 استشهد بنبوءة حاخام يهودي عن تحرير الرئيس مرسي للقدس كي يصفه بأنه «محمد الثالث»، وإن كان البر بعدما واجهته عاصفة انتقادات، قال بإنه استشهد هكذا على سبيل «الطرفة» وليس «الاعتقاد».

وقبيل 30 يونيو 2013 بنحو ثلاثة أسابيع، ادعى الشيخ سعيد عبدالعظيم، نائب رئيس الدعوة السلفية، أن الرئيس مرسي ولي شرعي. وقال إن مجمل مجلس أمناء الدعوة السلفية يرى أن الخروج عليه حرامٌ، وإن كان النائب الأول للهيئة ذاتها الدكتور ياسر برهامي كان له رأي مخالف.

والواقع أن علاقة الرئيس مرسي بأنصاره الإسلاميين من خارج جماعته تنطوى على قدر من التعقيد. وكما قال الدكتور عمار علي حسن إن هؤلاء يتوزعون على فريقين. الأول صغير يكفره ولا يرى فارقًا بينه وبين «مبارك العلماني». والثاني يطالبه بـ «شرع الله» ونظم مليونيات في سبيل ذلك غير معني بأي حسابات سياسية يضعها مرسي في رأسه. كما أشار حسن إلى تعامد مشروع «الإخوان» على جسد السلفيين عبر استعمالهم كفزاعة جديدة للداخل والخارج، إلا أن جماعة الإخوان استطاعت مع عدد لا بأس به من رموز ومشايخ السلفية تأسيس «الهيئة الشرعية للحقوق واﻹصلاح» في مايو 2011 لتكون بمثابة مظلة لتحالف بين الإخوان والسلفيين. وظلت تعمل على هذا النحو في العديد من المواقف السياسية خلال عهد الرئيس مرسي.

ولقد نقلت الصحف عن الرئيس مرسي طلبه الدعاء من الجميع وهو يبكى تأثرًا بآيات القرآن، إلا أن اﻹفراط في توظيف المسجد سياسيًا لتكريس صورة الزعيم المؤمن البكّاء سرعان ما انقلب إلى الزج بالمساجد في الخلافات السياسية حول الرئيس نفسه. وعلى هذا النحو، أصبح خروج مرسي من المسجد بعد الصلاة مناسبة تستدعي هتافات مؤيدة ومضادة، مع احتمال التشاحن بين الجانبين.

بالطبع فإن ما يتضمنه هذا البورتريه عن محمد مرسي أول رئيس مدني ومنتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر في سياق الانقسام المجتمعي السياسي حول موته الدرامي الغامض بعد نحو ست سنوات رهن الاختفاء القسري فالحبس والسجن والمحاكمة غير العلنية المثيرة للجدل ناهيك عن ظروف الاحتجاز والعزل القاسية من شأنه أن يستدعى قراءات متباينة مصحوبة بشحنات عاطفية متناقضة، وحتى في حدود ما هو منشور من معلومات هنا. وهو تباين وتصادم كان قائمًا بالأصل في خريف 2013 مع استطلاع آراء ستة سياسيين تعاملوا معه على نحو مباشر. وهم : الدكتور مجدي قرقر الأكاديمي والأمين العام السابق لحزب العمل الإسلامي، والسفير [الراحل] إبراهيم يسري رئيس «جبهة الضمير»، وسعيد عبود السياسي الناصري والبرلماني السابق، وكمال الهلباوي القيادي الإخواني السابق، ومحمد بدوي القيادي الإخواني عضو مجلس شوري الجماعة سابقًا، والدكتور وحيد عبدالمجيد السياسي الليبرالي ومدير مركز الدراسات السياسية بالأهرام لاحقًا.

حقًا وكأن الانقسام لا يزول حول الرجل/ الشخصية الذي أصبح يحمل عند الكثيرين صفة الرئيس المدني المنتخب ديمقراطيًا الوحيد في تاريخ مصر. تتراكم التجارب.. والتجارب المريرة. وتتحوّل قناعات بشأن ما جرى ويجرى منذ 30 يونيو/ 3 يوليو 2013 وتتغيّر معها مواقع في حقل الصراعات السياسية وتبقي هكذا انقسامات.

اعتمد الكاتب على المراجع الآتية:

حسن البنا، «مذكرات الدعوة والداعية»، طبعة دار الدعوة الأولى، الإسكندرية، 2011).

جريدة «الحرية والعدالة»، عدد 25 يونيو 2012

ترجمة حوار مجلة «التايم» الأمريكية في جريدة «الوطن»، عدد 30 نوفمبر 2012

حسام تمام، «عبد المنعم أبو الفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر 1970-1984»، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2012.

جريدة «الحرية والعدالة»، عدد 25 يونيو 2012

الدكتور محمد حبيب، «الإخوان المسلمون بين الصعود والرئاسة وتآكل الشرعية»، المجموعة الدولية للنشر والتوزيع (سما)، القاهرة، 2013).

جريدة «اليوم السابع»، عدد 22 يناير 2013.

حسام تمام، «الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة»  

د. عمار علي حسن، «انتحار الإخوان.. انطفاء الفكرة وسقوط الأخلاق وتصدع التنظيم»، دار نهضة مصر، الطبعة الأولى، أغسطس 2013.

سامح فايز، «جنة الإخوان: رحلة الخروج من الجماعة»، دار التنوير، بيروت والقاهرة وتونس، الطبعة الأولى، 2013).

برنامج «النهضة» [الذي كان مشروع جماعة الإخوان المسلمين لرئاسة الجمهورية في 2012].

كاريه روسفسكي ويكهام، «الإخوان المسلمون: تطور حركة إسلامية» (باللغة الإنجليزية)، مطبعة جامعة برنستون، نيوجيرسي (الولايات المتحدة)، 2013.

أرشيف عدد من الصحف المصرية

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن