زهرة القلب الطّيّب| قصة قصيرة
 
 

«زهرة القلب الطّيّب»* قصة لإيتجار كيريت** نُشرت في مجلة النيويوركر بالإنجليزيّة (2014)، وفي موقع ألاخسون بالنّسخة الأصليّة بالعبريّة. ترجمتها هنا بكريّة صائب من العبرية. 

***

تعمل في المقهى المجاور لبيتي نادلة قمّورة. أفادني أورن، عامل المطبخ، أنّها لا تواعد أحدًا؛ اسمها شيكماه[1] وتهوى صنف المخدّرات التي تُتعاطى للتّرويح عن النّفس. لم تطأ قدمي المكان قبل ظهورها فيه ولو مرّة واحدة، أمّا الآن، أقعد هناك كلّ صباح. أحتسي الإسبرسو. أتجاذب أطراف الحديث معها عالخفيف: عن أشياء أقرأها في الجريدة، عن روّاد المقهى الآخرين، عن الكعك. وأحيانًا أنجح في إضحاكها؛ وعندما تضحك، يغمرني انتعاش. كدتُ أدعوها لمشاهدة فيلم سويّة في السّينما عدّة مرّات، وسرعان ما سحبتُ الفكرة لأنّ دعوة لمشاهدة فيلم هي تصريح بالإعجاب عَ بلاطة[2]. دعوة لفيلم هي الخطوة التي تسبق وجبة العشاء في مطعم أو دعوتها لصعود الطّائرة لإجازة في إيلات. ليس هناك تفسيرات كثيرة لدعوة مشاهدة فيلم في السّينما. كأنّك تقول لها: «بدّي إيّاكِ.” وإذا لم تبدِ حماسًا وأجابت بالرّفض، نكون قد وصلنا إلى حدود عدم الرّاحة. لذلك فكّرتُ أن أعزمها على لفافة جوينت – أنسب الحلول. سيكون أقصى الاحتمالات أن تردّ «بَدخّنش»، ثمّ أُتبعُ جوابها بنكتة عن الحشّاشين، وأطلبُ فنجان إسبرسو قصير كأنّ شيئًا لم يكن، ونمضي قُدُمًا.

ولهذا السّبب أُهاتف آڤري. فآڤري هو الشّخص الوحيد من دفعتي في المدرسة الذي اعتاد التّدخين بشراهة. آخر مرّة تواصلنا فيها كانت منذ أكثر من سنتين. وعندما أرنّ إليه أُحضّر في ذهني بروڤا محادثة، يعني «أيّ» كلام ليكون توطئة للحديث قبل أن أسأله عن الأخضر[3]. ولكن، وحتّى قبل أن أستفسر منه عن حاله، يستبقني آڤري فورًا: «ناشف[4]. سكّرولنا الحدود مع لبنان عشان الأوضاع في سوريا ومصر، وكل البلاغان[5] مع القاعدة. فش شو نْدخّن يا رفيق. قاعد بتعربش عالحيطان.» أستفسر منه عن أحواله الأخرى، فيجيب على سؤالي على الرّغم من أنّ كلينا يعرف أنّ الأمر لا يهمّني عن جدّ. ويخبرني أن صاحبته حامل وكلاهما يرغبان بالإنجاب، لكن أمّها، وهي أرملة، تصرّ على أن يرتبطا بزواج دينيّ لأنّه – كما تدّعي – هذا ما كان سيطلبه الوالد حتمًا لو بقي متواجدًا بين الأحياء. ثم، يتابع آڤري، جرّب أن تحاجج تبريرًا كهذا. ماذا بمقدورك أن تفعل؟ أن تنبش قبره بطوريّة[6] وأن تسأله بنفسه؟

وبينما انساب آڤري بالحديث، جرّبت أن أهدّئه، فالمسألة كلّها ليست بهذه الخطورة. وبالنّسبة لي أنا، لا تفرق معي لو تزوّج آڤري زواجًا دينيًّا أم لا. أو لو قرّر أن يغادر البلاد أو أن يحوّل جنسه، سأتلّقى الأمر بروح رياضيّة. ولكن، بُرعمٌ واحد أهديه لشيكماه يعني لي الكثير. فأقطع انسيابه في الكلام وأرمي بطلبي: «يا زلمة؟ شو مع وردة؟ مش للتّسطيل، بس بدّي أهديها لواحدة بجرّب أزبّطها.»

«ناشف»، يكرّر آڤري، «بْشرفي صرت أَدخّن جوكر[7] زي المدمنين.»

«بقدرش أهديها جوكر السّم الهاري هاظ،» قلتُ له، «بتخرب الخطّة.»

«ما أنا عارف» يصلني صوته متمتمًا عبر الأثير، «أنا عارف بس بقلّك مَفِش.»

يهاتفني آڤري في الصّباح، بعد محادثتنا هذه بيومَيْن، ويخبرني أنّه عثر على حلّ ما ولكنّه حلّ عويص. فأقول له إنّني على استعداد أن أدفع ثمن البضاعة غاليًا لو تطلّبت المسألة ذلك. هذه خطوة فريدة سأتّخذها مرّة واحدة لا غير ولن تعوّض، هي خطوة فريدة، وكلّ ما أحتاجه يَزِنُ بالكاد جراما واحدًا. «مقلتش «غالي»»، يردّ ممتعضًا، «قلت «عويص». خلّينا نلتقي بعد 40 دقيقة في شارع كارليباخ 46 وبشرحلك الخُرّفيّة[8]

لست في مزاج يؤهّلني للخوض في حلول عويصة. وما أذكره من أيّام المدرسة هو أنّ الأمور «العويصة» عند آڤري تكون عويصة عن جدّ. وكلّ ما أبتغيه من هذه الحكاية هو مجرّد برعم، أو حتّى لفافة جوينت أهديها لفتاة جميلة تمكنّتُ من إضحاكها. ليس واردًا في الحسبان أن ألتقي بزعران من الطّراز الأصيل أو أيًّا كان ذلك الشّخص الذي يسكن في شارع كارليباخ. وتّرتني نبرة آڤري عبر الهاتف، وقد زاد الطّينة بلّة توكيد «العويص» مرّتين. أَصِلُ إلى العنوان وأجده هناك منتظرًا وهو يعتمر خوذة الطُّزْطُز[9] على رأسه. «هاظ الزلمة،» يقول لاهثًا أثناء صعود الدّرج، «اللي رايحين عنده هسا، محامي. — صديقة بتنظفله البيت كل أسبوع بس مش بمصاري، المقابل هو غراس طبيّ. عنده سرطان الأبصر- شو، مش عارف، وبيطلعله 40 جرامًا كل شهر بالروشيتة بس يا دوب بيطبّ فيهن. — قلتلها تفحص معه لو حابب يخفف من بظاعته شوي، وقال إنه في ع شو نتخرف. بس طلب آجي مع حدا. معنديش فكرة ليش، فَرنّيتلك.»

«آڤري،» أردّ عليه، «كلّ اللي طلبته هو وردة، أنا مش فايت معك أسكّر ع صفقة مخدّرات مع محامي بتشوفه أوّل مرّة بحياتك.»

«بس هاي مش صفقة،» يجيبني آڤري، «حياللّه واحد طلب منّي ومنّك نزوره بداره علشان نتخرّف. لو قال إشي معجبناش بنحمل حالنا دغري وبنقدح. بجميع الأحوال مفش صفقات اليوم، معيش ولا شيكل. مكسيموم بنفتحلنا باب.»

لم أكن مطمئنًّا للفكرة وقد تردّدتُ ليس لظنّي أنّ في الأمر مجازفة خطرة بل لأنّني أخشى التّعرّض لجوّ منفر. لستُ مدرّبًا على التّعامل مع حالات النّفور. أثناء الجلوس في بيوت لا أعرفها عند أناس لا أعرفهم بينما تكتسي الجوّ قسوة ما. تؤرقني هذه الأجواء. «بعدين معك،» يقول آڤري، «إنت اطلع وبعد دقيقتين مثّل إنه وصلتك هوداعاه[10] وإنك مضطر تروح. تتمنيكش معي، طلب مني نيجي اثنين ففوت معي علشان مأطلعش تَنْبَل وبتقدح بعد دقيقة.» لم تنضج الفكرة في ذهني بعد ولم أقتنع، ولكن سيكون من الصّعب عليّ النّفاذ منها دون أن أبدو مَنْيَكًا بعد ما قاله آڤري للتوّ.

اسم عائلة المحامي المذكور قورمان، أو على الأقلّ هذا ما كُتب على الباب. وقد بدا لي قورمان هذا رجلًا مقبولًا. يعرض علينا أن نحتسي الكولا وقد ألقى في كلّ كأس شريحة ليمون وثلج  كما لو كنّا في لوبي فندق راقٍ. وشقّته لا بأس بها: يغمرها ضوء النّهار وتفوح فيها رائحة زكيّة. «شوفو،» يقول قورمان، «بعد ساعة من الآن عليّ المثول لأرافع جلسة في المحكمة اللّوائيّة. لائحة اتّهام في ملفّ مدنيّ ضدّ سائق ضرب وهرب طفلة عمرها عشر سنوات. قعد في السّجن بالكاد سنة واحدة، والآن أترافع عن أهل الطّفلة الذين يقاضونه من أجل تعويض بمقدار مليونَيّ شيكل. هذا الشّوفير الذي دهسها عربيّ بس من عائلة ثريّة.»

«-والله!،» يردّ آڤري، متظاهرًا أنّه فهم ما قاله قورمان للتّوّ. «بس إحنا هون علشان خرفيّة ثانية، إحنا أصحاب تينا وجينا أصلًا علشان الغراس.» «آه مهو نفس الموضوع،» يقول قورمان وقد نفذ صبره، «لو بتعطيني أخلّص الحكي بس علشان تفهم. سيحضر الجلسة أقارب السّائق، وعددهم وفير، ليساندوه. بينما من طرف البنت الميّتة لن يتواجد في القاعة سوى والديها، سيجلسان هناك صامتين مطأطئي الرّأس ولن يهمسا بحرف واحد.» تمتم آڤري وأردف التّمتمة بصمت، فهو لا يعرف حتّى اللّحظة ما يجري من حوله ويتجنب إغاظة قورمان. «أريد أن تذهب أنتَ ورفيقك هذا إلى الجلسة وأن تلعبا دور أقارب الطفلة وأن تفتعلا فوضى. ضجّة. اصرخا في وجه المتّهم أنّه قاتل. اذرفا الدّموع، ألقوا بعض الشّتائم، ولكن إياكما أن تتفوها بألفاظ عنصريّة، استخدموا عبارات حيادية مثل «حقير» وهيك. باختصار، أثبتوا حضوركم. أشعروا الحضور في القاعة أنّ في هذا البلد من يعتقد أنّ عقوبته زهيدة. قد تبدو لكما المسألة في غاية السّخف، لكن هذه الأمور تترك أثرًا في نفوس القضاة؛ تزعزعهم، لا بل تستخرج كرات النفتالين من القوانين البالية المتيبّسة، وتخدش بها العالم الحقيقيّ.»

«بس شو مع الأخضر…» يحاول آڤري.

«جاييك بالحكي،» يقاطعه قورمان. «أعطوني من وقتكم نصف الساعة المذكورة خلال الجلسة، وسأجلب لكلّ واحد منكما عشرة جرامات. ولو عليت صرخاتكما بما يكفي، سأجعلها 15. ماذا تقولان؟»

«كلّ اللّي بدي إيّاه هو جرام واحد.» أردّ عليه، «شو رايك تبيعني، وتزبّط باقي أمورك مع آڤري…؟» «بَيْع؟» يضحك قورمان، «من أجل النّقود؟ شو شايفني، تاجر مخدّرات؟ كلّ ما أفعله هو أن أُهدي أصدقائي كيسًا هنا أو هناك.»

«طيّب أعطيني هديّة،» أقول مترجيًّا. «كلّه جرام واحد بس.»

«شو قلت أنا من شوي؟» يبتسم قورمان ابتسامة جافة، «سأعطيك، بس قبل ذلك، أثبت لي أنّك فعلًا صديق.»

لو لم يكن الأمر متعلقًا بآڤري لما وافقت، لقد كرّر على مسامعي كلّ الوقت أنّ هذه فرصتنا وأنّ ما سنقوم به لن يعرّضنا للخطر ولن نقترف جرمًا بفعله. تدخين الأخضر مخالفة  حسب القانون في حين  أنّ الصراخ  على عربيّ دَهَسَ طفلة — ليس عملًا مشروعًا في القانون فقط بل تصرّف محبّذ بامتياز. «شو بيعرفك،» يقول لي، «لو بقى تلفزيونات في القاعة، يمكن نطلع بالأخبار.» «بس ليش لازم نعمل حالنا من عيلة البنت؟» أُصرّ على الجدال، «أهلها بيعرفو أصلًا إنّا مش قرايب.» «مقالش إنّه نقول إنّه إحنا قرايبها،» يرد آڤري مدافعًا عن قورمان، «طلب منّا نصيّح. ولو حدا سألنا بنقول حيالله شفنا الخبر بالجريدة وإنه إحنا جماعة عنّا همّة وضمير.» تدور هذه المحادثة في قاعة الاستقبال في المحكمة. وعلى الرّغم من أنّ الشّمس مشرقة في الخارج، العتمة تكتسي ما في الدّاخل وكلّ شيء يبثّ رائحة المجاري والطّحالب. وعلى الرّغم من أنّني أجادل آڤري، من الواضح لكلينا أنّني موجود معه داخل قاعة المحكمة. لو لم أكن موافقًا قطّ على الانضمام، لما صعدتُ على الطُّزْطُز مع آڤري ورافقته إلى هنا. «تقلقش،» يقول لي، «بَصيّح عنّا الاثنين. تساوّيش إشي إنتِ، إنتِ مثّل إنّك صاحبي اللي بيهدّي فيّي. بس فرجيهم إنّك معي.»

السّبب الذي دفع آڤري للتّنازل عن صراخي هو اِلتمام ما يقارب الخمسين فردًا من أبناء عمّ وخال السّائق وأقاربه في قاعة الاستقبال. بدا السّائق شابًّا مكتنز البدن، يتحدّث مع جميع الوافدين،الكل يتبادلون قُبَل التّحيّة، كما لو أن المشهد في عرس. على مقعد المدّعي وبجوار قورمان ومحامٍ شابّ ذي لحية جَلَسَ والدا الطّفلة. لا تبدو  عليهما أجواء عرس بل يغلب على ملامحهما الإنهاك. الأمّ في الخمسين من عمرها أو أكثر، وهي صغيرة بحجم صوص، شعرها رماديّ اللّون ومقلّم وتبدو في حالة عصبيّة قصوى. بينما يجلس الأب بجانبها  مغمض العَيْنَيْن، يفتحهما بإيقاع دوريّ ثمّ يغمضهما بعد هنيهة. تبدأ الجلسة. يبدو أن نقاش اليوم هو خاتمة لجلسات سابقة وكل ما قُدّم يسرد تفاصيل إجرائيّة مجتزأة أو أمورًا تقنيّة. تمتم المحامون ببضعة بنود قانونية ونصوص قضائيّة. أُجرّب أن أتخيّل نفسي برفقة شيكماه في القاعة هنا، بعد أن دُهست ابنتنا. نبدو في ذهني محطّمَيْن، ولكن نساند بعضنا على اجتياز المحنة، وتهمس في أذني، «بدي الخرا هاظ يدفع الجَزا.» لا يكيّفني أن يختلق خيالي هذا المشهد فأتوقّف عن ذلك وأنتقل إلى خيال آخر حيث كلانا في شقّتي، ندخّن شيئًا ما ونشاهد فيلمًا عن الحيوانات على ناشونال جيوغرافيك والتّلفاز بوضع صامت. وفي لحظة ما ننغمس في تبادل القُبَل فجأة، وعندما تلتصق بي أثناء تقبيلي أشعر بصدرها ينمعس فوق صدري… «يا كلب،» ينتصب آڤري في القاعة وينطلق في الصّراخ، «على شو بتتبسّم؟ قتلتْ طفلة. قاعد بتتبسّملي؟ عيب!» يتّجه بعض أفراد عائلة السّائق نحونا بينما أقف وأتظاهر بمحاولة تهدئة آڤري. في الحقيقة، أحاول تهدئة آڤري عن جدّ.

يطرق القاضي بالمطرقة ويطلب من آڤري الانضباط. ويهدّده أنّه لو لم يتوقّف عن الصّراخ سيقوم عناصر الشرطة القضائية بطرده من المحكمة بالقوة، وقد يبدو هذا أقلّ وطأة وأكثر طراوة من التّعامل مع كلّ أقارب هذا السّائق، حيث يقف بعضهم قبالتي على بعد ملمتر واحد عن وجهي يسبّون آڤري ويدفشونه بقوّة. «مخرّب،» يصرخ آڤري، «بتستاهل إعدام.» ليس عندي أيّ فكرة لماذا تفوّه بذلك. يلكمه أحدهم، رجل بشارب ضخم، وأحاول أنا أن أعزل بينه وبين آڤري فأتلقّى ضربة على وجهي . يجرّ حرّاس المحكمة آڤري ويلقون به إلى الخارج. وفي الطّريق يتابع الزّعيق، «قتلتْ طفلة صغيرة. قطفت زهرة. يا ريت يقتلولك بنتك.» وبينما يتفوّه بهذا أكون أنا على الأرض جالسًا على أطرافي الأربعة. يسيل الدّم من أنفي أو من جبيني، لا أدري من أين بالضّبط ولكنّني أنزف. وفي اللّحظة التي يتمنّى فيها آڤري الموت لابنة السّائق، يركلني أحدهم ركلة مرتّبة في ضلوعي.

عند وصولنا إلى بيت قورمان يخرج كيسًا من البازلاء المفرّزة ويرشدني أن أضغط بقوّة. لا يوجّه آڤري لي أو له أيّ كلام، يستفسر عن الأخضر فقط. «لماذا وصفته بالمخرّب؟» يسأل قورمان، «طلبتُ منكما بوضوح قبل ذهابنا ألا تتطرّقا إلى كونه عربيّا.» «مخرّب مش كلمة عنصريّة،» يقول آڤري مدافعًا عن نفسه. «هي كلمة زي قاتل. حتّى التّنظيم اليهوديّ السّريّ[11] فيه مخرّبين.» لا يردّ قورمان، ويتجه نحو الحمام ويعود حاملًا كيسين بلاستيكيين صغيرَيْن. يمد لي أحدهما، ويقذف بالكيس الآخر نحو آڤري، فيلتقطه بصعوبة. «في كلّ منها عشرين جرام،» يقول لي بينما يفتح باب الشقة، «بتقدر توخذ كيس البازيلا معك.»

     في صباح اليوم التالي في المقهى تسألني شيكماه عما  حصل لوجهي. أقول لها إنّني تعرّضتُ لحادثة، ففي زيارة لصديق متزوج تعثّرتُ بإحدى ألعاب ولده الملقاة في غرفة الجلوس فانزلقت. «وأنا فكرتْ إنّك بتفوت بطوشات علشان بنت،» تضحك شيكماه وتقدم لي فنجان الإسبرسو، «برضه ممكن.» أحاول أن أبادلها الابتسام. «لو رافقتيني كفاية وقت بتشوفيني بوكل ضرب علشان بنات وأصحاب وبْساس. بس دايمًا بوكل ضرب، ولا مرة بضرب.» «إنت زي أخوي،» تتابع شيكماه ضحكها، «من هذول اللي بيجربو يفزعو فبيوكلو ضرب.» أتحسّس كيس النايلون وفيه عشرين جراما من الأخضر في جيب معطفي، وبدلًا من الإصغاء إليها أسألها لو شاهدتْ ذاك الفيلم عن رائدة الفضاء التي تَعَرَّضَ قمرها الصناعي لانفجار، فوقعت حبيسة في الفضاء بصحبة جورج كلوني. فتجيب بـ «لا» وتسأل كيف يتصّل هذا الموضوع بموضوع حديثنا الجاري. «مدخلوش،» أُجيبها معترفًا، «بس شكله إشي جامد. ثري-دي مع نظّارات وهيك. تيجي معي؟» تسري لحظة صمت وأعرف أن ما سيليها هو ال- «نعم» أو ال- «لا». وبينما تأتيني الإجابة تعاود ذهني تلك الصورة. شيكماه تبكي. كلانا في المحكمة، نمسك الأيادي. أجرب أن أبدّل القناة في المخيال عندي، أن أنتقل إلى الصورة الثانية، حيث نتبادل القبل على الكنبة المهترئة في غرفة الجلوس عندي. أحاول وأفشل. إذ ترسخت تلك الصورة عميقًا في مخيلتي.

***

*زهرة القلب الطّيّب هو عنوان قصّة أطفال شعبيّة صدرت بالعبريّة في العام 1930.
** إيتجار كيريت (مواليد تل أبيب، 1967) هو كاتب قصّة قصيرة، وكاتب قصص مصوّرة، وكاتب سيناريو.  يمزج العبريّة المحكيّة في قصصه التي تمتاز بالخفّة اللّاذعة. تُرجمت مجموعاته القصصيّة إلى أكثر من 32 لغة، وقد حُوّل بعضها إلى أفلام قصيرة وأفلام روائيّة من بينها (Wristcutters: A Love Story (USA, 2006.

[1] معنى الاسم: جمّيزة، وهي شجرة ذُكرت في التّوراه.

[2]  أي: صراحة فجّة.

[3] أي: القنب أو المرحوانا، ويُعرف بالـ غْراس بين متحدثي العبريّة أو الويد (العشب) بالإنجليزية.

[4] الوضع ناشف: في العام 2010، شهد سوق المخدّرات في إسرائيل جفافًا في تزويد الحشيش والقنب الطّاهر [نفس الشيء؟] وارتفاعًا في الأسعار، عُرفت الأزمة بـ «جفاف 2010».

[5] يعود أصل الكلمة إلى الفارسية “بالاخانه” وتعني في العبرية المحكية “فوضى”، وهي إحدى الكلمات العبرية الدخيلة المستخدمة بين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

[6] معزقة؛ أحد أنواع المعاول.

[7] مخدر أعشاب زائفة.

[8] أي حكاية.

[9] أي سْكوتر، دراجة نارية تمتاز بسهولة استخدامها.

[10] رسالة نصيّة قصيرة، كلمة عبريّة شائعة بين الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر.

[11]حركة من الإرهابيّين نشطت في ثمانينات القرن الماضي، انتمى معظم أعضائها لحركة غوش إيمونيم ومنظّمات استيطانيّة.

اعلان