«أكبر موازنة في تاريخ مصر».. ضرائب أكثر على الأقل دخلًا
 
 

في الفترة من إبريل إلى يونيو من كل عام أنت على موعد مع «أضخم موازنة في تاريخ مصر» أو «أكبر موازنة في التاريخ الحديث» وربما «موازنة تاريخية».

أوشكت تلك الفترة على الانتهاء. فخلال أيام، من المنتظر أن يصوت البرلمان على مشروع موازنة العام المالي 2019/2020 الذي يبدأ في أول يوليو المقبل، بعد مناقشات استخدمت فيها الحكومة هذه التعبيرات الفخمة، في استعراض سياسي للإشارة إلى نمو ضلعي الموازنة الرئيسيين «الإيرادات» و«المصروفات».

ولكن ربما يكون الأهم من التوقف عند مدى نمو ضلعي الموازنة في المطلق، معرفة من يمول هذه الإيرادات التي تزيد كل عام، والتي تستخدم في تغطية النفقات الحكومية.

يشير البيان المالي لمشروع موازنة العام المقبل إلى أن الفئات محدودة ومتوسطة الدخل مصادر رئيسية لتمويل الموازنة من خلال ما تدفعه من ضرائب.

كيف يحدث ذلك؟

وفقًا لمشروع الموازنة، تمثل الضرائب بمختلف أنواعها نحو 75.5% من إجمالي الإيرادات العامة في العام المالي المقبل.

وتنقسم الضرائب في الموازنة العامة للدولة إلى نوعين رئيسيين: ضرائب مباشرة وضرائب غير مباشرة.

الضرائب المباشرة هي التي يدفعها ممول الضريبة بشكل مباشر للخزانة العامة، وأهم صورها الضريبة على الدخل. وتطبق الضريبة على الدخل على الرواتب، وعلى دخول الأفراد من الأنشطة التجارية والصناعية مثل أصحاب المحال التجارية والورش وغيرها، وعلى أصحاب المهن الحرة كعيادات الأطباء ومكاتب المحامين ومكاتب المحاسبين والمهندسين.

أيضًا، تعد الضرائب على أرباح الشركات بمختلف أنواعها من الضرائب المباشرة على الدخل، تدفعها الشركات عن الدخل المتحقق لديها سنويًا مباشرة لخزينة الدولة.

أما الضرائب غير المباشرة فهي التي تفرض على السلع والخدمات المختلفة؛ مستوردة كانت أو محلية، وقت الحصول عليها، وأهمها الضريبة على القيمة المضافة التي يتم تحصيلها بنسبة 14% من قيمة السلعة أو الخدمة التي يحصل عليها المستهلك.

تستهدف الحكومة تحقيق إيرادات ضريبية بقيمة 856.6 مليار جنيه في العام الجديد، بزيادة نحو 96 مليار جنيه عن المتوقع تحقيقه للعام المالي الحالي، ويأتي ما يقرب من نصف هذه الزيادة من الضرائب على الاستهلاك (ضريبة القيمة المضافة)، بينما يتوزع النصف الآخر على باقي البنود، كما يظهر من الشكل التالي.

قراءة أرقام الضريبة على الدخل بمشروع الموازنة الجديدة، تكشف مساهمة الضرائب على الدخل من التوظف (بند المرتبات) بنحو 61.5 مليار جنيه، تمثل 21% من إجمالي الضرائب على الدخول، التي تبلغ قيمتها 291 مليار جنيه، وبزيادة تبلغ نحو ثمانية مليارات جنيه عن المتوقع للعام المالي الجاري عند انتهائه وإصدار حسابه الختامي.

تأتي هذه الزيادة في الغالب بسبب قرار رفع الحد الأدني للأجور إلى 2000 جنيه بدلًا من 1200 جنيه، الذي أُعلن عنه قبيل التعديلات الدستورية التي أجريت في إبريل الماضي. المفارقة أن رفع الحد الأدنى للأجور، الذي كلف الموازنة مصروفات بنحو 30 مليار جنيه، بهدف زيادة أجور الموظفين، سوف تسترد الدولة أكثر من ربع تكلفته كإيرادات ضريبية سيتم تحصيلها من نفس الموظفين.

وبالرغم من ارتفاع دخول أصحاب الأنشطة التجارية والصناعية، وكذلك أصحاب المهن الحرة، إلا أن مقارنة المساهمة الضريبية لهذه الفئات بالموظفين وأصحاب الدخول الثابتة تؤكد أن العبء الأكبر في تمويل إيرادات الدولة من الضرائب على الدخول يقع على محدودي الدخل، حيث لا تتجاوز مساهمة أصحاب المهن الحرة غير التجارية (كعيادات الأطباء، ومكاتب المهندسين، والمحامين …) نسبة 1.3% من إجمالي الحصيلة المستهدفة للضرائب على الدخول، بقيمة 3.7 مليار جنيه. في حين بلغت الضريبة على دخول أصحاب الأنشطة التجارية والصناعية نحو 33.8 مليار جنيه تمثل نحو 11.6% من إجمالي ضريبة الدخل.

وبحسب ما يقره مصطفى عبد القادر، الرئيس الأسبق لمصلحة الضرائب، في ورقة بحثية صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان «إصلاح السياسة الضريبية في مصر»، يقع العبء الضريبي على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة بشكل أعلى من أصحاب الدخول المرتفعة بسبب ثبات حد الإعفاء الضريبي (الذي يعفي الواقعين تحته من الضرائب) بغض النظر عن الحالة الاجتماعية أو معدلات التضخم وعدم ملاءمة الشريحة المعفاة للحد الأدنى للأجور. بمعنى آخر، رقم الدخل الذي قررت الدولة إعفاء المواطنين ضريبيًا عنده لا يراعي إذا ما كان صاحب الدخل متزوجًا أو غير متزوج أو لديه أطفال، أو لا يعول من أساسه. ويبلغ حد الإعفاء الضريبي ثمانية آلاف جنيه سنويًا، بما يعادل 666 جنيه شهريًا.

وبينما تبحث الحكومة في جيوب الموظفين لزيادة إيراداتها لا تلتفت بالقدر الكافي إلى الضرائب على الممتلكات لتعظيم الحصيلة وتحقيق العدالة الضريبية في نفس الوقت. فنجد مشروع الموازنة الجديدة يستهدف تحصيل ضريبة على المباني (الضريبة العقارية) قيمتها 6.7 مليار جنيه بزيادة تقدر بنحو 1.5 مليار جنيه عن موازنة العام المالي الجاري.

وبالرغم من زيادة الحصيلة المستهدفة من الضريبة العقارية، أو المتحققة خلال السنوات الأخيرة، فإنها تبدو هزيلة للغاية إذا ما قورنت بحجم الثروة العقارية في مصر، والتي تقدر بأكثر من 100 تريليون جنيه، وفقًا لتصريحات عبلة عبد اللطيف، رئيس المجلس الاستشاري للتنمية الاقتصادية التابع لرئاسة الجمهورية.

وكما لا تولي وزارة المالية اهتمامًا للضريبة العقارية؛ رغم أنها أحد أنواع الضرائب على الثروة التي تحقق نوعًا من العدالة الضريبية، تهمل أيضًا ضريبة الأراضي كأحد أنواع ضرائب الثروة، حيث تتراجع مستهدفات ضريبة الممتلكات من الأراضي بمشروع الموازنة الجديدة بواقع 180 مليون جنيه مقارنة بالعام الجاري، حيث بلغت 100 مليون جنيه فقط.

واستكمالًا لأرقام الضرائب على الممتلكات يحمل مشروع موازنة العام الجديد مفاجأة من العيار الثقيل في البند الخاص بالعوائد على أذون الخزانة والسندات (أوراق مالية تصدرها الحكومة وتقترض من خلالها)، حيث سجل المستهدف من هذا البند 51.5 مليار جنيه، متراجعًا بنحو 59.5 مليار جنيه عن الحصيلة المتوقعة للعام المالي الجاري، وهو الأمر الذي يخالف جميع التوقعات التي رجحت زيادة الحصيلة من هذا البند بعد التعديلات التي أجرتها وزارة المالية في فبراير الماضي على بعض مواد القانون رقم 91 لسنة 2005 للضريبة على الدخل.

بمقتضى هذه التعديلات التي صدق عليها رئيس الجمهورية، تم تغيير طريقة حساب الضريبة على استثمارات البنوك في تلك الأوراق المالية، من خلال فصل الوعاء الضريبي على تلك الاستثمارات عن باقي الأنشطة الاستثمارية الأخرى للبنوك، ومحاسبته بسعر ضريبة 20%. وكان رجب محروس، مدير عام المكتب الفني بقطاع البحوث بمصلحة الضرائب، قد قال في تصريحات سابقة لـ«مدى مصر» أنه من المتوقع أن تؤدي التعديلات إلى زيادة الحصيلة من هذا البند بنحو 10 مليارات جنيه.

نموذج آخر لغياب العدالة في توزيع الأعباء الضريبية في موازنة العام الجديد يظهر بقوة في الضريبة على القيمة المضافة، التي تنمو حصيلتها بشكل متواصل في الموازنات المتتابعة دون الالتفات إلى أنها تُمول بدرجة كبيرة من جيوب الفئات الأقل دخلًا، لأن هذه الفئات تصرف دخلها المحدود بالكامل على الاستهلاك. ووفقًا لمشروع الموازنة الجديدة بلغت تقديرات هذه الضريبة نحو 364.6 مليار جنيه، تمثل وحدها نحو 42.6% من إجمالي الإيرادات الضريبية، بزيادة 52 مليار عن الحصيلة المتوقعة للعام الحالي.

غياب العدالة عن ضريبة القيمة المضافة، وتحمل محدودي الدخل النسبة الأكبر من عبئها نابع من قاعدة استهلاكية، تؤكدها ورقة بحثية صادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقول إن «ضريبة القيمة المضافة تضر أصحاب الدخول الأدنى بشكل أساسي لأنهم الفئة التي تنفق الحصة الأكبر من دخولها الضئيلة، وفي بعض الأحيان تنفق أكثر مما تكسب لإشباع الاحتياجات الأساسية، وتدخر الجزء الأقل إن ادخرت على الإطلاق، في حين أنه كلما زاد الدخل زاد نصيب الادخار وقل نصيب الإنفاق. وتطبق ضرائب المبيعات والقيمة المضافة فقط على الجزء الذي يتم إنفاقه من الدخل، بعكس ضريبة الدخل التي تحسب على إجمالي الدخل بغض النظر عن طرق إنفاقه أو ادخاره. وهكذا، بحساب ضريبة الاستهلاك كنسبة من الدخول تكون ضريبة شديدة التراجعية بحيث أنه كلما قل دخل الفرد زادت نسبة ما يذهب من دخله كضريبة».

وهكذا، يمول الموظفون والموظفات والمستهلكون والمستهلكات إيرادات الدولة من الضرائب بشكل لا يضاهيه صاحب المحل التجاري والطبيبة صاحبة العيادة وصاحب الأرض أو العقار، والبنك الذي يقرض الدولة.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل