خلجنة البريميرليج ونهاية كرة القدم كما نعرفها

«أيها القمر الأزرق.. لقد رأيتني أقف وحيدًا.. بلا حلم أملكه.. بلا حب يخصني» – هتاف قديم لجماهير مانشستر سيتي.

«Blue Moon.. You saw me standing alone.. without a dream in m heart.. without a love of my own»

مقدمة في الاستثمار

أعظم شيء في العالم هو أن تملك الكثير من الأموال، الكثير جدًا، وتكون في طريقك لإنفاقها كلها دون خطة محددة لاسترجاعها، ببساطة لأنك لا تحتاج لاسترجاعها. ثاني أعظم شيء في العالم أن تجد من يصف ذلك بالاستثمار.

مثلًا، عندما رحل نيمار إلى باريس، كان هناك من يستعد لتبرير إنفاق حوالي نصف مليار يورو على لاعب واحد في 5 سنوات بالاستثمار، بل إن بعض التحليلات محلية الصنع جزمت بذلك فعلًا. لماذا؟ لأنه لا يوجد عاقل سيضحي بمبلغ كهذا دون أن يكون له عائد محدد مضمون.

المشكلة هنا ليست في وجود العائد بل في ماهيته، يعني أغلب أندية الكرة التي يقودها مستثمرون حقيقيون فعلًا تُفضل المال نفسه كعائد محتمل.

اﻷمريكي ستان كرونكي، مالك أرسنال، مثلًا تبلغ ثروته 9 مليارات دولار تقريبًا، وهو مبلغ يفوق مجموع ثروة جون هنري، مالك ليفربول، وعائلة الجليزرز، ملاك مانشستر يونايتد، مجتمعين، ولكن الرجل لا يضع مليمًا في النادي من جيبه الخاص، بل إنه يستحوذ على جزء لا بأس به من عوائده السنوية، مع العلم أن أرسنال هو النادي الأكثر ربحًا من تذاكر المباريات في الكوكب بحوالي 135 مليون يورو سنويًا، ومثلها تقريبًا من حقوق البث. هذا مثال فاشل جدًا كرويًا ولكنه ناجح جدًا على مستوى الاستثمار.

حالة أخرى سنحتاجها لاحقًا هي عملية استحواذ الجليزرز على مانشستر يونايتد، والتي يمكن وصفها بالتمويل الطفيلي Parasite Funding.

القصة باختصار أن عائلة الجليزرز تملك الكثير من الأصول والأموال، وفي الفترة ما بين 2003 و2005 قاموا بزيادة حصتهم من أسهم مانشستر يونايتد من 3% إلى 98%. من أين أتت الأموال؟ بشكل أساسي من قروض حصل عليها الجليزرز بضمان ممتلكاتهم الفعلية، وقروض أخرى بضمان حصتهم في مانشستر يونايتد نفسها.

السؤال التالي؛ كيف تمكنوا من دفع أقساط هذه القروض؟ هذا هو أبسط جزء في العملية كلها وأكثرها إبهارًا، من أرباح مانشستر يونايتد نفسه! وبحلول عام 2012، كانوا قد تمكنوا من إخراج حوالي 500 مليون باوند من خزائن النادي إلى حسابات البنوك، توزعت ما بين أقساط القروض وفوائدها، مع العلم أن عملية الاستحواذ كلها قد كلفتهم 800 مليون باوند.

النتيجة؛ بعد عدة سنوات، وعندما تنتهي كل هذه الأقساط يكون الجليزرز قد امتلكوا نادي هو الأقيم في العالم حاليًا طبقًا لفوربز بـ 3.8 مليار دولار، دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا من جيوبهم الخاصة. ماذا يحدث بعدها؟ يبيعونه لأول مشترٍ آتٍ، بما يفوق 4 مليارات باوند، وهو ربح لا بأس به أبدًا خلال 15 عامًا.

الآن، قارن ذلك بما يحدث في التجارب الخليجية. في سبتمبر الماضي مثلًا كشف سيتي أن مجموع ما أنفقه الشيخ منصور بن زايد على النادي منذ 2008، يصل إلى مليار ونصف باوند تقريبًا، وفي هذه الفترة لم يتجاوز أعلى ربح سنوي حققه النادي حاجز الملايين العشرة، وهو تقريبًا عكس ما فعله الجليزرز على الجانب الأحمر من المدينة بعد أن نجحوا في اقتطاع مليار باوند كاملة من أرباح النادي لتمويل عملية استحواذهم الطفيلية، وهذا كله يخبرك عن مدى سذاجة وصف ما يحدث في سيتي أو باريس بالاستثمار. مع التأكيد على اختلاف المثالين في كثير من التفاصيل المحورية، إلا أن المشترك بينهما أن ما تم إنفاقه يفوق قدرة النادي وأرباحه لا بعدة ملايين بل بعدة أضعاف.

مؤخرة في السياسة

طبعًا أنت تمتلك فكرة ما عن الصراع الحاصل في الخليج حاليًا، حتى لو كانت سطحية فستكفي في هذا السياق. ما يعنينا أن الجميع يحاول تقديم نفسه كلاعب مهم في المنطقة من خلال معسكرين رئيسيين. هذه دول تحاول التغلب على تاريخ طويل من الإحساس بالدونية تجاه المستعمر القديم، بالإضافة إلى تاريخ حديث من انتهاكات حقوق الإنسان ما زال مستمرًا حتى اللحظة، وهذه التجارب الكروية الباهظة ليست إلا جزءًا من هذه المحاولات. للتبسيط، يمكنك أن تعتبرها بمثابة إعلانات ممولة لدول المنطقة، فقط هي تكلف المليارات.

حتى هذه اللحظة فإن قطر تقود السباق بنجاحها في الحصول على تنظيم مونديال 2022، وهذا الأمر يغضب باقي دول المنطقة لدرجة تصريح ضاحي خلفان، رئيس شرطة دبي سابقًا، بأن الأزمة ستنتهي بمجرد إعلان قطر تنازلها عن تنظيم كأس العالم، وبعض التحليلات القائمة على تسريبات ويكيليكس تزعم أن الخيار الثاني هو المشاركة في تنظيم البطولة مع الدول المجاورة وتقسيم الكعكة على الجميع، ببساطة لأنها فرصة لا تعوض لمحو الصورة السائدة عن المنطقة، وإخبار العالم عن روعة الخليج وتقدمه وتطوره واستعداد دوله المختلفة لآداء أدوار محورية مستقبلًا.

بالطبع لا يفوتك أن مجموعات الضغط الإعلامي والسياسي المنتمية لمعسكر الإمارات والسعودية هي من حاول إجبار انفانتينو على توسيع النسخة القادمة إلى 48 منتخب بدلًا من 32، لتعجيز قطر عن تنظيم مونديال بهذا الحجم والباقي مفهوم بالبديهة، بالإضافة طبعًا إلى محاولات أخرى، مثل التلاعب بالعملة القطرية في السوق بشكل يثير الشكوك حول استعدادها الاقتصادي لاستقبال بطولة بهذا الحجم.

لماذا أخبرناك بهذه القصة المملة؟ لأنه إن كانت هناك كعكة تنافس كأس العالم في الحجم فهي البريميرليج. نحن نتحدث عن البطولة التي تمتلك ثالث أعلى حقوق بث في تاريخ الرياضة، بعد دوريات الهوكي والسلة الأمريكية، ومليارديرات الخليج المنتمين للأسر المالكة قرروا أنها ستكون الساحة الأفضل لإعلاناتهم الممولة، لأنه على الرغم من كونها الثالثة في قيمة عقود البث، وبفارق لا بأس به عن الثاني والأول، إلا أنها تفوقهم بسنين ضوئية في عدد المشاهدين السنوي المقدر بـ 4.7 مليار شخص، أي ثلثي تعداد الكرة الأرضية تقريبًا.

الآن يحتوي جدول البريميرليج على «إعلان ممول» واحد هو مانشستر سيتي لصاحبه منصور بن زايد، وخلال الأسبوع الماضي نجح ابن عمه في الاستحواذ على نيوكاسل بحوالي 350 مليون باوند، بعد محاولة فاشلة لتملّك ليفربول العام الماضي مقابل 2 مليار باوند. في ذات الوقت الذي يحاول فيه ناصر الخليفي -مالك باريس سان جيرمان، ورئيس مجموعة beIn- شراء ليدز يونايتد في إنجلترا وفيورنتينا في إيطاليا، مع وعود تتنوع ما بين جلب لاعبين مثل مبابي والإبقاء على نجوم صاعدين مثل كِييزا.

أضف لما سبق الأزمة الأخيرة بين روسيا وإنجلترا، والتي أثرت بشكل مباشر على الحركة في سوق اللعبة بعد تجميد عمل الجوازات الدبلوماسية داخل البلاد، والتي يحملها أمثال أليشير عثمانوف الذي كان صاحب أكبر حصة في أرسنال بعد كرونكي، ورومان أبراموفيتش مالك تشيلسي، ما أجبر الأول على بيع أسهمه في أرسنال، وقاد الثاني للبحث عن مشتري لتشيلسي يُمكّنه من تصفية أعماله في لندن بعد أن أصبح وضعه حساسًا لقربه من بوتين والإدارة الروسية، وكل هذا يخبرك أن عدد «الإعلانات الخليجية الممولة» في إنجلترا قد يرتفع إلى 5 خلال الأعوام القليلة القادمة، هذا إن لم تقرر السعودية الدخول على الخط.

حقائق ملعوب فيها

ما يعنينا في كل ذلك ليس كم الأموال التي تدخل اللعبة سنويًا من جيوب الخليج، بل حقيقة أن هذه الأموال ليست معنية لا بالرياضة ولا بالاستثمار، لا تهتم بحسابات الأرباح وكون الأندية تخسر أو تكسب، وبإمكانها التحايل على قوانين اللعب النظيف عن طريق التربيطات والاتفاقات مع المسؤولين التنفيذيين للعبة، كما كشف فريق تحقيقات دير شبيجل مؤخرًا. الأمر كله أشبه بطباعة المال دون غطاء نقدي حقيقي، والنتيجة الطبيعية هي تضخم يستحيل عكس أثره مستقبلًا.

على سبيل المثال، طيلة السنوات الماضية كان بايرن ميونيخ أحد أندية أوروبا القليلة التي ليست مدينة للبنوك بأي مبالغ، والنادي الكبير الوحيد في القارة بهذه الوضعية تقريبًا، وكان ثمن أغلى لاعبيهم لا يتجاوز 36 مليون باوند (خافي مارتينيث من أتلتيك بلباو في 2012)، ولكنهم اضطروا مؤخرًا لنسف سياسة الإنفاق المتبعة لعقود.

بعد أن كُسر هذا الرقم بفارق بسيط منذ عامين (توليسو من ليون بـ37 مليون باوند)، تم التعاقد هذا العام مع لوكاس هيرنانديث من أتليتكو مدريد مقابل ضعف هذا الرقم تقريبًا (72 مليون باوند)، وهناك أخبار مؤكدة عن رغبة رئيس النادي في كسره مجددًا بجلب ساني من مانشستر سيتي مقابل 80 مليون أخرى، بالإضافة لدخول بايرن في المنافسة على رودري، إرتكاز الأتليتي أيضًا والذي يبلغ شرطه الجزائي 70 مليون يورو، أي أنه قد ينهي الصيف بتعاقدات إجمالية تبلغ 250 مليون باوند على الأقل، من دون حساب الرواتب والمكافآت، ومع العلم أن الفريق ما زال بحاجة للاعبين أو ثلاثة إضافيين سيكلفون خزائنه مبلغ مقارب في الصيف المقبل. لكي تدرك مدى فداحة الرقم فهو ذات المبلغ الذي أنفقه النادي خلال آخر أربعة مواسم مجتمعة!

نصف الحقيقة قد تكون أكثر تضليلًا من الكذبة، وكل ما قاله خلدون المبارك رئيس مانشستر سيتي في حواره مع جارديان منذ أيام يمكن وضعه تحت هذا العنوان. الرجل سُئل صراحة عن تصريحات خافيير تيباس، رئيس الليجا السابق، الأخيرة، والتي قال فيها إن أموال البترول والغاز الخليجية تعبث بأسعار اللاعبين، ومن ثم، استقرار سوق اللعبة، وما تلا هذا السؤال على لسان المبارك يوضح لماذا تم تعيينه دونًا عن غيره في هذا المنصب.

الرجل قال إن خلفية تيباس وانحيازاته تجبرنا على ألا نتعامل مع أي شيء يقوله بجدية، ثم تابع حديثه عن زمن الأرقام القياسية في صفقات اللاعبين والتي تسيدها ريال مدريد حتى وقت قريب ومن قبله أندية إيطاليا، ومن هنا فسّر تصريحات تيباس بحكم انتمائه المعلن للميرينجي، ثم نجح بذكاء شديد في تحويل دفة النقاش إلى قضيتين غاية في الحساسية، أولهما العنصرية البادية في تصريحات تيباس، وثانيهما هو ما أسماه بـ «الهجمة على البريميرليج»، والتي هي متوقعة من هذه الناحية على حد وصفه، ثم ختم كلامه بجملة ملحمية للغاية لدرجة أن عددًا من المشجعين الإنجليز أبدى اعجابهم بها في التعليقات، قائلًا إنه «لن يسمح باستخدام هذا النادي كوسيلة للإلهاء عن الاستثمارات السيئة التي قامت بها الأندية الأخرى».

«I will not accept for this club to be used as a diversionary tactic on poor investment decisions from other club»

مصنع الضحك

في حال لم تلاحظ، كان هذا درسًا مجانيًا في كيفية التلاعب بالحقائق، ما قاله الرجل يبدو واضحًا متماسكًا ولا غبار عليه، ولكن بمجرد تحليله يتضح التالي:

1- خافيير تيباس رجل هزلي تمامًا فعلًا، ولكن استخدامه لوصف «أموال البترول والغاز» تفسيره بسيط؛ عدد المليارديرات المتحمسين لشراء أندية كرة القدم حول العالم، والآتين من الخليج تحديدًا، لا يوجد له مثيل من أي منطقة أخرى. طبعًا ما حدث مع مانشستر سيتي لا يختلف كثيرًا عما حدث مع تشيلسي وأبراموفيتش بعد 2003. في الواقع، أول عشر سنوات من ولاية الروسي شهدت تحول النادي اللندني للأكثر إنفاقًا في العالم بحسابات صافي المبالغ المدفوعة في التعاقدات، متفوقًا على ريال مدريد نفسه في هذه الفترة، وهذا يوحي أن أزمة تيباس قد لا تكمن في أموال البترول بل جنسيته، ولكن التلميح العنصري، إن وُجد، لا ينفي الفكرة الأصلية، وهذا يقودنا للنقطة التالية.

2- من بين ما قاله، أكد خلدون المبارك أن أغلى حارس ومدافع ولاعب وسط ومهاجم لا يلعبون في مانشستر سيتي. هنا يبدأ الضحك، أولًا لأن مانشستر سيتي كسر الرقم القياسي لأغلى مدافع في التاريخ ثلاث مرات متوالية، وقبل أن يفعل ذلك كان باريس سان جيرمان يكسر الرقم القياسي لأغلى مدافع في التاريخ ثلاث مرات متوالية هو الآخر، وثانيًا، لأنه في لعبة ككرة القدم يُعد فيها المدافعون وحراس المرمى أقل اللاعبين سعرًا، فإن العبث في هذه المنطقة يؤدي بداهة إلى تضخم باقي الأسعار، وهو ما حدث لاحقًا مع فان دايك وأليسون وكيبا، ويحدث الآن مع كوليبالي ودي ليخت وماجواير الذي يحاول ليستر جعله أغلى مدافع في التاريخ بـ 80 مليون باوند.

البنزين ليس أغلى سلعة في العالم، وثمن اللتر منه في مصر يعادل ثمن لتر المياه الغازية تقريبًا، ولكن ارتفاع سعره، على عكس باقي السلع، يرفع سعر كل شيء. طبعًا هذا المبدأ البديهي لا يغيب عن غول اقتصادي مثل المبارك، لذا فالضحك هنا متعمد.

3- البريميرليج يتعرض لهجمة فعلًا، ولكن هذا الإقرار في حد ذاته لا يثبت شيئًا. منذ عامين عندما انتقد هونيس أندية إنجلترا لدفعها أكثر من اللازم كان محقًا، والرجل ذكر مثالين واضحين هما كيفين دي بروينه وروبرتو فيرمينو اللذين تم شراء عقديهما بأكثر من قيمة الشرط الجزائي أصلًا. صحيح تمامًا أن المسؤولية مشتركة ما بين سفه أندية البريميرليج من جهة وجشع الباقين من أخرى، ولكن ممارسات أندية مثل مانشستر سيتي وباريس هي ما حفز هذا الجشع في المقام الأول.

4- كل خصوم مانشستر سيتي قاموا باستثمارات سيئة في الماضي فعلًا، وبعضهم يحاول الاختباء من عواقبها خلف قدرة سيتي المالية الهائلة فعلًا، كلهم باستثناء ليفربول في آخر ثلاثة أعوام؛ المنافس الوحيد حاليًا لمانشستر سيتي في إنجلترا، أي أن التحجج بعدم القدرة على مجاراة اقتصاد دولة مثل الإمارات إن حدث، فهو أمر طبيعي ومنطقي في هذا السياق، خاصة مع دوري يُحسم بفارق نقطة.

الحقيقة الأهم هنا، أن مانشستر سيتي نفسه كان مثالًا على سوء الاستثمارات حتى وقت قريب، بل وما زال كذلك بدرجة أقل، وهناك عدد لا بأس به من الصفقات الفاشلة أبرمها النادي وهو يعلم أنه لن يستفيد منها، وعدد أكبر منها عبارة عن لاعبين رحلوا بمقابل هزيل بسبب ضعف القدرة على التفاوض.

في الواقع، مانشستر سيتي ما زال يملك واحدًا من هولاء في قائمته رغم كل التعاقدات في السنوات الأخيرة هو مانجالا؛ الرجل الذي تم جلبه من بورتو برقم جعله من أغلى 5 مدافعين في التاريخ بـ 32 مليون باوند، ثم أصبح أغلى مدافع في التاريخ فعلًا عندما ارتفع ثمنه إلى 42 مليون باوند بسبب ظهور عدة شركات كانت تملك جزءًا من حقوق ملكية عقده، ليقضي أعوامه الأولى كمصدر أول للضحك في دفاع «المواطنين» ثم يخرج في عدة إعارات فاشلة يتقاضى خلالها راتبه من «المواطنين» أيضًا، قبل أن يتم التجديد له لموسم إضافي لسبب لا يعلمه إلا الله، وطبعًا عندما تحقق البريميرليج مرتين متتاليتين وتلعب أفضل كرة في أوروبا فإن كل هذا يصبح سهل النسيان.

بفلوسي يا فقير

هذا يقودنا للمشكلة الحقيقية في كل ذلك، والتي لم تنجو من مغالطات المبارك بدورها، وهي كون الفارق بين مانشستر سيتي وأقرانه في البريميرليج ليس فقط في النجاح والتنظيم وخطة التطوير الواضحة، وكلها عناصر تغيب عن مانشستر يونايتد وأرسنال مثلًا، ولكن أيضًا في حقيقة أنه النادي الوحيد الذي يستطيع جلب ما يريد من اللاعبين، بما يريد من المبالغ، ثم لا يتأثر عندما يتضح أنه اتخذ قرارًا خاطئًا.

ريال مدريد مثلًا كان يضطر لسحب قروض هائلة من البنوك لتمويل صفقاته الضخمة، وهذا هو ما يفسر خموله في السوق لعدة سنوات بعد كل جالاكتيكوس. وفي إيطاليا كان لفترة الإنفاق المجنون بنهاية التسعينيات ومطلع الألفية أثرها الواضح لاحقًا، بعد أن أعلنت عدة أندية إفلاسها، ومرت الكرة الإيطالية كلها بفترة عصيبة ما زالت مستمرة حتى الآن.

كل هذه الظواهر كانت تقرّ قانونًا واضحًا في اللعبة، مفاده أنك حتى لو كنت ريال مدريد فإنك مهدد بالديون إذا زاد إنفاقك عن حد معين، وهذا الحد المعين مرتبط دائمًا بأهم عنصر في اللعبة؛ الجمهور الذي يشتري سلعة كرة القدم عن طريق المشاهدات والقمصان والتذاكر فيمنح الأندية العائد الكافي لإنتاج المزيد من كرة القدم. طبعًا هذا يختلف نوعًا عن القانون الاقتصادي الجديد الذي تفرضه «الاستثمارات» الخليجية الجديدة، حيث تُستبدل السلعة بالمال، والجمهور بالمال، وهذا ينتج كرة قدم تحتاج إلى المزيد من المال.

هذا الوضع مرشح للاستمرار لفترة لا بأس بها، على الأقل حتى يتمكن سيتي والتجارب المشابهة من جمع الجمهور الكافي لتمكينه من إنفاق صافي 1200 مليون يورو في 10 سنوات على التعاقدات وحدها. لا خطأ مطبعي في هذا الرقم.

رغم كل ما سبق، يظل أعظم ما ورد في مقابلة خلدون المبارك هو التأكيد بأنـ «هم» يدخلون الكثير من الأموال للعبة بدلًا من أن يأخذوا منها، ثم التساؤل في براءة: «هل هذا سييئ لهذه الدرجة؟».

حقيقة لا نعلم بالضبط. منذ عدة أشهر لم نكن نعلم من هو جواو فيليكس، ثم لعب الفتى ذو الـ 19 عامًا 26 مباراة مع بنفيكا في الدوري، لم يكمل منها إلا 9 فقط لا غير، وسجل خلالها 15 هدف وصنع 9 آخرين، والآن يستعد خلدون المبارك لشراء عقده من بنفيكا مقابل 120 مليون يورو، وهذا سيجعله ثاني أغلى مراهق في تاريخ اللعبة بعد.. لحظة واحدة.. كيليان مبابي الذي تعاقد معه ناصر الخليفي مقابل 135 مليون يورو.

حتى 2018 كان أغلى مراهق في العالم هو مارسيال بأقل من نصف هذا الرقم، وحينها نالت صفقته -ولا تزال تنال- الكثير من الانتقادات رغم قدرة مانشستر يونايتد المالية على ضمه دون أدنى متاعب. يعني في أي وقت آخر وظروف أخرى كان وضع شرطًا جزائيًا بـ 120 مليون يورو للاعب مثل فيليكس ليصبح ضربًا من ضروب الضحك، ولكنه الآن واقع قريب من التحقق، والسبب الوحيد في ذلك أن هناك من يستطيع دفع هذا المبلغ حتى لو لم يكن يجني ما يمكنه من ذلك.

نعم مستر خلدون، هذا سيئ جدًا جدًا، وعندما ينتهي السبب الحقيقي لكل هذه «الاستثمارات» ستكونون قد قضيتم على فرصة عدد لا بأس به من الأندية الكبيرة في المنافسة فعليًا، ناهيك عن الأندية الصغيرة التي ستختفي من الخريطة أصلًا، وسيحتاج سوق اللعبة لسنوات طويلة حتى يتعافى من موجة الجشع والانتهازية التي تسود المشهد حاليًا.

في فيلم Inside Job يشرح المخرج تشارلز فيرجسون كيف استطاعت مجموعة محدودة من أغنى رجال العالم التسبب في الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في 2008، ومع اختلاف الكثير من التفاصيل الاقتصادية المعقدة فإن الفكرة المحورية مشابهة لما يحدث الآن، والصادم في الأمر هو شهادات المختصين، والوثائق التي تؤكد أن ما يحدث كان بمثابة الجنون فعلًا، وأن الكثيرين حاولوا تحذير المسؤولين، ولكن العملية استمرت نحو نهايتها الحتمية في عناد غريب.

هذا هو أكثر فيلم مرعب ستشاهده في حياتك تقريبًا، لأنك ستكتشف من خلاله أن العالم مكان هش للغاية، وأن الناس الذين يقودونه لا يمانعون تعريض المليارات من البشر للإفلاس مقابل أن تزيد ثروة كل منهم من 10 مليار إلى 12 مليار مثلًا، وأهم حقيقة لم يذكرها خلدون المبارك في حواره هي أنه لا يوجد ما يجعلنا نعتقد أن ما يحدث في كرة القدم الآن مختلف.

«الشيخ منصور ذهب إلى إسبانيا باللامبورجيني.. وعاد ومعه مدرب؛ مانويل بيلليجريني!». – هتاف حديث لجماهير مانشستر سيتي.

«Sheikh Mansour..went to Spain in a Lamborghini.. He brought us back a manager..Manuel Pellegrini!»

اعلان