مع ارتفاع الجنيه أمام الدولار.. انتبه لمدخراتك
 
 

يستدعي الارتفاع في سعر الجنيه أمام الدولار، والمستمر منذ بداية العام، إعادة النظر في كيفية توجيه مدخراتنا الشخصية على نحو يحفظها من التقلبات ويمنحنا أفضل المكاسب الممكنة. لكن القرار لا يبدو سهلًا نتيجة لغموض السبب وراء هذا التحسن في قيمة الجنيه.

ففي حين يرى بعض محللي الاقتصاد الذين تحدث إليهم «مدى مصر»، أن القرار الحكيم حاليًا هو الاحتفاظ بالمدخرات بالجنيه المصري والتخلي عن المدخرات الدولارية، على اعتبار أن الجنيه سيستمر في الارتفاع نتيجة تدفقات العملة الصعبة الواردة إلى مصر، يؤكد آخرون أن الاستثمار في الذهب أو الاحتفاظ بالدولار هما الخياران الأكثر أمانًا وربحية نظرًا لغياب البيانات الدقيقة حول الأسباب التي أدت لارتفاع قيمة الجنيه، مما يثير القلق بشأن مستقبل سعره، وبالتالي لا يصبح الاستثمار فيه مأمونًا.

ويقول محمد سعد، المحلل المالي في شركة شعاع لتداول الأوراق المالية، إن سعر العملة عمومًا أصبح عصيًا على التوقع، بشكل يجعل تحقيق المكاسب عن طريق بيع وشراء الجنيه مقابل عملات أخرى «مغامرة» خطرة، لا يتحملها صغار المستثمرين على وجه الخصوص، لذلك يفضل تنويع المدخرات، بين الذهب والأسهم الدولارية في البورصة «التي تكتسب جاذبية خاصة مع تراجع سعر الدولار».

وكانت شعاع قد أرجعت في مذكرة بحثية في مايو الماضي ارتفاع قيمة الجنيه في الآونة الأخيرة إلى زيادة الاستثمار الأجنبي في سوق الديون الحكومية، بعد خروجها الكبير منه في النصف الثاني من 2018، لكن المذكرة قالت إن الارتفاع السريع في سعر الجنيه يعود إلى عوامل «مؤقتة»، متوقعة بعض الانخفاض في سعر العملة المحلية لأسباب تعود للعجز في الحساب الجاري، والخفض التدريجي لسعر الفائدة.

ويقول عمر الشنيطي، المؤسس والمدير التنفيذي لمجموعة مالتيبلز للاستثمار، إن الصعود الحالي للجنيه «غير مبرر ولا منطقي، وتذبذبه ليس له سبب وجيه، مما يرجح وجود تدخل ما في السعر، ويرجح بالتالي استمرار التذبذبات في اتجاه رفع سعر الجنيه أو خفضه في المدى القصير، واتجاه سعر الدولار في النهاية للارتفاع في المدى المتوسط».

ويضيف الشنيطي أن سعر صرف الجنيه استمر ثابتًا تمامًا تقريبًا لمدة 18 شهرًا دون أي تغيير يذكر، ثم ارتفع فجأة، واستمر في الارتفاع بنحو 7% منذ بداية العام، «وهو ما يشير إلى تدخل ما غير مرئي… فما يقال عن التدفقات دولارية باعتبارها سبب لتحسن سعر الجنيه غير كافٍ، لأن تلك التدفقات في عام 2017 و النصف الأول من 2018 كانت كبيرة أيضًا ولم يتغير السعر وقتها».

ويتفق سعد مع هذا الرأي معتبرًا أن ما حدث من تدفق للنقد الأجنبي «غير كافٍ تمامًا لتبرير انخفاض سعر الدولار بقيمة تزيد على 100 قرش، بعكس كل التوقعات في مطلع العام، والتي أعقبت تصريحات محافظ البنك المركزي وقتها».

وكان طارق عامر، محافظ البنك المركزي، قال لوكالة بلومبرج في يناير الماضي إن سعر الجنيه من الحتمل أن يواجه «تقلبات» وهو ما فُسر بأنه يمثل تمهيدًا لتراجع في قيمة العملة المحلية.

وبناء على ذلك، «فالجنيه ليس أفضل وعاء ادخاري الآن»، كما يرى الشنيطي، بينما الذهب في المقابل هو أفضل وعاء لأن سعره من المرجح أن يشهد ارتفاعًا في السوق العالمي في مواجهة الدولار، بعد دورة من الانخفاض، ويليه الدولار كوعاء ادخاري جيد، ثم تأتي الودائع البنكية بالجنيه ثم العقارات في منزلة تالية، موضحًا أن الاحتفاظ بالجنيه في المدى القصير يتضمن مكاسب في ظل الفوائد البنكية العالية، لكن الأمر  يختلف على المدى المتوسط.

أما العقارات فتظل وعاءً ادخاريًا جيدًا فقط كمصدر للإيرادات الدورية عبر التأجير، بينما تحقيق الربح من إعادة بيع العقارات في المدى القصير فهو خيار غير عملي وينطوي على مخاطر كبيرة في الوقت الحالي، بحسب الشنيطي.

وكان سوق العقارات ملاذًا ممتازًا للمدخرات بعد تراجع سعر الجنيه في نهاية 2016 بعد التعويم، لكنه يواجه متغيرات جديدة ترتبط بمصاعب إعادة البيع من الأفراد إلى الأفراد -فيما يسمى بالسوق الثانوي، كما أوضح تقرير سابق لـ«مدى مصر».

 يطرح محمد أبو باشا، كبير محللي الاقتصاد الكلي في المجموعة المالية هيرمس، في المقابل قائمة مختلفة لأولويات الأوعية الإدخارية، تأتي على رأسها الودائع بالجنيه، قائلًا إن سعر الفائدة على الودائع بالجنيه حاليا «مرتفعة على نحو يغطي معدلات التضخم، كما أن احتمالات خفض سعر الفائدة من قبل البنك المركزي لا يمكن أن تزيد إجمالًا عن 3% [مستوى الفائدة على الإيداع حاليًا 15.75%]».

وأبقى البنك المركزي في اجتماع لجنة السياسة النقدية في مايو الماضي على معدلات الفائدة دون تغيير، بعد تخفيض تراكمي قدره 3% حتى الآن، كان آخرها بمقدار 1% في فبراير من العام الحالي، ضمن ما يعرف بـ«دورة التيسير النقدي»، أو اتباع سياسة نقدية قائمة على خفض سعر الفائدة، تلت فترة تبنى فيها البنك المركزي تشديد السياسة النقدية، أو اتباع سياسة تقوم على رفع سعر الفائدة، بدعوى مواجهة التضخم الناجم في الأساس عن قرار تعويم الجنيه في نوفمبر من عام 2016.

ويحقق الادخار بالجنيه الفائدة المرجوة منه فعليًا خلال الأشهر الأخيرة، حيث بلغ معدل الفائدة الحقيقي، بعد خصم معدل التضخم، 2.75% في أبريل الماضي. وتميل معدلات الفائدة الحقيقية إلى تسجيل معدلات إيجابية عمومًا منذ يناير من العام الماضي، بعد أكثر من سنة ظلت فيها تحقق معدلات سلبية، وهو ما يعني أن الادخار بالجنيه خلال تلك السنة لم يكن مربحًا بل كانت قيمة المدخرات الحقيقية تتناقص بفعل التضخم.

وسجل معدل التضخم السنوي 13.2% في مايو الماضي، مقابل 12.5% في أبريل، ومن المتوقع أن يؤدي تطبيق آلية التسعير الحر للوقود إلى رفع معدلات التضخم مجددًا، وهو ما يعني أن البنك المركزي قد يُبقي على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام.  

وأوضح أبو باشا قائلًا إن «الدولار تراجع مقابل الجنيه بنسبة تزيد على 6%، وهذه النسبة هي أقصى ما يمكن أن يكتسبه الدولار مجددًا في حال عودته للارتفاع، لأنه ارتفع بالفعل [بعد تعويم الجنيه] بنسبة كبيرة جدًا وهو ما يعني أن احتمالات ارتفاعه بعدها تظل محدودة وضيقة النطاق للغاية… وفي المقابل فإن أقصى احتمال بخفض سعر الفائدة على الجنيه قد يصل بها إلى 12%».

وتراجعت قيمة الجنيه بشدة في أعقاب تعويمه في 2016 ليرتفع سعر الدولار من 8.78 جنيه إلى 18.19 جنيه في فترة وجيزة.

ويرى محمد أبو باشا أن تراجع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) عن سياسة التشديد النقدي التي اتبعها العام الماضي لن يدعم سعر الدولار الأمريكي عالميًا، موضحًا أن «أي احتمالات بشأن رفع سعر الفائدة [على الدولار] اختفت بنهاية عام 2018 وهو ما سمح بدعم عدد من عملات الأسواق الناشئة».

وعادت التوقعات مؤخرًا بخفض مجلس الاحتياطي الاتحادي سعر الفائدة، بعدما رُفعت الفائدة أربعة مرات في العام الماضي، وهو ما كان سببًا رئيسيًا في أزمة الأسواق الناشئة في 2018، والتي عانت من خروج رؤوس الأموال من أسواق الدين لديها، مع سعي هذه الأموال للاستفادة من الفائدة الأمريكية المرتفعة. وقال البنك المركزي المصري في تقرير السياسة النقدية الأخير إن رؤوس الأموال عادت لتتدفق على الأسواق الناشئة مع بدء العام الحالي.

ومع ذلك، فظروف الحرب التجارية عالميًا بما تحمله من نتائج غير معلومة قد تهدد تدفقات الأموال الأجنبية على سوق الدين المصري، كونها «أموال ساخنة تتدفق بسهولة وتهرب بسهولة»، كما يوضح الشنيطي، مما يجعل ربط تحسن قيمة الجنيه بها أمرًا غير مأمون.

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن