4 مشاهد من فض اعتصام ثورة السودان
 
 

في الليلة الأخيرة للاعتصام، تجمع داخل إحدى الخيام عدد من الصبية المشردين حول «ترزي»، أتى به متطوعون لتفصيل جلاليب بيضاء لهؤلاء الأطفال، والتي عادةً ما يرتديها السودانيون صباح العيد.

«سنصلي جميعًا صلاة العيد في الميدان ويجب أن ترتدوا هذه الجلاليب.. نريد أن نحول ساحة الاعتصام إلى اللون الأبيض بارتدائنا جميعًا الجلباب السوداني المميز.» هكذا قال أحد المتطوعين بالاعتصام للصبية المتجمعين والذين انضموا للساحة المفروشة بالرمل المنصوبة عليها خيام جمعيات أهلية ومنتديات ثقافية نظمت على مدار فترة الاعتصام أنشطة بشكل يومي. في مرحلة ما، انتبه المتطوعون لوجود هؤلاء الأطفال، فشيدوا خيمة تأويهم، أصبحت مقرًا لإقامتهم في الاعتصام، فيما تطعمهم وتسقيهم المطابخ المنتشرة في الميدان.

كان ذلك في حوالي الساعة الواحدة والنصف من صباح الإثنين الماضي، بحسب أحمد صابر، الذي كان موجودًا في الاعتصام حين بدأ الناس يتداولون أنباء تفيد أن قوات الدعم السريع والشرطة تحشد عناصرها وفي طريقها إلى مكان الاعتصام لفضه.

لم يبرح صابر الساحة، فيما المخاوف تزيد، خاصة بعد تأكد الأنباء عقب بث قوى المعارضة نداءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحث المواطنين على الانضمام إلى المعتصمين، وارتفعت في أرض الاعتصام صوت مكبرات الصوت لذات الغرض وكررت الإذاعة الداخلية بالاعتصام النداء. وظل صابر يراقب بقلق مصير الأطفال المشردين الذين خلدوا إلى النوم وهم فرحون بالمراتب الجديدة، التي وزعها عليهم المتطوعون ليناموا عليها، وبوعدهم بجلاليب بيضاء لصلاة العيد المنتظرة خلال يومين على الأكثر.

تصاعد القلق لدى صابر مع ارتفاع حدة التوتر بين المعتصمين، فتقدم مع صديق له قبل الساعة الخامسة صباحًا بقليل نحو خيمة الأطفال ليوقظهم من النوم حتى لا تجري مهاجمتهم نائمين، حيث يتوقع أن المهاجمين لا يفرّقون بين طفل وكبير.

لكن صابر أدرك أنه تأخر بعد أن سمع دوي الرصاص في المكان، ثم رأى مئات الجنود يقتحمون ساحة الاعتصام، ليفر صاعد إلى صهريج للمياه ويشاهد المجزرة، على حد قوله.

المجزرة لم تستثن الأطفال النيام، فجنود الدعم السريع اقتحموا الخيام وأطلقوا الرصاص الحي على الموجودين في الساحة، حسب صابر الذي أضاف: «راقبت خيمة الأطفال. فر عدد منهم والآخرون سمعت صراخهم ولا أعلم عنهم شيئًا».

***

ليلة الفض، كانت المهمة الموكلة لـ ميدو السر حراسة أحد المتاريس المؤدية إلى منطقة عيادات العيون المعروفة بجامعة الخرطوم. وعند الخامسة، علت صافرات المعتصمين، مطالبين بأن يتوجه متطوعون إلى المتاريس لحراستها، لأن القوات المهاجمة تقترب من أرض الاعتصام ومن عدة محاور.

انتظر السر دعمًا من المعتصمين وبقى لفترة يراقب المكان قبل أن يُفاجأ باقتراب جنود المشاة. وسريعًا ما دارت معركة بالحجارة بين المعتصمين وبين جنود الدعم السريع المهاجمين، واستمرت حالة من الكر والفر بينهم قبل أن تأتي قوة عسكرية أخرى وتبدأ على الفور في إطلاق النار ليسقط قتيلان بين المعتصمين على الفور، بحسب ما شاهد الشر.

«مع  أصوات الرصاص والقنابل الصوتية التي لا تنقطع، وإطلاق النار على المعتصمين المتجمعين في المكان، وعمليات اقتحام عديدة من عدة محاور، ومع شبه سيطرة تامة للقوات المقتحمة على أرض الاعتصام، حاولتُ الفرار مع عدد كبير من أصدقائي باتجاه شارع النيل، وهناك قررنا اللجوء إلى سكن طلابي مهجور ودخلنا إليه بالفعل وأغلقنا بوابة إحدى الغرف علينا. كنا خمسة أشخاص، وأخذنا نشاهد عبر النوافذ عملية تمشيط للسكن الطلابي وتجميع للمعتقلين في ساحة السكن»، يقول السر.

ويضيف: «مرت مجموعة كبيرة من الجنود أمام غرفتنا، لكن آخر جندي مر منهم دفع باب غرفتنا ونادى على زملائه الذين بدأوا ضربنا بشكل مبرح بالسياط والعصي. وأخرجونا من الغرفة إلى باحة المبنى، وواصلوا عمليات الضرب وهم يدفعونا إلى شارع النيل القريب، وهناك رأيت عشرات المعتقلين المصابين، منهم من يجري إسعافهم عبر أطباء يتبعون مستشفيات القوات المسلحة».     

ويحكي السر أنه بينما يتم إجبار المعتقلين على رفع المتاريس بطول شارع النيل، يرقد المصابون على الأرض وتجري عمليات إسعافهم وسط الدماء الغزيرة السائلة في المكان. «شاهدت أحدهم ملابسه مبتلة تمامًا بالدماء ويتجمع حوله عدد كبير من الأطباء».

«في الطوارئ لم يوجد شيء. يُجري الأطباء عملية إسعاف أولية وصور للأشعة وبنك الدم ليس فيه قطرة دم واحدة لإسعاف الجرحى. كنت أستلقي على الأرض والسرير الذي يجاورني عليه شاب ثلاثيني كان ينزف من رجله بغزارة بعد إصابته بطلق ناري وفشل الأطباء في إيقاف النزيف. نصف ساعة وتوفي هذا الشاب فيما تم تحويل آخرين لعمليات عاجلة في مستشفيات أخرى»، يقول السر الذي أُصيب في يده اليمني وهو يفلت من الاعتقال، وصعد إلى سيارة إسعاف غادرت به مع عدد كبير من المصابين إلى مستشفى السلاح الطبي.

***

بعد انتشار نبأ الاقتحام، توافد السودانيون إلى وسط العاصمة لنجدة المعتصمين، لكن قوات كبيرة من الدعم السريع انتشرت على مداخل الاعتصام ومنعت القادمين من الدخول. إلا أن الناشط محمد عبد الرحمن تمكن من الدخول عبر منفذ صغير مع ثلاثة من أصدقائه بعد أن أجروا مفاوضات شاقة مع جنود من الدعم السريع كانوا يحرسون المدخل.

عند دخوله ساحة الاعتصام، وجد عبد الرحمن وأصدقاؤه أنفسهم أمام أشخاص ملقون على الأرض والدماء تتدفق منهم على الأسفلت. يقول عبدالرحمن: «كانت أنظارنا ونحن نفاوض الجنود تقع على عدد من الأشخاص الجرحى، ولحظة عبورنا لخيمتين لاحظنا أن عدد المصابين الساقطين على الأرض كبير. أسعفنا نحو سبعة أشخاص، وبينهم اثنين كانت إصابتيهما خطيرة في الرأس».

يصف عبد الرحمن الوضع: «المساحة التي تحركنا فيها بين أنقاض المكان وألسنة الدخان المتصاعدة من الخيام المحروقة كانت لا تتعدى المائتي متر مربع. هذه مساحة صغيرة مقارنة بساحة الاعتصام، ولم أتوقع أن أجد فيها هذا العدد من الجرحى. هذا مؤلم ومؤشر إلى أن المجزرة كانت فظيعة».

يحتاج المتجول بقدميه إلى ما يقارب الساعة للإحاطة بمكان الاعتصام من اتجاهاته الأربع، فمن الشرق يبدأ مدخل الاعتصام عند جسر القوات المسلحة، ومن الشمال يحده شارع النيل الذي تطل عليه وزارات عديدة بما فيها القصر الرئاسي، ومن الغرب عند حدود جامعة الخرطوم الغربية ووزارة العدل والمحكمة الدستورية، ومن الجنوب تبدأ حدود أرض الاعتصام من مستشفى الأسنان التعليمي. وداخل هذه المنطقة مبانٍ وهيئات حكومية وكليات جامعية، كل مبانيها تحولت إلى مناطق إدارية للاعتصام وعيادات ميدانية ومطابخ لإعداد الطعام.

***

وفاء سليمان، المسؤولة عن لجنة الخدمات بأرض الاعتصام، تحركت مع مجموعة وحاولت تثبيت المعتصمين وتهدئتهم، رغم قناعتها أن محاولتها هذه قد تعرض الكثيرين للخطر. ثم تراجعت بعد أن طالبت بعض الهتافات منها ومن الآخرين اللجوء إلى قيادة قوات سلاح البحرية. في طريقهم إلى هناك شاهدت وفاء سقوط المصابين والجرحى، ونقل بعضهم إلى عيادة ميدانية والدماء تسيل من أجسادهم.

«كان مؤلمًا أن سيدة خمسينية تبكي بحرقة على اثنتين من بناتها، وتردد: قتلوا أولادي.. قتلوا أولادي»، تقول وفاء إنها ومجموعة من مرافقيها حاولوا تهدئتها «الظروف مرتبكة تمامًا وهم يهاجمون ولا حل لنا جميعا الآن. إما أن نموت كما أولادك أو نخرج من المكان الذي تفوح منه رائحة الموت. لكن السيدة أصرت على البحث عن أبنائها. ولحظتها يشتد الهجوم الذي أجبرنا على المغادرة».

كان المشهد المؤلم بحسب وفاء هو أن ذات السيدة تداول لها ناشطون صورة على مواقع التواصل الاجتماعي قبل قطع شبكة الإنترنت وهي متوفاة في مستشفى قريب من مكان الاعتصام.     

أمام بوابة البحرية، اصطفت سيارات عليها جنود من قوات الدعم السريع إلى جانب تمركز قوات أخرى للدعم السريع داخل مقر سلاح البحرية. وقف ملازم أعزل تابع للقوات المسلحة. تقول وفاء: «بعد ما طالبناه بفتح بوابة السلاح حتى يلجأ له المعتصمون، هزّ رأسه رافضًا الاستجابة وهو يشير لنا على الطريق الذي يخرجنا من مكان الاعتصام باتجاه منطقة برّي شرقي أرض الاعتصام». وقتها كانت القوات تقترب من ساحة الاعتصام وأصوات السلاح تتعالى ويتساقط الجريح تلو الآخر. تقول وفاء: «طلبنا من الجميع أخذ الساتر تجنبًا للرصاص وهنا هجمت القوات وبدأت في عمليات ضرب وحشية ضد المعتصمين وهم على الأرض، تعرض خلالها الشباب الذكور لإصابات بالغة بعد إصرارهم على حماية السيدات».

تكمل وفاء: «بعد أن طلب منا مغادرة المكان، ومنا من لم يستطع الحركة، كان هناك رجال مدنيون يحملون أسلحة ويوجهونها على كل من خارت قواه وتعب من الجري ويأمرونهم بمواصلة الحركة والخروج من أرض الاعتصام». وتضيف: «صديقتي التي ترافقني أمسك بشعرها رجل الأمن الذي يرتدي زيًا مدنيًا ووجه مسدسه باتجاه رأسها وأمرها بالنهوض ومواصلة الجري».

«الإصرار الذي شاهدته من الموجودين في الميدان على المواجهة وعدم خروجهم من أرض الاعتصام كان كبيرًا. شاهدت من يهتف ويصيح لحظة المجزرة أن الاعتصام كان خيارنا ولن نبرح أرضه»، تقول وفاء. «الناس الذين نجوا من المجزرة خرجت بغضب كبير وإصرار على مواصلة المشوار».

وتشير وفاء إلى أنها واحدة من هؤلاء الناس، ورغم ما شاهدته من بشاعة في عملية فض الاعتصام تقول «لم أر مثلها طوال حياتي، ولكن لن تثنيني عن تكملة ما بدأناه من ثورة نحقق فيها دولتنا المدنية ونبني السودان الذي تمنيناه. كل هذا المشوار سنقطعه بسلميتنا المبهرة خلال مسيرة الثورة السودانية. لن نحيد عن هذه السلمية والرصاص لن يثنينا». 

اعلان