محاولة إثيوبيا للوساطة وتعليق عضوية السودان يعرقلان الدور المصري في عملية الانتقال بـ «الخرطوم»
 
 

أصاب «القلق» المسؤولين في القاهرة عندما تابعوا فض الاعتصام العنيف على يد قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني محمد حمدان دقلو الشهير بـ «حميدتي»، خصوصًا لأنه كان «فوضويًا» للغاية. هكذا وصف دبلوماسي مصري تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، ردة الفعل المصرية بعد عنف يوم الإثنين الماضي في العاصمة السودانية الخرطوم، والذي أسفر عن 113 قتيلًا.

بدأ العنف في الخرطوم بعد الساعة الخامسة صباحًا يوم الإثنين عندما هاجمت قوات الدعم السريع وشرطة مكافحة الشغب الاعتصام، الذي كان بمثابة حافز رئيسي للإطاحة بعمر البشير في 11 أبريل بعد تظاهرات واعتصامات استمرت لشهور. أطلقت ميليشيات الجنجويد – ذات الصلة بجرائم حرب وإبادة جماعية ارتكبها نظام عمر البشير في دارفور- النار على المتظاهرين، وأشعلت النار في خيام المعتصمين، وفي بعض الأحيان أحرقت الخيام بينما لا يزال المعتصمون داخلها، كما اعتدوا على الأطقم الطبية في المستشفيات وكذلك الذين حاولوا إنقاذ الجرحى في الشوارع.

وذكرشهود عيان أن قوات الدعم السريع ألقت بجثث القتلى في النيل، وهو ما أكدته  اللجنة المركزية لأطباء السودان، بعد الإعلان عن اكتشاف 40 جثة في مياه النهر. وتواترت كذلك روايات على وسائل التواصل الاجتماعي عن حالات اغتصاب وعنف جنسي بشكل مُمنهج من جانب عناصر الدعم السريع، ولم يتمكن «مدى مصر» من التحقق منها من مصدر مستقل.

وبينما هناك تصور أن القاهرة ربما تكون أعطت الضوء الأخضر لفض الاعتصام بالعنف في اجتماع القاهرة يوم 25 مايو بين رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يقول المسؤول المصري وآخر أيضًا دبلوماسي إن الأمر لم يكن على هذا النحو.

لقد نظرت مصر بحسب المصدرين إلى الاجتماع على أنه مقدمة لاجتماع آخر بعد عيد الفطر. وفي تلك الأثناء، نُصح برهان وحميدتي باتخاذ موقف حازم في المفاوضات، والتي تراهن القاهرة أنها ستمنحهما ميزة تفاوضية في اجتماع مقبل مع الدول المجاورة للسودان. ولكن هذا لم يحدث.

ولكن العنف الذي شهده السودان يوم الإثنين وما تلاه من تعديات وتجاوزات من العناصر المسلحة التابعة للجيش السوداني ضد المتظاهرين قد أخر مصر ورغبتها في القيام بالوساطة أمام الوسطاء الأفارقة وتحديدًا إثيوبيا التي تلعب الدور المنافس، ولا سيما بالنسبة لقوى المعارضة السودانية.

قرار الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية السودان

تخشى القاهرة أن يؤدي هذا العنف في العاصمة السودانية إلى استنفاد الإرادة السياسية التي تبذلها مصر منذ الإطاحة بالبشير، حيث استخدمت القاهرة موقعها على رأس الاتحاد الأفريقي التي وصلت له في أوائل العام الجاري للحفاظ على موقع المجلس العسكري الانتقالي السوداني في السلطة وحمايته من العقوبات. وبحسب مصدر دبلوماسي غربي في القاهرة، فإن البرهان وحميدتي يحظيان أيضًا بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية.

وفقًا لمسؤولين مصريين تحدثوا لـ «مدى مصر» في أبريل، فإن محاولات مصر في الاتحاد الأفريقي تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية المستقبلية مع حكومة الخرطوم وتجاوز الأضرار المحتملة التي نجمت عن المراهنة علنًا على إمكانية استمرار البشير في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد منذ ديسمبر الماضي.

ولذلك بحسب المسؤول المصري الأول، حاولت مصر تجنب تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي ولكنها عجزت عن تحقيق ذلك بسبب «إراقة الدماء»، والتي وصفها المصدر بأنها «تجاوزت الحدود المقبولة». فبعد اجتماعها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أعلنت لجنة السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي يوم الخميس أنها ستعلق عضوية السودان في الاتحاد لمدة ستة أشهر.

وكانت إثيوبيا وكينيا قد دعتا إلى الاجتماع، لقلقهما بشأن التطورات في السودان. ويقول المسؤول المصري الأول إن البلدين، إلى جانب أوغندا، لا يؤيدان محاولات مصر للقيام بدور سياسي في معالجة الوضع في السودان. وتؤيد الدول الثلاثة، بدلًا من ذلك، وساطة دول منظمة الهيئة الحكومية الدولية للتنمية «إيجاد»، والتي لا تضم مصر في عضويتها.

ستتمثل الخطوات التالية، وفقًا لنفس المسؤول، في قيام مفوضية السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي، والتي لا تعد مصر أيضًا عضو فيها بالرغم من ترأسها للاتحاد، بتشكيل لجنة للعمل مع المجلس العسكري الانتقالي، من أجل اتخاذ خطوات نحو تسليم السلطة إلى المدنيين في مدى ستة أشهر، هي فترة تعليق عضوية السودان في الاتحاد. وسوف يُرفع التعليق إذا تمكن المجلس العسكري من نقل السلطة قبل انتهاء هذه الفترة.

ويوضح المسؤول المصري أن القاهرة ستنتظر لمعرفة من سيُختار في عضوية اللجنة التي ستعمل مع المجلس العسكري، وعندها ستحاول مصر التواصل معهم. وعلى أي حال، قال المسؤولان المصريان اللذان تحدث معهما «مدى مصر»  إن القاهرة لم تكن تتوقع هي العقبة المفاجئة.

إثيوبيا: وسيط أكثر مصداقية

قبل الفض العنيف للاعتصام، جرت استعدادات لزيارة دبلوماسية لمسؤول مصري رفيع المستوى إلى الخرطوم. ولكن أُلغيت الزيارة في اللحظة الأخيرة خوفًا من الاحتجاجات ضد المسؤول المصري، في إشارة واضحة إلى عدم مصداقية مصر لدى قوى المعارضة والمتظاهرين.  

لقد تضاعفت الشكوك في مصداقية مصر بعد أحداث الأسبوع الجاري، ما فتح المجال أمام جهات فاعلة أخرى لاكتساب موضع قدم في عملية تشكيل الفترة الانتقالية في السودان. ويبدو أن إثيوبيا تتحرك لملء هذا الفراغ، حيث زار رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد زيارة الخرطوم صباح اليوم، الجمعة.

وأكد عضو في تحالف إعلان الحرية والتغيير السوداني، كتلة المعارضة التي أجرت مفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي، لـ «مدى مصر» أن أعضاء التحالف سيلتقون أحمد بعد ظهر يوم الجمعة لمناقشة خطة الوساطة التي يطرحها.

ويخطط تحالف الحرية والتغيير في الاجتماع لمطالبة المجلس العسكري الانتقالي بوقف حملة الاعتقال التي تستهدف أعضاء التحالف والإفراج عن جميع أعضائه الذين اعتقلوا منذ فض الاعتصام، خصوصًا ياسر عرمان.

وكان عرمان، أمين عام الحركة الشعبية لتحرير السودان، قد اعتقل من منزله يوم الأربعاء واقتيد إلى مكان مجهول، على حد قول أحد أفراد عائلته لـ «مدى مصر».

كما يقول المصدر إن التحالف سيطلب من إثيوبيا حث المجلس العسكري الانتقالي على بدء لجنة تحقيق مستقلة في «الفظائع» التي حدثت أثناء فض الاعتصام.

كان وكالة رويترز قد أوردت أيضا أن أحمد سيلتقي بالمجلس العسكري الانتقالي.

يلقى أحمد الترحيب كعنصر فاعل في الوساطة، وفقًا للمصدر من التحالف، بسبب «الموقف الديمقراطي الذي تبناه تجاه شعبه». وهذا يتناقض مع عدم الاستعداد للقاء المسؤولين المصريين، ويقول المصدر إن السبب هو أن «التغييرات في موقف المجلس العسكري، وخطاب البرهان، واختيار البرهان وحميدتي انتهاج العنف كلها لم تحدث إلا بعد زيارة البرهان إلى القاهرة». علما بأن الزيارة شملت أيضا الإمارات وإثيوبيا ولاحقًا السعودية.

ويضيف المصدر أن الشعب السوداني لن يقبل أن يقرر مصيره «قوى إقليمية أو دولية أو عربية»، لكنه «سيكون منفتحًا من أجل الاستفادة من أي وساطة عادلة».

لكن بحسب المصدر المصري الأول، تشعر القاهرة بالقلق من أن تحاول إثيوبيا وضع يديها على السودان مرة أخرى، «كما فعلت قبل الإطاحة بالبشير»، وتحاول التواصل مع المسؤولين الإثيوبيين. يقول المسؤولون إن الانتقال إلى المجال السياسي السوداني يُنظر إليه في القاهرة على أنه محاولة لكسب اليد العليا عندما تبدأ المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي المصير للجدل، والذي شرعت إثيوبيا في بنائه بتكلفة تبلغ 4.2 مليار دولار أمريكي.

وفقًا لشروط اتفاقية الخرطوم لعام 2015 ، الموقعة من السيسي والبشير ورئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميليس زيناوي، من المتوقع أن تتوصل الدول الثلاث إلى اتفاق بشأن إدارة موارد نهر النيل بطريقة تسمح لإثيوبيا باستخدام مياه كافية لإكمال المرحلة الأولى من بناء السد دون الإضرار بمصالح الخرطوم والقاهرة.

ومع ذلك، انهار هذا الاتفاق الهش، عندما انحازت الخرطوم إلى جانب موقف أديس أبابا ضد الالتزام بتخصيص حصة سنوية محددة من المياه للسد وتفضيلها لتخصيص حصة اعتمادًا معدل سقوط الأمطار سنويًا.

في الأشهر التي سبقت الإطاحة به، بدأ البشير في التعاون بشكل أكبر مع وجهة النظر المصرية بشأن السد، وقال مصدر حكومي مصري لـ «مدى مصر» في ذلك الوقت إن الرئيس السوداني حصل على مساعدة مصرية سخية في المقابل.

وبينما تلوح المصالح الجيوسياسية في خلفية المنافسة بين مصر وإثيوبيا، يؤكد مصدر التحالف على أنه من المهم بالنسبة للبلدان التي لها مصالح في السودان، «خاصة تلك الدول التي تنظر إلى السودان باعتباره فناءً خلفيًا لها»، أن تهتم بشأن كسب دعم واحترام الشعب بدلًا من المجلس العسكري، «لأنه بغض النظر عما يحدث، فإن الشعب السوداني لن يقبل أن يحكمه هذا المجلس».

اعلان