تخويف ومراقبة وقيود.. مسؤولو حقوق الإنسان الأفارقة يصفون معاملة الأمن المصري في شرم الشيخ
 
 

عشية الدورة الـ 64 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التي استضافتها مصر  خلال شهري أبريل ومايو الماضيين، اجتمعت مجموعة من ممثلي المجتمع المدني من كافة أنحاء أفريقيا أمام مكتب التسجيل داخل منتجع «جولي فيل» مترامي الأطراف في شرم الشيخ.

سادت حالة من التوتر، بعد أن رفض المسؤولون المصريون إصدار شارات للعاملين في مجال حقوق الإنسان من عدد من الدول، من بينها جنوب السودان والسودان وتنزانيا وأوغندا، دون تقديم أسباب واضحة. وكان من المقرر أن يبدأ المؤتمر بعد يومين، في الـ 24 من أبريل، وكان المشاركون الذين سافروا من مختلف أنحاء القارة بحاجة إلى شارات المشاركة ليتمكنوا من الحضور.

تصاعد الغضب وارتفعت الأصوات خلال النقاش، كما صدرت صيحات عن كلا الجانبين، حتى وصل الأمر إلى ذروته عند اعتداء مسؤول التسجيل المصري بدنيًا على عاملة حقوق الإنسان من جنوب السودان.

«تلقت صفعة. صفعة قوية» تقول ديانا جيتشينجو، مديرة البرامج في لجنة حقوق الإنسان الكينية، التي كانت تقف على مقربة منها. «كانت أكثر أعضاء وفد جنوب السودان صخبًا، لذا ضربها الأمن المصري».

خلق هذا الحادث حالة من الجدل القوي في جلسة المفوضية الأفريقية الشهر قبل الماضي، وهي الأولى التي تستضيفها مصر منذ أكثر من ثلاثة عقود. أخبر ممثلو المجتمع المدني الذين حضروا «مدى مصر» أنهم تعرضوا خلال زيارتهم لدرجات غير مسبوقة من التخويف والمراقبة والقيود من جانب مسؤولي الأمن المصريين. وقالت جيتشينجو: «كان الجميع حذرين وخائفين».

يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن سوء معاملتهم يتسق مع نمط أوسع من الممارسات التي بذلتها مصر منذ سنوات لتقويض هيئة حقوق الإنسان الإقليمية.

تأسست اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب منذ أكثر من 30 عامًا، وهي الهيئة الرئيسية للاتحاد الأفريقي المكلفة بتعزيز وحماية حقوق الإنسان. وتسمح المعاهدة التأسيسية، الميثاق الأفريقي، لمواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي البالغ عددها 55 دولة بتقديم شكاوى فردية إلى اللجنة.

على مر السنين، أصبحت اللجنة -التي تعمل كهيئة شبه قضائية- مكانًا موثوقًا به لممثلي المجتمع المدني في أفريقيا لإثارة مظالم حقوق الإنسان، خاصةً في الحالات التي لا تحصل على الإنصاف من خلال السُبل القانونية الوطنية. وينطبق هذا على مصر إلى حد بعيد، فعلى مدار السنوات القليلة الماضية، تلقت اللجنة شكاوى من مصر أكثر من أي دولة أفريقية أخرى.

ردًا على ذلك، دعت اللجنة الحكومة المصرية مرارًا للتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان، بما في ذلك إعدام ضحايا المحاكمات الجائرة والاعتقالات التعسفية والعنف الجنسي. ومع ذلك، تفتقر اللجنة إلى آلية تنفيذ، ودأبت مصر على تجاهل توصياتها إلى حد كبير.

وتمثل الجلسات نصف السنوية للجنة أكبر تجمع لمنظمات المجتمع المدني في أفريقيا، وقد أثارت محاولة مصر لاستضافة الدورة الـ 64 قلقًا عميقًا بين منظمات المجتمع المدني وانطلقت دعوات لمقاطعتها على مدى الأشهر التي سبقت موعد تنظيمها. في نوفمبر الماضي، أصدرت 65 مجموعة من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء إفريقيا رسالة منشورة إلى رئيسة اللجنة، سويوتا مايجا، انتقدت فيها «الحملة الوحشية التي تشنها مصر على حقوق الإنسان»، وحثتها على رفض العرض المصري.

وجاء في الرسالة: «ثمة شكوك حول إمكانية المشاركة الحرة والفعالة لمنظمات المجتمع المدني المصرية وغير المصرية خلال جلسات اللجنة. ولا توجد ضمانات لأمن وسلامة المدافعين عن حقوق الإنسان المشاركين».

ويبدو أن مخاوفهم لها ما يبررها. في الفترة التي سبقت الجلسة، رفضت مصر منح تأشيرات لأكثر من 70 ناشطًا من عدد من الدول، من بينها غانا وملاوي وموريتانيا والمغرب وتونس وأوغندا وغيرها من الدول، أو حصلوا على تأشيرات يوم السفر أو بعده.

يقول أولئك الذين تمكنوا من السفر إلى شرم الشيخ أن نسبة المشاركة هذه الدورة كانت منخفضة للغاية، ويرجع هذا جزئيًا إلى القيود المفروضة على السفر، لكن السبب الرئيسي يرجع إلى قرار عدد من المنظمات، خاصة تلك التي تركز على قضايا حقوق المثليين، بالمقاطعة. وفضلًا عن ذلك، لم يحضر الجلسة سوى ثلاث منظمات مصرية غير حكومية، ما يعكس الحملة غير المسبوقة على المجتمع المدني في مصر خلال السنوات القليلة الماضية.

يقول جوزيف بيكاندا، المدافع الرئيسي عن الشبكة الأفريقية للمدافعين عن حقوق الإنسان: «للأسف، لاحظنا فرض قيود على منظمات المجتمع المدني المصرية. وعندما استفسرنا عن سبب عدم حضور منظمات المجتمع المدني في مصر، أخبرنا مسؤول حكومي مصري أن السبب في ذلك هو عدم توفر المترجمين. ماذا يقولون؟ لا أحد منهم يتحدث الإنجليزية؟ كانت إجابة مُختلقة».

تشارك منظمات المجتمع المدني عادة في فعالية قبل انعقاد الدورة، وهي منتدى المنظمات غير الحكومية، قبل أيام قليلة من الجلسة الرسمية، لعقد حلقات نقاش حول قضايا حقوق الإنسان. ومع ذلك، يقول النشطاء إنهم تعرضوا لقيود ومُنعوا من حجز قاعات الاجتماعات في أي من فنادق المنتجع.

«لم نتمكن من الحصول على أي قاعة أو تجهيزات، ليس لعدم توافرها في الفنادق، ولكن لأن موظفي الفندق أخبرونا أنهم تلقوا تعليمات من الأمن بعدم استضافة أية فعاليات»، يقول بيكاندا.

يضيف بيكاندا، وهو أيضًا عضو في اللجنة التوجيهية لمنتدى المنظمات غير الحكومية، عندما عرض أحد الفنادق توفير قاعة اجتماعات تتسع لنحو 30 شخصًا لبضع ساعات، أرسلوا له فاتورة بمبلغ أربعة آلاف دولار أمريكي، وهو رقم مُبالغ فيه للغاية. «لقد أرادوا بوضوح تدمير أي قدرة للمجتمع المدني على العمل»، يقول بيكاندا.

ويقول النشطاء كذلك إنهم خضعوا لمراقبة مكثفة من جانب مسؤولي الأمن المصري طوال الاجتماعات، ما خلق جوًا من الترهيب. «يقولون لك بوضوح إننا نراقبك. حتى أنني رأيت أشخاصًا يلتقطون صورًا لي. شعرنا أننا لم نكن أحرارًا على الإطلاق».

يصف أعضاء الوفود كيف كانت عناصر الأمن تتنصت على المحادثات في الممرات أو يجلسون بالقرب من طاولات العشاء. «إذا اجتمعت مع عدد من الأشخاص لمناقشة شيء ما، فسترى جميع هؤلاء الرجال الذين يرتدون سترات زرقاء من حولك. إذا انتقلت إلى منطقة أخرى، سيأتي المزيد من تلك السترات الزرقاء مرة أخرى. وحضر رجال يحملون أجهزة اتصال لاسلكي الفعاليات غير الرئيسية. كانوا يراقبوننا بوضوح». تقول جيتشينجو، من لجنة حقوق الإنسان الكينية.

كما فتش مسؤولو الأمن أغراض المشاركين وصادروا بعض الأشياء، من بينها الكتيبات والقمصان التي تعزز استقلالية اللجنة. وتقول جيتشينجو: «لم نتخيل أبدًا أن تكون المراقبة واضحة إلى هذا الحد. إذا كنت تستضيفنا، فعلى الأقل تتظاهر بدعم عمل اللجنة!».

«امتدت الصعوبات كذلك إلى عملية تسجيل المشاركين. وعادة ما تصدر الشارات الرسمية للمشاركين في الدورة من جانب أمانة اللجنة، ولكن في شرم الشيخ، تولى مسؤولو الحكومة المصرية هذه العملية وأضافوا مستوى آخر من تدخلهم الأمني على نحو سافر. جرت عملية التسجيل من جانب أجهزة الأمن المصرية ووزارة الخارجية»، يقول بيكاندا. وأدى توقف المسؤولين على نحو متكرر أثناء إصدار شارات بعض المشاركين في النهاية إلى اعتداء بدني على عاملة حقوق الإنسان في جنوب السودان. 

لم ترد وزارة الخارجية على مكالمات من «مدى مصر» للتعليق.

يقول بيكاندا، الذي يحضر جلسات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والتي تعقد مرتين كل عام منذ 2010، إن هذه كانت أسوأ تجربة في نحو 20 دورة شارك فيها سابقًا. وأضاف: «مصر أرض التاريخ بالنسبة لأفريقيا وللإنسانية. لقد شعرنا أن وجودنا على الأراضي المصرية سيجعلنا فخورين بأننا أفارقة، لكننا لم نشعر بذلك في هذا الوضع».

كما حدث أن كانت مصر قيد المراجعة من جانب اللجنة خلال الجلسة المُقامة على أرضها. «جرت مراجعة الأوضاع المصرية في مصر، وهو ما لم يحدث من قبل على حد علمي. ويعرقل هذا تدابير المساءلة ولا يوفر أرضية محايدة للأشخاص الذين يعانون من مصر»، تقول جيتشينجو.

للتعبير عن إحباطها، صاغت منظمات المجتمع المدني رسالة مفتوحة من شرم الشيخ إلى رئيسة اللجنة، سردوا فيها تفاصيل سوء معاملتهم على أيدي المسؤولين المصريين. وجاء في الرسالة: «نحن مضطرون الآن للتعبير عن قلقنا العميق وإحباطنا من الأحداث التي جرت خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي تهدد بإفساد علاقة العمل الودية التي طالما سادت مجتمع حقوق الإنسان الأفريقي».

تتجاوز انتقادات منظمات المجتمع المدني من جميع أنحاء إفريقيا للحكومة المصرية سجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان وممارساتها أثناء استضافة اللجنة. وظهرت مخاوف أوسع من تحركات مصر للحد من استقلالية اللجنة نفسها.

في عام 2013، جرى تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي عقب الإطاحة العسكرية بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ولكنها استعادت عضويتها بعد أقل من عام، بعد انتخاب السيسي رئيسًا.

وفي العام الماضي، قادت الحكومة المصرية اتجاهًا داخل المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي لإضافة بند يهدف إلى تقويض استقلالية اللجنة من خلال إخضاع عملها لرقابة الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي. وقادت مصر أيضًا جهودًا ناجحة في الصيف الماضي للتراجع عن قرار بمنح صفة مراقب لمنظمة غير حكومية، هي تحالف السحاقيات الأفريقيات، بدعوى الحفاظ على «القيم الأفريقية».

عندما تولى السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي، حذرت جماعات حقوق الإنسان من أن رئاسته يمكن أن تقوض استقلال آليات حقوق الإنسان الإقليمية في القارة.

تقول جيتشينجو: «مصر هي المحرك الرئيسي لإضعاف مؤسسات حقوق الإنسان والمساءلة في أفريقيا. كل هذا يُعد جزءًا من مخطط كبير لتقويض اللجنة».

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس