بعد فضّ اعتصام السودان: كلما هدمت «الدعم السريع» المتاريس بناها الثوار من جديد
 
 

«جرى اعتقالي والاعتداء عليّ بعد أن رفعني جنود مسلحون على ظهر سيارة عسكرية، وضربوني بأعقاب البنادق. كان دمي يسيل غزيرًا على ملابسي، وكانت السيارة تتحرك إلى منطقة بري شرق الخرطوم. هناك رموني، [وأنا] أنزف على قارعة الطريق قبل أن ينقلني الثوار إلى مستشفى يستبشرون في المنطقة، وهناك أيضًا و[في] لحظة خياطة الجرح اقتحمت قوات المستشفى، لكن طبيبي المعالج أخفاني تحت المنضدة التي كان يعمل عليها».

يروي  بكري عثمان، 28 عامًا، الذي يلف رأسه ويده بالشاش الطبي، وقائع ما عاشه فجر أمس، الإثنين، في ساحة اعتصام القيادة العامة بالخرطوم عندما قامت قوات الدعم السريع بإطلاق كثيف للنيران، ثم فضّت الاعتصام بالقوة. ووصل عدد الضحايا إلى 35 قتيلًا، بحسب نقابة الأطباء السودانيين.

لم تكن مستشفى «يستبشرون» وحدها التي استقبلت جرحى فضّ الاعتصام ثم اقتحمتها قوات الدعم السريع، بل اقتحمت هذه القوات أيضًا مستشفيي «المعلم» و«رويال» القريبين نسبيًا من ساحة القيادة العامة، بحسب شهود عيان تحدثوا لـ «مدى مصر». في ما اُقتحم مستشفيا «شرق النيل» و«الجودة» البعيدان عن مقر الاعتصام، وذلك بعد إعلانهما الاستعداد لمعالجة جرحى الفضّ، وخلال الاقتحام تمّ الاعتداء على الأطباء. 

وقوات الدعم السريع، هي قوات غير تابعة للقوات المسلحة، ويترأّسها محمد حمدان دقلو الشهير بـ «حميدتي» والذي يشغل حاليًا منصب نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم للسودان. وعلى مدار أسابيع أقام المحتجون اعتصامًا في شارع القيادة وهو شارع رئيسي تصطف فيه البنايات الضخمة لقيادات أسلحة الجيش المختلفة بالعاصمة.

يقول الناشط مروان سعيد إن القوات التي هاجمت مقر الاعتصام حاصرت العيادات الميدانية في ساحة «القيادة العامة». مضيفًا: «شاهدتُ سيارة عسكرية أطلقت قذيفة على سيارة إسعاف داخل الاعتصام».

وبحسب المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين، إسماعيل التاج، فإن حالة الشلل التام في العاصمة وعدد من الولايات تشير إلى نجاح العصيان المدني الذي دعا له «المهنيين السودانيين» القائد الرئيسي للاحتجاجات، والذي يضمّ قوى إعلان الحرية والتغيير وهي الجهة التي تفاوضت خلال الفترة الماضية مع المجلس العسكري الحاكم في السودان.

كان تجمع «المهنيين السودانيين» قد دعا أمس لعصيان مدني شامل عقب فضّ اعتصام القيادة العامة، ولاحقًا جدّد التجمع دعوته لإضراب شامل عن العمل بعد عطلة عيد الفطر، والتي ستنتهي الأحد المقبل. بينما تستمر مشكلات في الاتصالات واستخدام الإنترنت لليوم الثاني على التوالي بكامل السودان. وقد مَثّل موعد العيد خلافًا بين المعارضة وبين المجلس العسكري الحاكم بعد الفضّ، فأعلنت الأولى العيد اليوم، الثلاثاء، بخلاف المجلس الذي اعتبره المتمم لرمضان.

ويقول إسماعيل التاج لـ «مدى مصر»: «العصيان الآن قياسه المبدئي ناجح، وسيكون تأثيره كبيرًا بعد انقضاء عطلة العيد المقررة الأحد المقبل». وتوقع التاج أن تدخل قطاعات مؤثرة في العصيان كالقضاة.

وبحسب التاج، يعيش السودان حالة غضب كبيرة تفاقمت بعد إعلان المجلس العسكري تخليه عن الاتفاق الذي وقعه مع قوى إعلان الحرية والتغيير، ويزيد من حالة الغضب هذه الاعتداءات المتكررة لقوات الدعم السريع ضد أي تجمعات للمواطنين في الخرطوم بإطلاق الرصاص الحيّ في الهواء، والجلد بالسياط.

كان المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير قد توصلا لتوافق مبدئي في منتصف شهر مايو الماضي على أن يكون هناك فترة انتقالية تمتد لثلاث سنوات، وتكوين مجلس تشريعي يضمّ 300 عضو من المدنيين. لكن لم يصل الطرفان لاتفاق بشأن شكل القيادة العليا أثناء الفترة الانتقالية. في المقابل، أعلن رئيس المجلس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان فجر اليوم، الثلاثاء، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي السوداني إلغاء كافة الاتفاقات مع قوى المعارضة، والاستعداد لإجراء انتخابات في غضون تسعة أشهر.

وذلك بعد أيام من زيارة رئيس المجلس العسكري الحاكم في السودان إلى مصر حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 25 مايو الماضي، ثم وصل الإمارات العربية المتحدة في اليوم التالي حيث قابل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد.

في مدينة بورتسودان شرقي البلاد، بدأ العاملون في الميناء الرئيسي إضرابًا مفتوحًا عن العمل. ويقول الموظف في هيئة الموانئ البحرية عبد اللطيف اوشيك: «بدأ العاملون في الميناء إضرابًا شاملًا عن العمل استجابة لدعوة المعارضة بالعصيان المدني، وتنديدًا بما حدث من فضّ اعتصام آلاف السودانيين أمام قيادة الجيش بالقوة».

قام المحتجون في الخرطوم بوضع الحواجز في الشوارع تنديدًا بعملية فضّ الاعتصام. «الخيار الوحيد الذي أمامنا هو هذه المتاريس وشلّ البلاد تمامًا مع إعلان المعارضة العصيان، وتراجع المجلس العسكري عن اتفاقه مع قوى المعارضة»، يقول بكري عثمان بينما يشارك في عملية بناء متاريس في حي جبرة جنوبي العاصمة.

العاصمة السودانية الخرطوم: متظاهرون يشعلون النار في إطار سيارات ويقيمون المتاريس في الطُرق المؤدية إلى مقر الجيش السوداني – 3 يونيو 2019 (Photo by Stringer/Anadolu Agency/Getty Images)

«العنف الذي شاهدته لحظة اقتحام مقر الاعتصام من قِبل قوات الدعم السريع وأُُصبت على إثره بعد اعتقالي هو عنف مفرط، ويجعلنا نصمم على مقابلته بوسائل أكثر سلمية»، يضيف بكري عثمان.

يقول ثلاث من ضحايا انتهاكات قوات الدعم السريع لـ «مدى مصر» إن عناصر القوات كانوا يجوبون منطقة الحلة الجديدة وسط العاصمة، ويزيلون المتاريس، ويعتدون على المواطنين. كما سطوا على هواتفهم المحمولة ونقودهم كذلك، بحسب الضحايا الثلاث.

ورصد «مدى مصر» اعتلاء عناصر قوات الدعم السريع لسيارات، وهم يحملون في يد الأسلحة، وفي الأخرى السياط، ويأمرون كل مَنْ يجدونه في الحي أو الشارع برفع المتاريس تحت تهديد السلاح. وعلى الرغم من محاولات قوات الدعم السريع رفع هذه الحواجز، إلا أن السيدات ولجان شباب الأحياء كانوا يتجمعون، ويعيدون بناء المتاريس من جديد، فكلما أُزيلت المتاريس نُصبت مجددًا.  

ودعا تجمع «المهنيين السودانيين» إلى اعتبار اليوم العيد، وأداء صلاة الغائب على أرواح قتلى فضّ اعتصام القيادة العامة، بعد صلاة العيد. واستجاب الآلاف من السودانيين لهذه الدعوة في عدد من المساجد والساحات العامة بالخرطوم، فضلًا عن عدد من المدن. لكن قوات الأمن أطلقت الغاز المسيل للدموع في عدد من المناطق وعملت على تفريق من لبّوا الدعوة بعد أداء الصلاة على أرواح قتلى الفضّ مباشرة، وذلك لمنعهم من التجمع والتظاهر، بحسب شهود عيان تحدثوا لـ «مدى مصر».

ويقول إسماعيل التاج لـ «مدى مصر» إن المجلس العسكري السوداني صار في مواجهة الشعب السوداني، وذلك بعد اقتحام اعتصام القيادة العامة وفضّه بالقوة المفرطة، وإعلان رئيس المجلس إلغاء الاتفاق مع «الحرية والتغيير»، فضلًا عن إشادته بالقوات المُقتحمة التي أزهقت بعض أرواح المعتصمين. مضيفًا: «الشعب السوداني لن يصمت على هذه الانتهاكات الصارخة بحقه من قِبل العسكريين، [وستعمل] قوى إعلان الحرية والتغيير على تصعيد الموقف حتى تحقيق [مطالب الشعب بتولي] حكومة مدنية».

خيام المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية بعد فضّ الاعتصام - المصدر: صفحة #مدن_السودان_تنتفض على فيسبوك

اعلان