حضور

يأسرني العاديُّ. لعلّي قد انجذبت دومًا إلى الخلفيات الساكنة. أتذكر وأنا طفلة أتطلع من نافذة السيارة وأفكر دائما في الأماكن والأبنية التي كنا نمر بها. كنت أنشئ قصصًا في رأسي: من عاشوا هناك وماذا فعلوا. أسرتني تلك الأشياء. وكنت دائمًا على وعي بالمكان وسرديته.

أنا مُراقِبة. أعيش حياتي من خلال الصور. تتشكل القصص في ذهني كسلسلة من الصور أكثر من كونها نصوصًا، وعملي هو معارضة مباشرة لمجتمعنا سريع الخطو. ويعكس استخدام التصوير التناظري هذه المعارضة.

تدور أطروحتي، التي تحمل عنوان «حضور»، حول توثيق البيوت العائلية الإماراتية، تحديدًا في دبيّ والشارقة وعجمان، عبر المراحل المختلفة لهجرانها. أي بدءًا من المراحل الأولى لترك البيوت ومرورًا بعملية الانتقال حتى اكتمال الهجران.

وتتنوع الأحياء التي جرى توثيقها من أحياء شبه مهجورة –بها أناس على وشك الانتقال إلى بيوت أحدث– إلى تلك الأحياء التي سيتم هدمها قريبًا. تمثل هذه التصميمات الداخلية ثقافة شابة نشأت بعد ازدهار النفط منذ حوالي ثلاثين سنة. والآن مع هيمنة الحاجة لأن نكون من أهل «الحداثة»، يبدو الانقراض الثقافي حتميًا وتتشكل هوية جديدة.

البيوت أو الأبنية المُقدَّمة في هذا المشروع تستتبع مجموعة من السمات. فبعضها حديثة الإخلاء، بينما بعضها الآخر مهجور منذ زمن بعيد. وقد حول الاتجاه الحالي نحو التحديث البنية التحتية القديمة والتقليدية إلى منتجعات شاطئية ومجمعات سكنية إيجارية، وحتى إلى مراكز تسوق.

إن مفهومنا عن الوقت مختلف للغاية في بعض أجزاء العالم، حيث مازالت البيوت التي بلغت من العمر مائة عام تُعتبر بيوتًا حديثة. أما هذه البيوت الإماراتية، على العكس، فقد اعتُبرت أقدم من اللازم في سن العشرين أو حتى الخامسة وعشرين.

لقد فتنني هذا.

هذا النمط من العقليات، في منطقتي، كان هو القوة الدافعة للقيام بهذا المشروع على مستوى أعمق. للاشتباك مع مفهوم الناس عن الوقت، وربما للاحتفاء أو رثاء هذه الأماكن التي شعرت بأنها لم تُعتبر هامة بما يكفي للحفاظ عليها أو توثيقها.

كنت مهتمة بهذا التاريخ الجديد، كما أحب أن أسميه، التاريخ الذي لم يحظَ أبدا بفرصة أن يثبت نفسه كشيء له قيمة تاريخية.

كان الشروع في القيام بهذه القصة تحديًا. فالناس لا يحبون فضح حياتهم في مساحاتهم الخاصة. ونحن مجتمع مترابط وذو توجه أسري ومحب للخصوصية. انتهاك الناس لمساحاتنا الشخصية وعرضها للعالم ليس فكرة مُرَّحبًا بها أبدًا.

بيت عائلتي جزء من مجمع فيلاَّت صغير، يضم عائلتي الصغيرة والممتدة. كانت قد مرت ستة أعوام منذ أن انتقلنا إليه عندما أدركت لأول مرة أن بيت والديّ، الذي كان على مبعدة خطوات فقط، كان يربض منعزلًا، ويتداعى تدريجيًا.

قمت بتوثيق بيت عائلتي طوال العِقد التالي، حتى تم هدمه رسميًا. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي وضعت فيها قدمي في بيت عائلتي.

أعتقد أن تصوير بيت عائلتي، وسط بيوت أخرى، كان بمثابة لحظة محورية بالنسبة لي. فقد أدركت أن التغير كان ومازال حتميا، وأن هذا التوثيق ساعدني في العثور على إحساس بالتوازن والتحكم.

 

Read in English
 
 
اعلان
 
 
لمياء قرقاش 
 
 
More from Panorama