صاروخان وطائرة حربية في الأجواء.. ماذا حدث في «الجورة»؟
 
 
انفجار في سيناء - المصدر: صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك
 

بينما كان الشيخ خلف حسن يتوضأ في منزله بقرية الجورة، جنوبي مدينة الشيخ زويد، استعدادًا للذهاب لرفع أذان العصر بالمسجد الذي يُشرف عليه، وقع انفجار كبير، يوم الإثنين الماضي، في أحد جوانب المنزل وذلك قُرب الساعة الثالثة إلا الربع عصرًا.

في التوقيت نفسه كان الشاب حسام القواسمة، يحل ضيفًا منذ الصباح على أحد أصدقائه من أبناء القرية دعاه لتناول الإفطار، القواسمة هو ابن قبيلة الرياشات ويقيم شمالًا، في وسط مدينة الشيخ زويد نفسها.

كان القواسمة ضمن المتطوعين الذين هرعوا تجاه موقع الانفجار في منزل الشيخ خلف، فقاموا بإخراج الشيخ وأسرته من بين الأنقاض، فيما بقى نجل الشيخ تحت الركام. حاول المجتمعون إخراج نجل الشيخ، لكن صاروخًا آخرًا استهدف التجمع، ليلفظ نجل الشيخ، وحسام القواسمة، واثنين آخرين أنفاسهم الأخيرة تحت الركام، ويصاب 12 آخرين بينهم طفلان بإصابات وُصفت بالحرجة للغاية، بحسب رواية الأهالي الذين تحدثوا لـ «مدى مصر».

حدث في «الجورة»

قرية الجورة هي واحدة من أهم قُرى مدينة الشيخ زويد، وتبعد عن قلب المدينة قرابة 10 كيلومترات جنوبًا، لما تحتويه من معالم هامة؛ مثل «الزاوية» التابعة لأحد الطُرق الصوفية، ومطار الجورة العسكري؛ التابع لقوات حفظ السلام متعددة الجنسيات.

وبحسب إحصاء تعداد سُكّان قرى الشيخ زويد الصادر عن مركز معلومات ديوان عام محافظة شمال سيناء في 2014، يبلغ عدد سكان القرية 3073.

مثلها مثل كل قُرى جنوب الشيخ زويد، تآكلت الكتلة السكنية للقرية بعد هجمات الأول من يوليو 2015، عندما حاول تنظيم «ولاية سيناء» آنذاك السيطرة على مدينة الشيخ زويد بالكامل، وحينها بدأ التنظيم هجماته بتفجير أكبر كمينين في منطقة الجنوب واللّذين يقعان في نطاق قرية الجورة وهما «أبو رفاعي»، و«السدرة»، وبتفجيرهما صار الطريق ممهدًا إلى قلب المدينة.

تمثّل قرى جنوب الشيخ زويد محورًا رئيسيًا في الحرب بين الجيش و«ولاية سيناء»، بسبب نشأة التنظيم -في الأصل- بهذه القُرى التي اتخذها مركزًا، وموقعًا للتجمع والانطلاق لتنفيذ هجماته التي بلغت ذروتها خلال عامي 2015 و2016. كما شهدت حربًا حقيقية اُستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة والمعدات الحربية، من صواريخ طائرات حربية بدون طيار، وقذائف مدفعية، واشتباكات بالأسلحة الآلية بكل أنواعها التي يستخدمها الطرفان.

اضطر أهالي قُرى الشيخ زويد للنزوح وترك منازلهم بعد الخسائر التي طالتهم في حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. تنوعت خسائر المدنيين بين تجريف مزارع، وتفجير وتضرر منازل، واعتقالات من قِبل أجهزة الأمن أو اختطاف «ولاية سيناء» للأهالي.

وفي نهاية 2016، أغلقت أجهزة الأمن كل الطُرق المؤدية إلى جنوب الشيخ زويد بسواتر ترابية، وفصلت الجنوب بالكامل عن المدينة.

رغم كل تلك الأهوال التي مرّ بها أهالي الجورة، وما حولها من قُرى؛ أبوالعراج والظهير والعوايضة، إلا أنهم يتمسكون بالبقاء هناك، ربما يرجع السبب الرئيس لذلك وجود الزاوية الصوفية وما تمثّله من قيمة معنوية.

عامل آخر كان له الأثر في بقاء هؤلاء في منطقة جنوب الشيخ زويد رغم خطورتها، وهو أن معظمهم من عشيرة «الخلفات» أحد عشائر قبيلة السواركة العريقة في المنطقة، والتي ينتمي إليها تاريخيًا الشيخ خلف الخلفات أحد أهم رموز القبيلة في التصدي للاحتلال الإسرائيلي بعد 1967، والذي يقيم بها نجله الشيخ حسن، الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع أجهزة الأمن لدوره المميز في مكافحة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء إبان حرب أكتوبر 1973، وكان له دور بارز في إقناع أجهزة الأمن بالإبقاء على بعض تلك التجمعات في منطقة جنوب الشيخ زويد، بحسب أهالي من قرية الجورة تحدثوا لـ «مدى مصر».

وظهرت مقاتلة حربية

بعد استهداف منزل الشيخ خلف في الجورة بدقائق، ظهرت مقاتلة حربية في الأجواء، وهو ما دفع الأهالي لترجيح أن تكون هذه المقاتلة مُطلِقة الصاروخين.

بحسب رواياتهم، فالأهالي مقتنعون أن هناك خطأ ما حدث، ولكنهم يستنكرون وقوع حادثة مشابهة في محيط منطقتهم، التي تعتبر قلعة عسكرية لما يُحيطها من كمائن عسكرية حَصينة، يقع أحدها قرب المنزل المستهدف، والذي هرع إليه الأهالي الإثنين الماضي كملاذ آمن لهم بعد سقوط الصاروخين. كما أن الموقع يقع على الطريق المؤدي إلى مطار الجورة التابع لقوات متعددة الجنسيات وهو مؤمن بشكل عالٍ للغاية، فضلًا عن أن المنطقة لم يحدث فيها أي هجمات أو اشتباكات منذ سنوات ولا يوجد بها أو في محيطها عناصر إرهابية.

وحتى الآن لم يصدر بيان عن المتحدث العسكري حول واقعة إطلاق صاروخين على منزل بقرية الجورة. لكن بحسب رواية أهالي من قرى الشيخ زويد، فإن الهجوم يتشابه مع الأسلوب المتبع -في بعض الأحيان- من قِبل القوات المسلحة في استهداف تجمعات العناصر المسلحة سواء بالمدفعية أو بالطائرات المقاتلة أو بدون طيار، وهو أن يتبع الصاروخ أو القذيفة وقتًا، ثم يتجدّد استهداف الموقع نفسه، وذلك في حالات استهداف تجمعات العناصر المسلحة لإيقاع أكبر عدد من الخسائر، بحسب الأهالي أيضًا.

تسبب الصاروخان في سقوط أربعة قتلى و12 مصابًا، نُقلوا بواسطة سيارات الأهالي إلى مستشفى الشيخ زويد المركزي، بسبب صعوبة نقلهم بالإسعاف لأنها تحتاج تنسيقات أمنية لدخول قُرى الجنوب، فضلًا عن بُعد المسافة التي تصل لقرابة 10 كيلومترات بين موقع الحادث ومستشفى المدينة.

من داخل مستشفى الشيخ زويد المركزي نُقلت أربعة جثامين وتسعة مصابين إلى مستشفى العريش العام، الأكثر تطورًا وتجهيزًا، وثلاث إصابات قدمت لها الإسعافات الأولية داخل «الشيخ زويد».

وبحسب روايات شهود العيان، فإن الكمين العسكري القريب من موقع الانفجارين هو أول ما لجأ إليه الأهالي، مؤكدين أن الضابط المسؤول أرسل إشارة لكل الكمائن في الطريق لكي تكون مفتوحة أمام سيارات الأهالي التي تنقل المصابين. كما حمل هذا الضابط المصابين ووضعهم في السيارات، وبكى مع الأهالي أثناء حمل الجثامين ونقلها، بحسب الشهود الذين أكدوا لـ «مدى مصر» أن هناك تعاونًا متبادلًا بين الأهالي جنوب الشيخ زويد والكمائن العسكرية بالمنطقة، والتي «تسمح لهم بالتحرك ليلًا وزيارة بعضهم البعض حتى أوقات متأخرة في المساء»، بحسب الأهالي.

في المستشفى

توجه محافظ شمال سيناء محمد عبد الفضيل شوشة، الثلاثاء الماضي، لزيارة مصابي الجورة المتواجدين بمستشفى العريش العام. دون صدور بيانات رسمية عن هجوم الصاروخين، والجهة المسؤولة عنه.

في مستشفى العريش تحدث الشيخ عيد عايش، أحد أهالي القرية الذين أصيبوا في الحادث مع «مدى مصر»، ورغم إصابته وفقدانه آخر من أسرته قال: «كيف ضيفنا يموت وسطنا؟» [مشيرًا لحسام القواسمة].

قريبًا من الشيخ حسن، يرقد الطفل أحمد محسن مصابًا بشظايا متفرقة في ظهره، ويقول إنه كان في طريقه لابن عمه حاملًا ملابس العيد التي اشتراها والده، ليفاجأ بالانفجار الأول، فيهرع مع الأهالي لنجدة من تضرروا، قبل أن يستهدف الانفجار الثاني المجتمعين، فلا يشعر محسن بشيء سوى وأطباء مستشفى الشيخ زويد يحاولون إسعافه.

بعد حادثة الإثنين الماضي، فقد أهالي الجورة تجمعًا مهمًا لهم في مَضيفة الشيخ خلف التي أقامها أمام منزله، والتي كان كل رجال القرية يتجمعون فيها كل يوم لتناول وجبة الإفطار خلال شهر رمضان، وكانت المضيفة قِبلة الأهالي قليلي العدد ممَن صمدوا وبقوا في القرية، للحديث والتسامر يوميًا، تحوّلت المَضيفة بعد هجوم الصاروخين إلى ركام، فيما تحوّل المنزل إلى أنقاض.

في هدوء تام، الثلاثاء الماضي، دفن أهالي قرية الجورة ثلاثة ممَن قتلوا في هجوم الصاروخين، وجميعهم من عشيرة الخلفات التابعة لقبيلة السواركة، أما في الشمال دفن أبناء قبيلة الرياشات ابنهم حسام القواسمة.

فيما يستمر تواجد بعض أهالي «الجورة» في مستشفى العريش العام يرافقون ذويهم المصابين.

وبحسب إحصاء لمديرية التضامن الاجتماعي في محافظة شمال سيناء، اطلع «مدى مصر» على نسخة منه، قُدر عدد المدنيين الذين قُتلوا في شمال سيناء بطلقات عشوائية وقذائف مجهولة المصدر في الفترة من يوليو 2013 إلى منتصف 2017، بـ 621 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وبلغ عدد المصابين 1247 شخصًا.

اعلان