بالإنفوجراف: في مشروع الموازنة الجديدة.. «الدعم» محتاج دعم
 
 

«حسناء» سيدة أربعينية هربت مع وزوجها من فقر وعوز عاشا فيه في الصعيد إلى القاهرة طلبًا للرزق، ثم لقي زوجها حتفه بعد عام من انتقالهما للعاصمة، ولم يترك لها شيئًا سوى طفلين، فلم تجد السيدة بدًا من العمل وراحت تطرق أبواب شقق أحد المجمعات السكنية بالجيزة يوميًا طلبًا للعمل في مساعدة ربات المنازل.

ولم تكن حسناء تجد أبواب الرزق مفتوحة على الدوام، ولكنها لم تكل يومًا من طرق الأبواب، وبابتسامة حزينة تقول: «باشتغل عشان أجيب لأولادي الغموس، الحكومة مبتديناش غير العيش حاف»، في إشارة منها إلى عدم كفاية الدعم الذي يصرف على بطاقة التموين لتلبية احتياجات أطفالها الغذائية.

ورغم أن الحكومة لا توفر لحسناء وطفليها سوى الخبز، على حد قولها، إلا أن مشروع موازنة العام المالي الجديد، 2019-2020، الذي يناقشه البرلمان حاليًا، شهد تخفيضًا في مخصصات الدعم.

والأصل في تقديم الدعم الحكومي هو تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية من خلال تقديم سلع وخدمات أساسية بأسعار مخفضة، على رأسها السلع التموينية والخبز والوقود والكهرباء، على أن تتحمل الحكومة الفرق بين السعر المدعم وسعر التكلفة. كما تشمل ميزانية الدعم الحكومية أنواع من المساعدات النقدية للفئات الأكثر احتياجًا.

«احنا مش في دماغ الحكومة»، كما تقول حسناء، معبرة عن شعورها بالتهميش، وهو ما يترجمه الإنفاق على الدعم في مشروع «أضخم موازنة في تاريخ مصر» كما يصفها وزير المالية محمد معيط.

وخفضت الحكومة المبالغ التي توجهها للدعم في العام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو المقبل، بما يقرب من 600 مليون جنيه مقارنة بالعام الجاري، لتصل مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية إلى نحو 327.7 مليار جنيه في الموازنة الجديدة. وهذا التخفيض يعد الثاني على التوالي لمخصصات الدعم، حيث شهد العام الجاري أيضًا تقليصًا بنحو مليار جنيه لتلك المخصصات مقارنة بالعام السابق.

ويعني تراجع الإنفاق على الدعم انخفاض نصيب مستحقي الدعم والحاصلين عليه، مثل حسناء، من الإيرادات العامة للدولة المملوكة لهم، والمفترض أن تعود عليهم.

ويشير البيان المالي لمشروع موازنة العام الجديد إلى تراجع  مخصصات الدعم والمزايا الاجتماعية أيضًا كنسبة من الناتج الإجمالي المحلي وليس فقط كرقم مطلق،  بواقع 1% مقارنة بالعام المالي (2018-2019)، لتصبح نسبة مخصصات هذا البند نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المستهدف للعام المالي الجديد.

التموين

دعم السلع التموينية هو أهم بنود الدعم الحكومي بالنسبة للمواطنين، ويستحوذ دعم الخبز على أكثر من نصف مخصصاته، وتقدر أعداد المستفيدين من الدعم التمويني بنحو 63 مليون مواطن، وفقا للبيان المالي لمشروع الموازنة العامة.

وبناء على هذا الدعم، يحصل حملة البطاقات التموينية على سلع بقيمة 50 جنيهًا شهريًا لكل فرد مقيد على البطاقة، بينما يحصل كل فرد إضافي مقيد فوق هذا العدد على دعم بقيمة 25 جنيهًا للفرد شهريًا.

وبالرغم من أن أرقام هذا البند في زيادة مستمرة سجلتها موازنات السنوات الخمس الماضية إلا أن مقارنة الزيادات في مخصصات السلع التموينية تبدو صورية إذا ما قورنت بمعدلات التضخم في أسعار المستهلكين، بينما من المفترض أن تتحرك زيادات الدعم التمويني بالتوازي مع معدل التضخم، لأنها توفر الحاجات الغذائية الأساسية للمواطنين.

وتتخذ العلاقة بين الدعم التمويني والتضخم هذا الشكل خلال السنوات الماضية، حيث كانت زيادة المخصصات تقل عن معدل التضخم بنسبة تتراوح بين 1 إلى 3%، ثم قفزت هذه الفجوة بشكل كبير خلال عام 2016-2017، وهو العام الذي شهد قرار تحرير سعر الصرف وفقدان الجنيه ما يقرب من نصف قيمته أمام الدولار، فقد سجلت فيه مخصصات دعم السلع التموينية زيادة لم تتجاوز 11.2%، فيما وصل متوسط معدل الزيادة في أسعار السلع والخدمات في نفس العام 23.4%.

ثم قفزت الزيادة في مخصصات السلع التموينية في العام التالي بنحو 69%، في محاولة لتعويض الأثر المتراكم لزيادة الأسعار، حيث شهد العام التالي لعام التعويم زيادات جديدة في معدلات ارتفاع الأسعار وصلت إلى 22% في المتوسط، فوق الزيادة التي حدثت بالفعل في عام التعويم، وارتبطت بذلك ارتفاع فاتورة استيراد السلع التموينية من الخارج بعد تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، إلى جانب قرار زيادة مخصصات الدعم الممنوح من 21 إلى 50 جنيهًا للفرد.

وتستهدف موازنة العام المالي المقبل زيادة مخصصات السلع التموينية بنسبة 2.2% عن مستواها في العام الحالي، لكن هذه الزيادة لا تقارن بمعدلات تضخم تدور حول 14.5% في المتوسط خلال عام 2019، كما تشير التوقعات، خاصة مع ارتفاعها المنتظر بعد تقليص الدعم على الكهرباء وإلغائه على معظم أنواع الوقود في يونيو المقبل، والذي سيؤثر على أسعار مختلف السلع والخدمات، نظرًا لأن تكلفة النقل جزء أساسي من تكاليف الإنتاج والتوزيع.

البنزين

«أنا مش حمل تكلفة  المواصلات»، تقول حسناء التي تعمل يومًا وتتعطل آخر، وتخشى توسيع نطاق بحثها الجغرافي عن الرزق وتكتفي بنطاق مجمعها السكني توفيرًا لنفقات المواصلات قائلة: «مبركبش مواصلات غير في المشاوير الضرورية البعيدة».

ربما لا تعلم حسناء أنها قد لا تتمكن مستقبلًا من تحمل كلفة هذه «المشاوير الضرورية» بسبب عزم الحكومة خفض دعمها للمواد البترولية خلال العام المالي المقبل بنحو 40.5% مقارنة بالعام الجاري، كما يتضح من البيان المالي لمشروع الموازنة الجديدة.

ويمثل المبلغ المخصص لدعم المواد البترولية قيمة ما تتحمله الدولة نتيجة بيعها لأنواع الوقود المختلفة بأسعار تقل عن تكلفة توفيرها للسوق المحلي سواء عن طريق الإنتاج المحلي أو الاستيراد.

ويرتبط تخلُص الحكومة من دعم المواد البترولية بالتزام مصر ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي حصلت بموجبه على قرض من صندوق النقد الدولي، ويتضمن الاتفاق خفض الدعم الموجه لكافة أنواع الوقود، باستثناء «البوتوجاز ووقود المخابز والوقود المستخدم في محطات الكهرباء»، كما تشير وثائق صندوق النقد.

وفي الوقت الذي يتم فيه خفض دعم المواد البترولية، لم تشهد مخصصات دعم نقل الركاب أي زيادة، حيث بلغت قيمة هذا الدعم في مشروع الموازنة الجديد نحو 1.9 مليار جنيه، وهي نفس المخصصات المقدرة للعام المالي الحالي.

ويمثل دعم نقل الركاب المخصصات المالية التي تغطي الفارق بين التكلفة الحقيقية لخدمات النقل العام المختلفة وبين السعر الذي تقدم به للمواطنين، وتوجه تلك المخصصات بالأساس إلى هيئتي نقل الركاب بالقاهرة والإسكندرية، واشتراكات الطلبة على خطوط السكك الحديدية ومترو الأنفاق، إلى جانب دعم خطوط السكك الحديدية المدعمة بالمحافظات المختلفة (لا تشمل الخطوط «الاقتصادية»).

ويعني تثبيت الدعم الموجه لنقل الركاب رغم الارتفاع المنتظر في أسعار الوقود أن خفض دعم المواد البترولية يقود نحو احتمالين إما زيادة الأعباء المالية على الهيئات التي تقدم خدمات النقل العام، أو رفع سعر تقديم الخدمة للمستخدمين.

المزايا الاجتماعية

التدقيق في بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بمشروع الموازنة يظهر نوعًا من الكوميديا السوداء في تعامل الحكومة مع مفهوم الدعم لبعض الخدمات، فمثلًا تدعم الموازنة بند التأمين الصحي على 23.4 مليون طالب بمخصصات تقدر بـ 351 مليون جنيه، بما يعادل 15 جنيه سنويًا لكل طالب.

بينما تبلغ تقديرات دعم التأمين الصحي على المرأة المعيلة في مشروع الموازنة 166 مليون جنيه، تغطي 830 ألف سيدة، بما يعادل 200 جنيه سنويًا لكل سيدة،

أما التأمين الصحي على الأطفال دون السن المدرسي فبلغ الدعم الخاص به 227 مليون جنيه، لرعاية نحو 15 مليون طفل، أي أن حصة كل طفل من دعم التأمين الصحي تصل إلى 15 جنيهًا، كما تدعم الموازنة التأمين الصحي للفلاح بواقع 200 جنيه سنويًا.

وتمتد هذه الحالة في تعامل مشروع الموازنة مع الدعم النقدي الممنوح للفئات الأولى بالرعاية.

ففي الوقت الذي يحدد فيه البنك الدولي خط الفقر بـ1.9 دولار في اليوم، بما يوازي نحو 1000 جنيه شهريًا بسعر الدولار الحالي، يتم منح مساعدات الضمان الاجتماعي بواقع 323 جنيهًا شهريًا للأسر المكونة من فرد واحد، و360 جنيهًا للأسر المكونة من فردين، وتصل هذه المساعدات إلى 450 جنيه للأسرة من أربعة أفراد فأكثر.

ولا يختلف معاش «كرامة وتكافل» عن مساعدات الضمان الاجتماعي، إذ يبلغ الحد الأقصى الممنوح شهريًا للأسرة بموجب هذا المعاش 450 جنيهًا، بما يعادل تقريبًا نصف الدخل الشهري المعتمد من البنك الدولي كخط للفقر.

وفي الإجمال تبلغ اعتمادات الأمان الاجتماعي بمشروع الموازنة 18.7 مليار جنيه، في حين تصل معدلات الفقر في مصر إلى 30% من السكان، بما يعادل نحو 30 مليون نسمة، وفقا للنتائج الأولية ﻷحدث بحوث الدخل والإنفاق التي تجريها الدولة، مما يؤكد أن هناك الكثيرين لا يتمتعون بالحماية التي يفترض أن توفرها الدولة.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل