أمسية في اقتفاء الأثر
 
 

غريب أن تبدأ علاقتك بشخص بعد اختفائه. بدأتُ علاقتي بمصطفى ماصوني في نهاية 2015. كانت قصة مصطفى مألوفة بالطبع بالنسبة لي قبل ذلك الوقت [يونيو قبل نحو أربعة أعوام] فهو أحد المختفين قسريًا. خرج ليشتر بعض الطعام، وحتى الآن،لم يعد. ربما تأثرتُ بقصته لأنه شاب، لكن في النهاية هو أحد العشرات الذين اختفوا قسريًا في مصر. لكنها ليست كل الحكاية؛ فبنهاية 2015، أصبح اسم مصطفى يدور في دائرتي الضيقة؛ أصدقائي يبحثون عنه، لأنه أيضًا صديقهم.

ما يميز الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي عمومًا أنها أصبحت الذاكرة الجديدة لنا جميعًا، بقصد أو بدونه. نحن نحتفظ بأجزاء من تاريخنا وحياتنا هناك. وحتى حين تنتهي مراحل ما من حياتنا، أو تنتهي علاقتنا بأشخاص، نظل نقتفي أثرهم على الإنترنت، ونبحث عن تلك النسخة من أنفسنا التي ربما تحوّلت أيضًا إلى مجرد غنوة، أو صورة، أو فيديو «سنابشات».

عرفني الإنترنت على حساب لمصطفى ماصوني على «ساوندكلاود». مصطفى الذي كان مونتير فيديو يقوم بدمج توزيعات أغانٍ ويضعها على حسابه. استمعتُ إلى بعض «التراكات»، ولكنني تعلقتُ كثيرًا بـ «ريمكس» لمغنٍ أحبه كثيرًا، وهو توم وايتس، وأغنيته Green Grass. في الأغنية يغني وايتس لحبيبة تركته أو تركها يطلب منها أن تتذكره، أن تتذكر لحظاتهما معًا، ويرسم صورة للعشب الأخضر في أجواء بين الشتاء الممطر والربيع المزدهر، ربما تعكس هذه العلاقة المرتبكة. ثم يقول لها إنها لن تتحرر منه أبدًا. في ريمكس مصطفى هناك صوت نسائي يردد ما يقوله وايتس ربما لملأ فراغ الصورة، أو فراغ الوحدة عند الحبيب المتألم.

وايتس كان مُحقًا في أننا لا نتحرر أبدًا من أحبائنا، فمَنْ رَحَلَ باختياره أو رغمًا عنه سيترك دائمًا أثره.

الأغنية كما أعدّها ماصوني:

الأغنية الأصلية:

الصورة: هدير المهدوي (أكتوبر 2017). مُهداة إلى مصطفى ماصوني، وهي مشهد متخيّل لأغنية توم وايتس التي ولّفها ماصوني

24 يناير 2015، لازلتُ أتذكر ذلك اليوم جيدًا، كنتُ أمرّ بفترة عصيبة ومربكة للغاية في حياتي، تلقيتُ الخبر -وأنا عند صديقة لي- بالتدريج. في البداية تواردت الأخبار عن تعرّض شيماء الصباغ لإصابات بالغة في فضّ مظاهرة في ذكرى الثورة في وسط القاهرة، وبعد دقائق تأكّد الخبر: قُتلت الصباغ على يد ضابط شرطة، حكم عليه بالسجن لاحقًا بعشر سنوات، ولكن لأن هذا الحكم لم يكن عادلًا، ولأنه لم يعِد شيماء للحياة، فهو بالتأكيد ليس الأثر الذي تركته الناشطة السكندرية، التي خلفت ابنًا عُمره سنوات معدودة.

قابلتُ شيماء أكثر من مرة في الإسكندرية، لم نكن أصدقاء مقربين، ربما ندمتُ على هذا الأمر بعد وفاتها، لكنني كنتُ في وقت ما قريبة من الأسرة. قضية قتل شيماء كانت قضية سياسية دولية تعكس قمع الشرطة للمتظاهرين السلميين في مصر. كتب الجميع عنها، وانتشرت فيديوهات لها وهي تقود مظاهرات هاتفة للحرية، ذلك الصوت الحيّ في هذه الفيديوهات هو بالتأكيد أثر للناشطة الراحلة، وأثر للثورة المهزومة أيضًا. لكن الأثر بالنسبة لي هو شيء حميمي، فلم تربطني هذه الفيديوهات بشيماء. ولكن ما ربطني بها هو مجموعة فيديوهات شخصية، نشرتها أسرتها لها في مناسبات مختلفة، فيديوهات حيّة صُوّرت لها وهي تغنّي وتضحك، وتلاعب طفلها الصغير، وتقوم بتعبيرات مضحكة، في الحقيقة تشبه شيماء الفتاة اللطيفة الخفيفة التي عرفتُها.

فيديو لشيماء الصباغ وهي تغنّي:

فيديو آخر لشيماء:

فيديو خاص بأسرة شيماء،  أرسلته إلى «مدى مصر».

في العام 2016، شاهدتُ الفيلم التسجيلي Amy عن قصة حياة المغنية الإنجليزية إيمي واينهاوس، والذي أُنتج في العام 2015، وهو واحد من أفضل الأفلام التسجيلية التي رأيتها في حياتي، يحكي عن حياة صاخبة ومربكة لفنانة موهوبة ومضطربة تنتهي بانتحارها. فكرتُ كثيرًا بعد مشاهدة الفيلم أنه لم يكن من الممكن أبدًا أن يخرج هذا الفيلم بهذه الصورة بدون العدد الهائل من الفيديوهات التي صوّرها أصدقاء وزملاء إيمي لها في حياتها اليومية، حين تشاهد الفيلم ستشك كثيرًا أنه فيلم تسجيلي، بل ستشعر أنها تمثّل حياتها ورحيلها بنفسها.

قام مخرج الفيلم الموهوب آصف كاباديا باقتفاء أثر واينهاوس ببراعة شديدة، ليبق هذا الفيلم هو الأثر الذي تركته الراحلة إيمي، على الأقل بالنسبة لي. تلك الفيديوهات الشخصية هي التي جعلتها حيّة بعد ثمان سنوات من وفاتها، كل المشاهير بالطبع يتركون أثرًا عبر ما ينتجونه من أعمال فنية، لكنها ليست بحميمية وحيوية تواجد إيمي واينهاوس في هذا الفيلم.

في يوليو 2012، جاءتني واحدة من تلك المكالمات الهاتفية التي لا تتوقعها، ولا تحبها؛ جاءني خبر وفاة صديقي المخرج الشاب محمود فرج.

عرفتُ الخبر المفجع في المساء، وفي اليوم التالي ذهبتُ إلى محطة القطار، كي ألحق بالقطار التالي المتجه إلى الإسكندرية، ولم أجد تذاكر فاضطررتُ لركوب الأتوبيس الذي يستغرق وقتًا أطول، ما عَنى ساعات أطول مؤلمة من الحزن وحيدة، قبل اللحاق بالجنازة، التي ستمنحني وتمنح الأصدقاء فرصة للمواساة ولمشاركة الحزن والصدمة.

كانت تلك المرة من المرات القليلة التي شعرتُ فيها بمعنى فقد عزيز، وكان لمحمود أثرًا طاغيًا في الحقيقة، من الصعب الهروب منه، فمحمود الذي ربما كنتُ أقابله كل فترة زمنية طويلة. شاركني حدثًا لا يمكن تجاهله، فقد شاركني يوم مولدي، لذا فأثره ليس فقط في تجاربه السينمائية القصيرة، كتلك التجربة التي يحكي فيها بصوته لحظة القبض عليه أثناء الثورة، وليس في صوره الملونة التي تشبه شخصيته المرحة. ولكن هناك ذلك الأثر القاسي والمحبب في نفس الوقت في نوفمبر من كل عام، حيث يرسل لي تمنياته الطيبة مثلما أرسل له أمنياتي وتحياتي أينما كان.

فيلم بصوت محمود فرج:

المخرج الراحل محمود فرج

يقولون إن الشخص ينتهي حين ينساه الجميع. في فيلم الرسوم المتحركة Coco والذي يسعى فيه طفل صغير لاقتفاء أثر جده الفنان المكسيكي الشهير، تقوده الصدفة إلى عالم سفلي غرائبي يبقى فيه الراحلون من الدنيا، طالما يتذكرهم مَنْ يحبونهم، وحين ينسونهم، يختفون للأبد.

أغنية فيلم Coco:

اعلان
 
 
هدير المهدوي