توتنهام وليفربول.. هل سيطرت إنجلترا على أوروبا؟

«السلطة الكاسحة التي حصلت عليها التمريرة بفضل بارسا جوارديولا قد انتهت، وكرة القدم قد عادت إلى شكل أقرب للهجين، شكل يعبر عن المهارة والبدنيات بنفس القدر.. حتى جوارديولا نفسه قام بتعديل أسلوبه إلى حد ما، أما كلوب فقد أوفى بالوعد الذي أطلقه عندما أتى إلى إنجلترا.. أعاد الكرة الإنجليزية للإنجليز» – جوناثان ويلسون في تحليله لمباراة ليفربول وبرشلونة – جارديان.

نعم؟

اجتمع أرجنتيني وألماني وإسباني وإيطالي في نهائيات أقوى بطولتين أوروبيتين فقالوا إن الكرة الإنجليزية عادت للسيطرة على القارة. هذه ليست نكتة بل الواقع؛ نحن نتحدث عن مباراتين سيشترك فيهما 9:8 لاعبين إنجليز على أقصى تقدير من أصل 44 لاعبًا، ويدربهم ألماني يعشق الضغط، وأرجنتيني من تلاميذ بييلسا، وإسباني يلعب على التحولات، وإيطالي ليس إيطاليًا بمعايير الكرة، واقع في غرام لعبة الاستحواذ.

لدينا عدة مشاكل هنا؛ أولًا، العبارة الماضية على قدر من السطحية، لأننا لو طبقنا نفس المعايير على إيطاليا مثلًا وافترضنا أن نابولي ويوفنتوس تلاقيا في نهائي دوري الأبطال، فإن واحدًا من الفريقين فقط يلعب على الطريقة الإيطالية التقليدية، وحتى لو كان كلا المدربين يحمل الجنسية نفس، وإذا عدنا بالزمن لـ 2016 فسنكتشف أن نهائي ميلانو أيضًا لم يحمل شيئًا من طريقة الإسبان في لعب الكرة رغم أن طرفيه من مدريد. هناك مدرب فرنسي فشل الجميع تقريبًا في تحديد أسلوب لعبه، وآخر أرجنتيني يلعب بأسلوب إيطالي متطرف لدرجة أنه يثير حفيظة الطليان أحيانًا، ناهيك عن حقيقة أن ريال مدريد الذي فاز بالبطولة لثلاث نسخ متتالية، لم تحتوي تشكيلته على أكثر من 4:3 إسبان بحد أقصى، نفس عدد الإنجليز في تشكيلة كلوب تقريبًا.

المشكلة الثانية أننا نتحدث عن الطريقة الإيطالية التقليدية وقرينتها الإسبانية ونحن لسنا متأكدين أصلًا من حدود هذه التعريفات. ما هي الطريقة الإيطالية التقليدية بالضبط؟ الدفاع؟ ماذا عن دي فرانشيسكو وسارّي وجاسبريني ودي زيربي وأنشيلوتي؟ هل يمكن وصف هؤلاء بأنهم من أتباع هذه المدرسة؟ ما هو كنه الهوية الإسبانية في كرة القدم؟ الاستحواذ؟ التمرير الأرضي القصير؟ أين كان كل ذلك في منتخب ما قبل 2008؟ هل نحن نتحدث عن الهوية الإسبانية فعلًا أم الهوية الكتالونية الساعية للانفصال؟ هل الهوية الكتالونية الساعية للانفصال ما زالت على حالها أصلًا أم أنها تنهار في السنوات الأخيرة؟ هذه كلها نظريات مليئة بالثقوب، والتدقيق في تفاصيلها هو ما يكشف مدى التضليل الذي تحمله أحيانًا، واستحالة اعتبارها قيَمًا مطلقة ثابتة طول الوقت.

الأمر كله مربك للغاية، ولكن لتقريب الصورة؛ فإن الجزم بهوية كروية متماسكة لدولة أوروبية ما، أو سمة يمكننا أن نصف بها كل مدربيها وفرقها، أو حتى أغلبها، هو أشبه بالقول أن الإسكندرانية جدعان، أو أن القاهراوية عنصريين، أو أن النوبيين طيبين. طبعًا هناك أصول لبعض هذه المزاعم، وهناك اختلافات تفرضها البيئة والعناصر المحيطة، ولكن كل هذا يتآكل يومًا بعد يوم بفعل الإنترنت وانفتاح العالم على بعضه البعض، وأغلب الكتل تفقد الكثير من خصوصيتها بفعل الاحتكاك المستمر، فلا يتبقى منها إلا القليل، وكرة القدم ليست استثناءً لهذه القاعدة.

عاشق للضغط

المشكلة الثالثة التي تزيد الأمور تعقيدًا أنه حتى لو افترضنا أن كل مدرسة من هذه المدارس تمتلك هوية لعب خاصة فعلًا، وحتى لو افترضنا أنها تمكنت من التمسك بها رغم كل المؤثرات الخارجية، فإن هذه الهويات تعاني من اختزال مخل؛ نحن لا نتحدث عن سمات أسلوب اللعب بل عن سمة واحدة غالبًا، ودون أن نفسر سببها حتى، والنتيجة أننا نقارن بين مصطلحات مبهمة غير واضحة المعالم مثل: «الكرات الطويلة الإنجليزية»، و«الدفاع الإيطالي»، و«الاستحواذ الإسباني»، و«الضغط الألماني». هذا كأن تقول أن أي طبق يحتوي على لحم وبصل وفلفل هو فاهيتا مكسيكي.

فلنبدأ بالكرات الطويلة على سبيل المثال، أول من أسس لهذا الأسلوب كان تشارلز ريب؛ الضابط البريطاني المهووس بالمحاسبة والأرقام، شاهد محاضرة عن أرسنال تشابمان فأعجب باللعبة وقرر أن يحلل مبارياتها إحصائيًا، وبعد مئات المشاهدات قرر الرجل أن الطريقة الأنسب للعب الكرة في إنجلترا هي نقل الكرة مباشرة للثلث الأخير ثم الصراع عليها هناك، والسبب في ذلك لم يكن إعجابه بهذا النمط دونًا عن غيره، بل ببساطة كان استجابة لنوعية المهارات الموجودة في إنجلترا آنذاك؛ لاعبون ضخام يتم اختيارهم بناءً على قدراتهم البدنية لا مهاراتهم، ويجيدون افتكاك الكرة والركض أكثر من أي شيء آخر، والأهم على الإطلاق؛ كل هذا كان يستخدم في تنفيذ الضغط العالي على الخصم بلا هوادة، بالتالي رأى الرجل أن أكثر الطرق فعالية للاستفادة من هذه الإمكانيات هو إرسال الكرة للمنطقة التي يصبح فيها افتكاكها أكثر خطورة من أي مكان آخر.

تحليل ريب نُشر في 1968، ومنذ عدة سنوات بدأت بعض الفرق الألمانية التي تطبق الضغط العالي، مثل لايبزيج وليفركوزن، في اللجوء إلى نفس الحل؛ إرسال الكرات الطولية لمنطقة جزاء الخصم مباشرة لخلق المواقف التي يستطيعون التفوق فيها بالمحاصرة والافتكاك، أي أن النظر لما وراء مصطلح مثل «الكرات الطويلة الإنجليزية» قد يكشف لنا أن الألمان والإنجليز يملكون العديد من الأفكار المشتركة المتشابهة، أن «الكرات الطويلة الإنجليزية» و«الضغط الألماني» قد يعنيان الأمر نفسه في النهاية، رغم الفارق الزمني والجغرافي الهائل، وبالفعل هناك عدد لا بأس به من المدربين الألمان متأثر باللعبة الإنجليزية، أبرزهم كلوب، تعجبهم الحدة البدنية والمباشرة التي يلعب بها الإنجليز مبارياتهم.

رافائيل هونجشتاين، أحد أبرز محللي اللعبة الألمان، وصف النمط الإنجليزي من الكرة في 4 كلمات استشهد بها ويلسون في تحليله المذكور؛ أقوى، أسرع، أفضل، أقسى Stronger, Faster, Better, Harder، ومن وجهة نظره التي يتشاركها ويلسون، فعندما يتفوق الإنجليز فغالبًا ما تكون هذه السمات الأربعة هي السبب.

فاهيتا

المشكلة أنه إن كانت حالة ليفربول إنجليزية فعلًا، فإنها الوحيدة بين الرباعي المتأهل إلى نهائي الدوري الأوروبي ودوري الأبطال، ولا يشابهه فيها أرسنال أو تشيلسي أو حتى توتنهام. هذه واحدة من عدة مغالطات مُستغربة للغاية وردت في مقال ويلسون، فلا فريق فالفيردي يعبر عن سلطة التمرير الكاسحة، ولا الفرق الإنجليزية المتأهلة متشابهة لدرجة استخلاص نظرية مثل «كرة الهجين» أو «القوة الإنجليزية»، ولا كرة القدم بشكل عام صارت تخضع لنظريات مُطلقة من هذا النوع، وأكبر وأوضح دليل على ذلك هو البريميرليج نفسه الذي تحول إلى سيرك حقيقي في الأعوام الأخيرة، تجد فيه كل الجنسيات والمدارس بما تحمله من أفكار وقناعات مختلفة يصعب جمعها تحت عنوان واحد.

معضلة البريميرليج تحديدًا في هذا الطرح؛ أنه من الممكن أن تمر علينا فترة تتفوق فيها الفرق الإيطالية بأفكارها القديمة التقليدية، ومن الممكن أن يحدث ذات الأمر مع الإسبانية أو الألمانية أو حتى الهولندية، ولكنه عندما يحدث مع فرق البريميرليج فستكون الأسباب مختلفة، لأنه باستثناء المزيد من السرعة والقوة أحيانًا، فإن لا شيء يميز البريميرليج عن غيره، ولا حتى الهوية الإنجليزية المزعومة.

في تقرير رائع لمحمد بدوي وردت إحصائية منقولة عن جارديان في 2013، مفادها إن البريميرليج صار الدوري الأقل استخدامًا للكرات الطويلة بين الخمسة الكبرى، بل إن نسبة تمريراته للأمام هي الأقل كذلك، إذ بلغت 41% فقط، وهذا يعني أن الإنجليز تخلوا عن لعبتهم المفضلة أيضًا؛ المباشرة واللعب العمودي.

الأهم، أن النسخة الحالية من البريميرليج لا تعبر عن التنافسية التي طالما افتخر الإنجليز بأنها تميز دوريهم دونًا عن غيره، بل إن الموسم الماضي والحالي يشبهان صراعات توم وجيري في إسبانيا إلى حد بعيد؛ فريق واحد أو فريقان يبتعدان بسنين ضوئية عن الباقين، ويتخطيان حاجز الـ 90 نقطة موسميًا بفارق أهداف قياسي نادرًا ما يتكرر.

إعلام موازي

بول ويلسون من جارديان أيضًا يرى أن النسخة الحالية من البطولتين الأوروبيتين قد حولت الأمر كله إلى صراع بين الدوريات لا بين كبار القارة، وأن تطبيق القرعة الموجهة في أدوار خروج المغلوب أدى إلى إنتاج 7 نهائيات لنفس البلد منذ عام 2000 فقط، بينما النظام القديم لم يفعلها ولو لمرة واحدة. كل هذا قدم لنا بطولات أوروبية مغايرة في الشكل والمضمون، لا تختبر فيها المدارس الكروية المختلفة أمام بعضها البعض بما يكفي، ونسبة الصدف والمفاجآت فيها أقل ونسبة المنطق فيها أعلى، والنتيجة أن الأندية التي تقوم بالعمل الأفضل في سوق الانتقالات وتتعاقد مع المدربين الأفضل هي من تفوز باللقب، طبعًا مع استثناءات تثبت القاعدة ولا تنفيها.

الحقيقة أن صراع الدوريات إعلامي أكثر منه كروي، بمعنى أن هذه السمة الأخيرة، أي غياب التنافسية وتفوق فرق المقدمة على الباقين باكتساح، كانت هي السمة الغالبة للسنوات التي حظي فيها الإنجليز بمواسم جيدة في أوروبا، وأن الحجج التي كانت تتكرر في باقي المواسم بتوجيه اللوم إلى التنافسية الشديدة والإجهاد البدني والجداول المزدحمة مقارنة بباقي دوريات أوروبا، كانت في الحقيقة تبريرًا لتواجد مدربين متوسطين ومتواضعين على رأس الأندية الكبيرة، وغياب المشاريع الحقيقة والتخطيط للمستقبل واللاعبين المتميزين.

هذا كان السبب الأساسي والرئيسي في تقارب مستويات الجميع في عدد من الفترات، أي أن البريميرليج كان يبيع لك إخفاق الكبار في الاحتفاظ بمسافة منطقية بينهم وبين الباقين على أنها تنافسية، وعندما أصبحت هذه المسافة منطقية باعها لك مجددًا على أنها تفوق للكرة الإنجليزية. من وجهة نظر ويلسون، فإن التطور الوحيد الذي شهدته أندية إنجلترا في الفترة الأخيرة، والذي يبرر المشهد الأوروبي الحالي، هو تطور في التعاقدات فقط لا غير، وإن كان ذلك يفسر حالة ليفربول وتوتنهام فهو لا يفسر حالتي أرسنال وتشيلسي.

أصلًا الدراسات الإعلامية الأخيرة تظهر تغيرًا نوعيًا في طراز المشاهدين لكرة القدم سواء في إنجلترا أو غيرها، وبعد قيام عدد من الباحثين بدراسة عدد المشاهدات لمباريات كرة القدم في إنجلترا ما بين 2001 و2015، اكتشفوا أن جمهور اللعبة صار يفضل المباريات التي تحتوي على عدد كبير من النجوم والمهارات حتى لو كانت مكدسة في فريق واحد، ولم يعد تقارب المستويات أو الأمل في النتائج المفاجئة هو المعيار الأهم في المشاهدة، ليس في إنجلترا فحسب بل إيطاليا أيضًا، لدرجة أن بعض المحللين يتوقعون أن عودة أندية مثل إنتر وميلان إلى ساحة المنافسة لن يؤثر على مشاهدات السيري إيه وعقود البث القادمة، إلا إن تم ذلك عن طريق ضم نجوم كبار يستطيعون تقديم هذا الطراز من المتعة، أي أن عودة البريميرليج لوضعه القديم، حتى وإن حدثت، قد لا تعني الكثير على مستوى عقود البث.

كل هذا محير جدًا لأنه يجبرك على التعامل مع كل حالة على انفراد، يجبرك على أن تعترف أن أرسنال وصل إلى نهائي الدوري الأوروبي لأنه يمتلك مدربًا مخضرمًا في هذه البطولة، ويستطيع تحقيق الفوز فيها بسهولة نسبية حتى لو تعارض ذلك مع نتائجه في البريميرليج، وأن توتنهام لم يقدم بطولة جيدة أصلًا وكان قاب قوسين أو أدنى من الخروج عند أغلب مراحلها، على عكس الموسم الماضي مثلًا، الذي قدم فيه مستوى أعلى بكثير ولم يحقق نفس النجاح على مستوى النتائج، وأن تشيلسي الذي لم يواجه سوى فرق من نوعية مالمو وباتي بوريسوف وسلافيا براج ودينامو كييف، قد فشل في الفوز على الفريق الجيد الوحيد الذي قابله خلال مشواره في البطولة، ولم يتخطاه إلا بركلات الترجيح ليصل إلى النهائي.

رغم كل ذلك هناك عدالة شعرية ما في أن يستطيع البريميرليج التباهي بوضعه الحالي رغم كل الظروف والمعطيات، لأن هذا هو بالضبط ما كانت لتفعله إسبانيا أو ألمانيا أو إيطاليا لو كانت تملك نفس الآلة الإعلامية الجبارة. أما الواقع، فلا يقول سوى أن بعض الإنجليز قد أخذوا بأسباب النجاح في الأغلب الأعم، أتوا بمدربين جيدين بعد سنوات من التجارب، وأنفقوا أموالهم بحكمة بعد سنوات من الإهدار، ولعبوا مباريات كبيرة بعد مواسم من الإخفاق، مع بضع تفاصيل محورية تكررت معهم مثلما تكررت مع غيرهم، تفاصيل إن اشتركت في أمر ما فهو نفي التخيل الساذج أن كل ذلك يمكن وضعه تحت عنوان واحد مثل «قوة الإنجليز».

اعلان