هل أستحق المحبة؟.. قراءة نفسية في «زي الشمس»
إمكانية أن نُعيد قراءة عمل درامي للعبور نحو عوالم النفس المعتمة
 
 
 

رغم أن السطور المقبلة تتناول عملًا دراميًا تلفزيونيًا، إلا أنني في البدء أود استعارة أحد مفاهيم المسرح، ألا وهو «الشريط الأحمر» red thread، ويقصد به الرابط اللامرئي بين فصول تُروى، قد تبدو للوهلة الأولى عشوائية، غير أن شيئًا فشيئًا يتضح خيط حريري أحمر يمكنه تطريز مفاصل الروايات جميعها في نسيج واحد.

تبدو لي رحلة الكتابة عند مريم نعوم تحمل مثل هذا الشريط الأحمر، ففي معظم أعمالها، مثل «بالشمع الأحمر» (2010)، «ذات» (2013) ثم «موجة حارة» (2013)، «سجن النسا» (2014)، «تحت السيطرة» (2015)، «سقوط حر» (2016)، ومؤخرًا «زي الشمس»، يمكن أن نشير إلى أن البطل الأساسي هو المرأة، ثم يتم بناء عوالم الشخصيات وتفاعلات الأحداث وديناميكيتها انطلاقًا منها ومن أزمتها الشخصية.

في إطار هذا هل يمكننا وصف رحلة الكتابة لدى مريم نعوم بـ«الكتابة النسوية» أو هل هذا هو الشريط الأحمر الذي يربط بين أعمالها؟

أستعير مقولة الكاتبة الكندية الشهيرة، مارجريت آتتوود، حين وصفت كتابتها بـالنسوية، خاصة بعد مسلسلها الذي حقق نجاحًا مدويًا مؤخرًا «حكاية خادمة» The Handmaid’s Tale 2017: «في كل مرة أكتب بصوت المرأة توصف كتابتي بأنها نسوية. جلّ ما أفعله هو استخدام اللغة في الإشارة إلى الشوفينية الذكورية وممارستها، رغبة مني أن أشير إلى أن النساء لا يُعاملن بالقدر الذي يستحقنّه بالفعل. أتحرك بداخل الزمن، وبخاصة الماضي منه لأنسج خيوط الأحداث، غير أن الماضي لا يحاصرني، فأنا امرأة تعيش الآن، فأضع على لسان بطلاتي، وفي بعض الأحيان أقوم بإخراسهن عمدًا فتأتي قصصهن مشتبكة مع واقعنا الحالي. لا اعرف هل تلك النسوية أم لا، غير أني أؤمن أن النساء يستحقن الأفضل».

أرى أن الشريط الأحمر الذي يضفر كتابة مريم نعوم، يحمل في نسيجه شيئًا من وصف مارجريت، ولكن أميل لترك الاختيار للكاتبة لتستخدم هذا الوصف أو تختار ألا يحمل تعريفًا محددًا. غير أني أرى أن نفس الشريط الأحمر يمكن رؤيته أبعد من تصنيف كتابة بعينها بكونها نسوية أو لا، ليتعدى إلى شخصية المرأة التي تتناولها محطات نعوم السبع، بما يتخطى وجودها النوعي، فالشخصيات يتحركن في ثيمة الحصار أو «السجن» باختلاف أشكاله وأنماطه.

قد يكون مسلسل «سجن النسا» هو الأقرب لتلك الفرضية بعنوانه المباشر، وبأحداثه التي تقع خلف قضبان السجن أو تلك التي تؤدي ببطلاتها نحو مصيرهن بداخله. بخلاف «سجن النسا» نجد أن «ذات» محاصرة في تركيبة شخصيتها المستسلمة التي تترك الحياة والآخر والزمن يفعل بها ما يشاء، فباتت كمن يعيش في سجن تبدو جدرانه ملونة بينما هو يتسع بمرور الأعوام.  وفي «موجة حارة» عندنا شخصيات نسائية محاصرة في ماضيهن أو عوالمهن السرية، أو وجودهن المتألم في خندق الزواج، وفي«بالشمع الأحمر» هناك الشخصية المحاصَرة في متطلبات مهنتها التي تؤدي بها لدفع الثمن كاملًا، أما في «تحت السيطرة» فالشخصيات – التي في أغلبها نساء- محاصرات في إدمان المخدرات والتعافي، ثم «سقوط حر» تكون الشخصية محاصرة في «جريمة عائلية» قبل أن تنتقل إلى سجن عقلي، ألا وهو المصحة.

في سياق هذه الثيمة، نطرح التساؤل، ما الذي قدمه «زى الشمس» حتى الآن، استمرارًا لثيمة «الشخصية النسائية المحاصرة»، وأي سجن لدينا الآن في المحطة السابعة لمريم نعوم؟

في «زى الشمس» يمكن القول إن لدينا سجنًا من نوع مختلف عن سابقيه، ألا وهو سجن «الجرح النفسي الذي لم يلتئم». في حلقاته الأولى يبدو أننا بصدد جريمة قتل غامضة، وأن الأحداث ستسير مكللة بالإثارة نحو معرفة من القاتل. لكن  يبدو أن هناك ما هو أبعد من معرفة اسم القاتل. لدينا نسيج من العلاقات المعقدة، كما وصفت ريهام عبد الغفور التي تقوم بدور الضحية وهي تحمل سلسلة أهدتها لها أختها في زمن الصفاء الأخوي بقولها «السلسلة اتعقدت زي كل حاجة ما اتعقدت».

تلك العلاقات المعقدة تخبرنا أن البيت الهادئ ليس كما يبدو، وأن مشاهد براءة الطفولة لم تستمر، وأن هناك إرثًا من غضبٍ قديم، سيتكشّف شيئًا فشيئًا. طبقات من المشاعر والانفعالات المتراكمة التي تتكوّم بداخل كل شخصية دون الإفصاح عنها، فتأتي أفعالهم مغايرة تمامًا للوجوه الملائكية الخادعة. لذلك ما يبدو في بعض الأحيان تطويلًا مملًا، ليس بهدف حل لغز الجريمة؛ حتى وإن كان يبدو هدفًا واضحًا، ولكنه أيضًا لمراقبة كيف تتحرك الشخصيات التي تحمل «جروحًا نفسية غير ملتئمة».

ما هي الجروح النفسية؟

تختلف الجروح النفسية عن الإصابات الجسدية في طرق تشكلها ونموها والتعافي منها لاحقًا- ولكنها تتقاطع معها في ثلاثية العقل كأرشيف معرفي، والجسد كأرشيف جسدي، والروح كأرشيف نفسي.

لمعرفة كيف تحدث الجروح النفسية، سيتطلب منّا الأمر الاقتراب قليلًا من «علم نفس الصدمة»، لنستعين بما قدمه الطبيب النفسي والباحث «بيسيل فان دير كولك» في كتابه الشهير «الجسد يتذكر الندبة».  

يشير فان كولك إلى أن العقل الطفولي لا يمتلك تفسيرًا لما يتعرض له، الصدمة تخلخل المعرفة السابقة، يلجأ الطفل إلى قمع ما حدث بأن يخبره عقله أنه لم يحدث بالفعل، فتتكون لديه تشوهات في مخزونه عمّا يعرفه عن نفسه، عن تصوره عن شخصه، عن استحقاقه للمحبة، بل يشعر أنه «مسؤول» عمّا حدث له، فيمارس أذى مضاد نحو نفسه لشعوره باستحقاقه «الألم» عمّا يظن أنه مسؤول عنه. ثم ينمو هذا الطفل -إذا لم يتلق المساعدة- ليصبح بالغًا يحمل طفلًا داخليًا متألمًا، يركل بكلتا قدميه لكي يجعل ألمه مرئيًا كمعبر للتعافي.

إن إرث الطفولة من الإيذاء النفسي، الذي يتراكم بداخل عوالم النفس المعتمة، يتحرك خفية، قد يضرب الجسد في صورة آلام متكررة، وتسمي «سايكو سوماتيك» أي أعراض جسدية كمؤشرات للألم النفسي، أو قد تظهر في شكل تشوهات معرفية في قراءة المحيطين وصورة الذات والعالم.

أود أن أستعير ما قدمه «علم نفس الصدمة» في النبش وراء ما تحمله الشخصية المحورية من جرح نفسي قديم لم يلتئم، بل يتضاعف ويتكتل لتحمله لنا صدمة الخيانة، والتي ربما لم تكن صدمتها الأولى.

يستعرض المسلسل في بدايته طفولة الشخصيتين الرئيسيتين في شكل أقرب للقالب النمطي للعلاقة بين أختين، إحداهما تلعب دور «الأم البديلة»، بينما الأخرى «الأصغر» ترى عالمها من خلالها. ثم يتكشف لنا في الحلقة العشرين ما تعرضت له الأخت الصغرى من محاولة «تحرش»؛ قد يكون الأب أو أحد أزواج والدتها، وكيف قامت الأخت الكبرى بما تقوم به في العادة وهو حمايتها في غياب كامل من الأم.

قدم لنا المسلسل دور الأم، التي تنتقل في الزيجات المتعددة، دون إشارة واحدة إلى الأب. نحن إذن أمام احتمالات عدة تدور في مثلث يجمع علاقات معقدة بين الأم وبناتها وبين الأختين، وما يمكن أن ينتج عنه من صدمات محتملة، البعض منها قد يتعلق بـ«جرح الأم النرجسي». غير أنه لا يوجد ما يؤكد ذلك في الأحداث. أميل بشكل شخصي إلى فهم صدمة طفولة الشخصية المحورية من خلال قصة «قابيل وهابيل».* لماذا انشق فصام الأخوة، ولماذا تقبل القربان من أحد الأخوة دون الآخر؟ وكيف يبني ذلك التاريخ الشخصي للصدمة، حتى حين تتحقق «الصدمة» المباشرة بالخيانة، تكرّ وراءها إرث قديم من الكراهية.

في العلاج النفسي الأسري، هناك ما يسمى بديناميكيات العائلة المشوهة نفسيًا. يتردد بين العائلات أن هناك دومًا طفلًا مفضلًا عن الآخر. في حقيقة الأمر إذا ما تمّ اعتبار الأم/ الأب/ مقدمي الرعاية، بشرًا معرضين للخطأ وإنسانيين ومن حقهم أن يكون لهم دومًا تفضيلاتهم التي لا تحمل منطقًا واضحًا أو مبررًا، يمكن أن نتفهم لماذا يلعب أحد الأبناء «دور» الأم لدى الأخوة الأصغر. مثل هذا الطفل لا يصل إلى تلك المكانة لكونه الأكبر فحسب، وإنما لأنه الأقرب إلى شخصية الأم فكأن هناك حبلًا سريًا لا ينقطع بين الأم ومن يقوم بدورها داخل الأسرة.

قد يبدو ذلك تفسيرًا منطقيًا يتداوله البالغون، غير أن عقل الطفل لا يمكنه استيعاب ذلك، في حالة حدوث تفضيل لطفلٍ عن آخر أو اختلاط «لعب» الأدوار داخل العائلة؛ يصبح الطفل «شديد التعلق» بمن يقدم له الرعاية الأمومية عوضًا عن مصدرها الأصلي. قدم لنا المسلسل هذا بشكل كافٍ وواضح.

من ناحية أخرى، هذا التعلق الشديد بـ«بديلة الأم» يطوي بداخله «جوعًا» غير مشبع للقبول من قبل الأم ذاتها. إضافة إلى ما يتعرض له الطفل من «صدمة» نفسية يعجز عن تفسيرها، أو تفسير لماذا «حدثت له دونًا عن الآخر»، يتراكم الجرح في أعماق نفسه.

وبفعل ما يختبره الطفل من مشاعر غامرة لحظة الصدمة، يعمد العقل الذي يعمل بكل طاقته لأنه يترجم ما يحدث بأنه حالة «خطر قصوى»، وعليه حماية «الطفل العاجز المُستلب» فيتشكل عدد من التفسيرات في محاولة تهدئة أو تنويم ما يشعر به الطفل. ولكونه طفلًا لم يكتمل إدراكه بشكل كافٍ، فإن أغلب ما يتم «أرشفته» عقليًا بسبب صدمات الطفولة عادة ما يؤدي إلى تشوهات معرفية تظهر في شكل اضطرابات وأمراض سلوكية لاحقًا.

أحد تلك التفسيرات المشوهة، أن ما حدث له بسبب «عطب» به، وأنه غير قادر على حماية نفسه بل و«أنه غير كافِ» أو «غير مستحق» للمحبة من الأساس. تنسج الفكرة بداخله خيوطًا عنكبوتية غير مرئية -بدون التدخل والعلاج- ينمو لدينا بالغ يشعر دومًا بعدم كفايته في الحب والحياة، بل وعدم استحقاقه للمحبة وأنه مسؤول طيلة الوقت لإثبات العكس بالتميز الشديد أو باستدرار العطف والانتباه ما يورطه عادة في علاقات مع آخرين تتسبب في نكأ جراحه التي لم تلتئم.

لذا لم يكن مستغربًا ردود أفعال شخصية نور، التي تسير في الحياة تحمل ندبتها القديمة، حين علمت بخيانة من تحب. ففي إشارات خاطفة يمكننا القول إن الأم تميل نحو تفضيل أختها التي تبدو أكثر إقبالًا على الحياة ومرحًا وحضورًا عن الطفلة التي كبرت لتصبح «سجينة» عالم تسكنه بمفردها وتشعر بالجوع الشديد للحب من آخر.

كما يمكننا أيضًا الاستعارة من خلال علم النفس ما يعيننا على فهم ممرات توغل الجرح النفسي وتجذره من الطفولة، وبالتالي فإن الصدمات التي تظهر لاحقًا هي قشرة لجرح تضرب بجذورها في العمق. بل أميل أيضًا إلى الإشارة من خلال العمل الدرامي إلى أن عدم وضوح الأشياء أمامنا، التي تبدو «زي الشمس»، ليس لأنها فقط جريمة قتل، بل لأنها تكشف كيف يحاصر شخص ما نفسه في صدمة الطفولة الأولى، لتعيده دون وعي منه إلى العالم كشخص لا يمكن التنبؤ بما قد يفعل.

يكشف لنا المسلسل -حتى تاريخه- بعض الأنماط والدلائل لديناميكيات الأسر المشوهة نفسيًا أو غير المُشبِعة لأفرادها انفعاليًا أو للعائلة باعتبارها قوة متماسكة.

على سبيل المثال: بعد حدوث «صدمة» نفسية يميل البالغ إلى نمط نفسي «الصدام – الفرار» flight- fight mode. اعتمدت مريم نعوم في رسم نمو شخوصها النفسي بحدث مثل سفر البطلة إلى بلد آخر لتبدأ بداية تجعلها شخص «جديد»، وكأنها تغادر كل صورة ارتبطت بها في زمن الصدمة الأول. من ناحية أخرى، إن عدم حصول البالغ على العلاج النفسي، يضعه في «سجن» أرشيف الصدمة لديه. نور «فرّت» بجرحها الشخصي إلى مكان أبعد، مكان يمكنها إحكام السيطرة بكل دقة حول شخوصه ومكانتها المهزوزة جراء طفولة مشوهة فتصنع نسخة «جديدة» منها أكثر قوة وحضورًا وتأثيرًا في حياة العائلة، بل لتلعب دورًا لم تعرفه عنها العائلة من قبل وهو دور «الحماية»، تعود نور في نسخة لا تتسم بالضعف أو الهشاشة كما يصور لها «عقل الصدمة» أن ذلك هو السبب المباشر فيما حدث لها في الماضي.

في المنفى يستعيد «الجريح» قوته، غير أنه لا يتعافى، إذا لم يتلق المساعدة. يظل «الجرح» مفتوحًا قابلًا للتلوث بداخله، بل للتغلغل حتى يصبح غرغينا، تتوجب البتر أو القتل. ولأن الـ«جريح» لم يمتلك القوة في زمن سابق لأن يقوم بالدفاع عن «نفسه» أمام ما تعرض له من إساءة نفسية، تتحول طاقة الغضب والجرح والحزن القديم على عدم استحقاق المحبة كاملة ممن أرادها منهم بشدة؛ إلى رغبة في الـ«بتر». يتحول المنفى الاختياري إلى شاشة زجاجية يراقب من خلالها «الجريح» عالمه النفسي القديم، كمن يستعد للعودة ليفرغ طاقته القديمة، ليقوم بإعادة ترتيب عالمه القديم كما كان يجب أن يكون قبل أن يتعرض للأذى، ثم يتحين الفرص ليعود ليسترد كل ما أُخذ منه.

البطلة في «زي الشمس» بالرغم من وضوح الحقائق كالشمس إلا أن عوالم جرحها النفسي معتمة لتشبه بيت قديم إضاءته خافتة، تسكنه روح هائمة.

المعالجة الدرامية للجوانب النفسية

هناك جهد واضح في اختيار الإضاءة وبخاصة داخل المنزل، التي تميل إلى العتمة، فيبدو وكأنه بيت الأسرار والأشباح. هناك جهد في تطويع دلالة اللون وبخاصة الأحمر، فتارة يبدو بالطو الضحية كبقعة دماء كبيرة على وجه الماء، تارة أخرى يبدو كبدلة إعدام حمراء في انتظار أحدهم. غير أن ما يؤخذ على المسلسل -حتى تاريخه- هو عدم الاهتمام بتعميق الحوار فيما يتعلق بتناول المعنى النفسي الذي تنبني عليه عوالم الدراما، فأتى كثير من الحوارات مرتجلًا أو أقرب إلى الكليشيهات المحفوظة، ولا تتلاءم مع التاريخ النفسي للشخصية كما استعرضنا سابقًا، مما أفقد المتابع حماسته نحو تتبع نمو الشخصيات نفسيًا، وأيضًا الأحداث التي تنطفئ جذوتها.

رغم احتياج المسلسل إلى تسريع إيقاعه ليحتفظ بمشاهديه، إلا أن متابعة «زي الشمس» لا تزال قائمة، رغبةً في رصد الشخصية التي تحمل جرحًا نفسيًا لم يلتئم، وكيفية تحرك الأحداث من حولها في محاولة إعادة عالمها القديم الذي انهار يومًا ولا إمكانية لاستعادته سوى بتقديم «قربان» أملًا أن يُقبل هذه المرة.

كيف تزعزع نعوم-آتتود عوالمنا التي نعرفها؟

تعلن آتتوود مرارًا أنها ترى أن «الديستوبيا» هي الطريقة المثلى لخلخلة العالم القائم الآن، ولهذا كان مسلسلها «حكاية خادمة» كما وصفه النقاد، أن نعيش في أسوأ سيناريو ممكن للنساء.

أميل إلى الإشارة إلى أن نعوم في «تحت السيطرة»، «سقوط حر»، وحاليًا من خلال «زي الشمس» تميل إلى الفعل ذاته دون اللجوء إلى عوالم الفانتازيا الواقعية مثل آتتوود. تفعل ذلك من خلال خلخلة من داخل ديناميكية العلاقات المتشابكة في الأسرة. تبني من القصة القرآنية «تربة» لامتداد القصة ذاتها في نسختها الأحدث 2019، بل وتعمد إلى تغيير شخوصها، غير أني أستنكف كثيرًا أن يكون قربان الخلاف هو «رجل» فتنتهي بنا الأحداث إلى أن تلك الجريمة هي «خناقة حريمي على راجل».

قد تكون الديستوبيا لدى آتتوود واضحة كالشمس في رائعتها «حكاية خادمة»، حيث يحمل المسلسل بنية متكاملة لأسوأ ما يمكن أن يحدث في العالم، غير أنها لا تكتفي بذلك فتعود لتأكيد نفس اختيار الديستوبيا كمسار لخلخلة العالم القائم، بمسلسل آخر لم يلق شهرة المسلسل المذكور أعلاه، ألا وهو «أليس جريس» (2017).

تقوم آتتوود بلعبتها المفضلة في 15 حلقة لا أكثر، نبحر في عوالم من الفانتازيا، غير أن هذه المرة، البطلة الرئيسية تخلخل بالكلية كل ما نعرفه، نفهمه، نتوقعه من خلال علم النفس. فالبطلة مدانة بجريمة قتل، غير أنها «تتلاعب» بشكل ما بكل من يستمع إلى قصتها بما فيهم الطبيب النفسي. تقدم آتتوود إمكانية لأن كل ما نعرفه عن علم النفس يمكن أن يتم «مراوغته» وخلخلته بالكلية من قبل شخص قد يكون شديد الذكاء أو محطم تمامًا بشكل يصعب منحه الخلاص. يأتي ذلك في سياق تقديم أحد العلاجات النفسية، ألا وهي التنويم المغناطيسي.

كان لدى نعوم نفس النسيج الذي يمكنها أن تتحرك وتأخذنا معها بداخله، غير أن كل مشاهد الطبيب النفسي جاءت ركيكة وساذجة، ثم ظهر علينا فجأة استخدام التنويم المغناطيسي بشكل طفولي لم يغادر أحد مشاهد السينما القديمة حينما كان يتم تنويم البطل بجملة «شد اللحاف».

أكتفي بالقول أن ما قدمته نعوم في «زي الشمس» كان استكمالًا لفعل الخلخلة لعوالم يظنها المشاهد أنها عصية على ذلك. نعوم نفسها، أشارت في أحد مقابلاتها الصحفية السابقة لعرض العمل، أنها تود أن يتتبع المشاهد التاريخ النفسي للشخصيات. هذا ما حدث، تطور الجرح النفسي القديم وكيف يعلن عن نفسه -أو لربما لا يعلن- في بيئة «مسمومة» لديها إرث غير معلن يمكن دفنه بسهولة في تربة حديقة المنزل، بينما تستغرق الأم بالكلية في زراعة ورعاية الزهور الحمراء، ليبدو كل شيء جميًلا في عين الغرباء، أو عين من تراقبهم بصمت على الجهة الأخرى.

* {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (27) سورة المائدة.

اعلان
 
 
ريهام عزيز الدين