الرقابة في مصر: من «البصارة» و«المكتوبجي» إلى «حجب الحكومة»

تحت عنوان «العجة والبصارة» حدثنا الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى في كتابه «هوامش المقريزي.. حكايات من مصر» بسخرية عن الرقابة التي فرضها الحكام الفاطميون على خطباء المساجد، الذين حولوا المنابر إلى منصات للاحتجاج السياسي على قمع الحكام ومصادرة الحريات، فلما مُنع الخطباء من تناول مجريات الحاضر لجأوا إلى الماضي واستحضروا سير الصحابة والتابعين لفتح طاقة في جدار الصمت، وعندما كشف الحكام حيلة الخطباء، صدرت الأوامر بالكف عن استخدام الماضي للحديث عن الحاضر.

في إحدى مساجد القاهرة وقف خطيب الجمعة، وبعد أن بسمل وحمّد وصلى على الرسول، يفاجئ الحضور بالحديث عن «البصارة»، قائلًا: «البصارة يا عباد الله من أفضل الأطعمة لتقوية المؤمن، وتُصنع البصارة من فول مجروش، وتُنقع في ماء ثم تدق في ماجور». قضى الخطيب الوقت كله في وصف البصارة والفرق بين طريقة المصريين في إعدادها وطريقة الشوام، وأنواع التوابل التي تُضاف إليها، فدُهش المصلون وظنوا أن خطيب المسجد أصيب بلوثة، لكنهم بعد دقائق أدركوا أن الخطيب المشاغب قد أُمر بالكف عن الكلام، وأنه لم يجد وسيلة ليقول لهم ذلك إلا أن يتحدث في موضوع يجعله يبدو هازلًا. وفي الجمعة التالية صدر للخطيب أوامر بعدم الكلام عن البصارة أو العجة أو أي طعام آخر.

«المكتوبجي» والثورة الاشتراكية

صدر أول قانون للمطبوعات في مصر عام 1882، وفي أوج شهور الثورة العرابية، والغريب أن هذا القانون كان يتضمن قيودًا شديدة على حرية الرأي. وفي حين كان المنتظر أن تتصدى له العناصر الديمقراطية التي قامت بالثورة وتمنع صدوره، فقد كانت هي التي تحملت مسؤولية إصداره وسط ظروف معقدة وبضغط عنيف من السراي، وكانت أول صحيفة عُطلت تطبيقًا لهذا القانون هي «الطائف» جريدة الثورة التي كان يحرّرها عبد الله النديم.

بعد حوالي ربع قرن، وكما يذكرنا صلاح عيسى في «هوامش المقريزي»، فكرت الحكومة في إصدار قانون جديد للمطبوعات يمنع نشر الدعوة إلى الثورة ومعاداة الاحتلال، وثارت الصحف، واحتج السياسيون. ووسط هذه الضجة كتب المحامي الكبير عزيز خانكي مقالًا طريفًا ذكر فيه المتصارعين بالمثل الشعبي الذي يقول إن «مَن رأى بلَايا الناس تهون عليه بَليّته»، فقال إن هناك لائحة للمطبوعات كان معمولًا بها في تركيا على عهد ديكتاتورية السلطان عبد الحميد خان، ونشر نصوص هذه اللائحة المضحكة وكانت من تسعة بنود.

تنصّ لائحة المطبوعات المشار إليها على «أن يُحسن نشر كل ما يتعلق بصحة السلطان، وتقدم حالة الزراعة والتجارة والصناعة في الممالك والولايات العثمانية، ولا يجوز تذييل الجرائد بقصص إلا إذا وافقت الأخلاق وصادق عليها وزير المعارف، ولاحتمال غلق الجريدة فجأة، فإنه لا يجوز نشر المقالات الطويلة التي تنتهي بكلمة (البقية تأتي) أو (البقية غدًا)، كما لا يجوز ترك بياض أو وضع نقط بين الكلمات منعًا للظنون أو التأويلات».

ونصّت اللائحة على أنه لا يجوز الكلام على كبار الموظفين، فإذا بلغ الجريدة أن أحدهم سرق أو اختلس، فعليها أن تجتهد بستره قدر الإمكان.

ومنعت اللائحة منعًا مطلقًا نشر عرائض الأهالي والطوائف، كما أنها منعت نشر حوادث الاعتداء الذي يقع على أشخاص الملوك في البلاد الأجنبية، مهما كانت الظروف التي تقترن بالحادثة، ولا يجوز الكلام على المظاهرات والثورات التي تحدث في الخارج، لأنه «ليس من حسن السياسة أن يعلم رعايانا المخلصون بوقوع مثل هذه الحوادث».

وفي ديوان السلطان العثماني كان هناك موظف اسمه «المكتوبجي»، مهمته أن يفحص ويراقب الصحف، وتطبيقًا لبنود اللائحة جرى المكتوبجي على حذف كلمات مثل «ثورة، ودستور، وظلم، وحقوق الأمة».

وحدث عندما بدأت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية في روسيا ضد القيصرية، أن عرضت إحدى الصحف على المكتوبجي خبرًا عن الثورة، فوجده يحوي كل الكلمات التي تحرمها اللائحة مثل «الدستور والحرية والظلم والطغيان»، فشطبها جميعًا، ولم يبق من الخبر سوى سطر واحد نشرته الصحيفة في اليوم التالي وكان نصه: «حدث أمس مشاجرة في روسيا».

كان أطرف بند في لائحة المطبوعات العثمانية وفقًا لما أورده صلاح عيسى في كتابه، بندها الأخير الذي نص على أنه لا يجوز نشر هذه اللائحة في أعمدة الجرائد كي لا يندد بها أصحاب الأفكار المشوشة.

في مقالي السابق «على بياض»، تناولتُ كيف مُنعت الصحف من تغطية أحداث ثورة 1919، وعرضتُ أمثلة للمساحات البيضاء التي انتشرت في صفحات الجرائد، والتي كانت تشير إلى تدخل الرقيب بحذف المحتوى الصحفي الذي يتناول أحداث الثورة بداية من لقاء الزعيم سعد زغلول بالسير وينجت، وصولًا إلى القبض على أعضاء الوفد المصري ونفيهم، وما تخلل ذلك من مظاهرات عمّت أرجاء القطر المصري.

حجب المعارضة والحكومة أيضًا

المحطات السابقة من تاريخ الرقابة وتدخل السلطة بموجب قانون أو لائحة أو أوامر بمنع نشر كل ما يحرّض على الثورة أو يدعو إلى الحرية والدستور وحجب كل رأي ينتقد أو يسخر من الأنظمة الحاكمة ورجالها يمكن فهمها في سياق محاولات السلطات المتعاقبة عزل الشعب عن المعرفة أو التفاعل مع الشأن العام، أما ما لا يمكن فهمه، أو هضمه، هو منع نشر تصريحات الوزراء والمسؤولين في ظل إحكام السلطة الحالية سيطرتها على المنصات الإعلامية.

القصة باختصار إنه عندما قال وزير التربية التعليم والتعليم الفني طارق شوقي أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب مطلع الشهر الحالي أن وزارة المالية لا تمنح وزارته «مليمًا واحدًا إلا بطلوع الروح»، ثارت الدنيا، ورصدت الأجهزة المعنية حالة التأفف والسخرية على صفحات التواصل الاجتماعي من توجهات السلطة التي قررت صرف المليارات على العاصمة الإدارية في حين تضن على وزارة التعليم بالموازنة التي تحتاجها لتطوير منظومتها.

شوقي قال أمام نواب اللجنة في الاجتماع المخصص لمناقشة موازنة وزارته: «كل ما نطلبه من مبالغ مالية نحصل على ما هو أقل منه، وأعداد الطلاب تتضاعف، ووضع المناهج وتأليفها يكلفنا ملايين الجنيهات، ولو أردنا أن يستمر التطوير يجب أن نضخ أموال، ولو ما أخدناش اللى عايزينه المرة دي، مشروع تطوير التعليم هيقف، ودا مش تهديد، عايزين 11 مليار جنيه فوق المعتمد من المالية، مش هكمل من غيرهم، والوزارة هتقفل».

وقبل أن تهدأ الضجة التي أثارتها تصريحات شوقي في البرلمان، حتى لحقت به وزيرة الصحة في اليوم التالي وألقت بتصريحات مشابهة أمام نفس اللجنة البرلمانية.

وزيرة الصحة طالبت مجلس النواب بتعديل أو تغيير قانون التأمين الصحي الشامل الجديد أو زيادة موازنة الوزارة لتتمكن من تطبيقه، وقالت إنه «على البرلمان تعديل وتغيير قانون التأمين الصحي الشامل، أو العمل على تعديل الموازنة العامة لوزارة الصحة بما يتيح لها تنفيذ القانون من خلال رصد المبالغ المالية اللازمة لتنفيذه».

بعد الأزمة التي سببتها تصريحات الوزيرين، صدرت تعليمات من «الرقيب الخفي» بعدم نشر تصريحات لأي وزير سواء في البرلمان أو غيره، ومَنْ تجاهل تلك التعليمات ونقل متعمدًا أو غافلًا تصريح لأي وزير لن يسمح بطبع جريدته إلا بعد رفع التصريح، واُستثنى من القرار وزراء الدفاع والداخلية والخارجية فضلًا عن رئيس الوزراء.

القرار غير المعلن بمنع نشر تصريحات الوزراء أوقع المسؤولين عن المنصات الإعلامية في ورطة، فخلال العامين الماضيين اقتصرت التغطيات الصحفية على تصريحات الوزراء والمسؤولين ونواب الموالاة والفاعليات التي يشاركون فيها بعد أن حجب أي رأي معارض عن الإعلام بقرار مشابه، وأصبح المجهود الأساسي لإدارات التحرير هو البحث عن محتوى صحفي لا يشمل نقد السلطة وقرارتها وسياستها، ولا يتضمن أيضًا تصريحات وزرائها.

ومن باب التحايل وحتى تتمكن إدارات التحرير من «تسويد» صفحات الجرائد ورفع الأخبار على المواقع الإلكترونية، تمّ اعتماد صيغة جديدة لنشر أخبار الوزارات، فبدلًا من نشر خبر يبدأ بـ «أكدت وزيرة التضامن الاجتماعي»، فينُشر الخبر بـ «أكدت وزارة التضامن الاجتماعي».. وهكذا مع باقي الوزارات.

#الحرية_للحكومة

قبل أيام وبعد أن تسرب خبر منع نشر تصريحات الوزراء في المنصات التي أممتها أو أخضعتها السلطة، نشر محمود كامل عضو مجلس نقابة الصحفيين تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك دعا فيها الوزراء إلى تنظيم وقفة احتجاجية على سلم نقابة الصحفيين.

وفي تدوينته، قال كامل: «لا سبيل أمام هؤلاء الوزراء سوى تنظيم وقفة احتجاجية على سلم النقابة، وأكيد وزير الداخلية زميلهم في الحكومة هيديلهم تصريح بالتظاهر عشان ميصحش يقبض عليهم.. واحنا هنسمحلهم بالوقفة بلا مقابل.. #الحرية_للحكومة».

على قدر أن الأمر لا يخلو من طرافة وفكاهة، ألا أنه لا يخلو أيضًا من غصة ومرارة، فالإعلام المصري أصبح في ورطة بعد أن أحكم الرقيب قبضته عليه واستسلم القائمون عليه للأمر الواقع، فلم يجرؤ أحدهم على المجاهرة برفض سطوة الرقيب الذي فاق بتعليماته وتدخلاته، ما كان يفعله «المكتوبجي» قبل 100 عام.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ