في السودان: «صبرك معانا.. الصبَّة حاصلة»
 
 
من اعتصام الخرطوم
 

«المجلس العسكري يماطل منذ البداية. لا مانع لديه أن تمتد المفاوضات إلى ما لا نهاية، بينما دخل علينا رمضان والحرّ يشتد يومًا بعد يوم. ليس لدي ثقة في المجلس، إنه كالأفعى السامة».. هكذا تقول أميرة ابراهيم، ربة منزل، وهي إحدى المشاركات في اعتصام الخرطوم الذي مرّ عليه الآن أكثر من شهر، دون أن يلوح في الأفق ما يشي بنهاية وشيكة. سرعان ما تلتف حولها كتلة من البشر تشاركها الآراء المعارضة للمجلس العسكري الذي يدير البلاد بعد الإطاحة بعمر البشير في أبريل الماضي، ثم يجتمع المعتصمون ويهتفون مع أميرة أخيرًا:

«يا سلطة مدنية، يا صبَّة أبدية»

[الصبَّة يقصد بها صبَّة الأسمنت أي أنهم متمسكون بالاعتصام]

المكان: شارع القيادة، وهو شارع رئيسي تصطف فيه البنايات الضخمة لقيادات أسلحة الجيش المختلفة. يمتد نطاق الاعتصام من هنا ليشمل أيضًا شارع الجمهورية وشارع جامعة الخرطوم وعدة شوارع فرعية، في مساحة كبيرة تحتاج إلى نصف ساعة على الأقل لتجتازها سيرًا على الأقدام. ربما لذلك لم أشعر أبدًا بالاختناق من كثرة البشر، حتى في أشد الأوقات ازدحامًا.   

الزمان: قبل الإفطار بساعتين. الشوارع في منطقة الاعتصام لا تزال خالية إلى حد كبير، تعكس ضوء وحرارة الشمس. الخيام الصغيرة للحركات السياسية والتجمعات المهنية تتراص صامتة يمنةَ ويسارًا. على الأرصفة تتكدس الكراسي البلاستيكية فوق بعضها البعض في انتظار الليل.

تجهيزات الطعام للمعتصمين

عند منطقة «النفق» كما يسميها المعتصمون -وهو نفق سيارات يمرّ أسفل مسار قطارات السكة الحديدية- تنهمك عوضية محمود وغيرها من المتطوعين والمتطوعات في تقطيع الكوسة والبطاطس وتقليب الويكا والتقلية في أوانٍ معدنية ضخمة. هنا مصدر الإعاشة الرئيسي للاعتصام، تقدم عوضية ثلاث وجبات يوميًا لـ 5000 معتصم على حد قولها.

تستمر المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير، وهم من أبرز قادة الاحتجاجات المستمرة في السودان من أواخر العام الماضي، والمجلس العسكري، الذي يضم قادة الجيش السوداني، فضلًا عن قوات الدعم السريع، وهي قوات غير تابعة للجيش السوداني يقودها محمد حمدان دقلو، الشهير بـ «حميدتي»، والذي يشغل حاليًا منصب نائب رئيس المجلس الحاكم للسودان.

على مقربة من هنا، في بداية شارع القيادة، يلف الهدوء مجموعة من الخيام تمثل الأقاليم المختلفة التي عانت ويلات الحرب؛ ينام معتصمون على الحصير داخل الخيام أو يجلسون أمامها في شرود. بعضهم يستجمع قواه وينهض ليكنس الشارع. هناك خيمة «موكب النازحين واللاجئين»، وخيمة «قوى إقليم دارفور»، وأخرى تضم «قوى جبال النوبة المدنية» التي تزين واجهتها صور كرتونية لعمر البشير وأعوانه عُلّقت من السقف بحبال مشنقة لفت حول أعناقها، وكُتب فوقها: «الإعدام لمجرمي الحرب».  

أما في الطرف الآخر من شارع القيادة فيعلو الآن شيئًا فشئيًا، مع انكسار الشمس ووصول أعداد أكبر من المتظاهرين، صوت الطبل المعدني على جسر النيل الأزرق هو أحد الطقوس الأهم للاعتصام.  

للوصول إلى المنطقة الأساسية للاعتصام، يمرّ المتظاهرون بعدة متاريس ونقاط تفتيش مصنوعة من المخلفات الحديدية والطوب توسع نطاقها مع الوقت وأصاب الحركة المرورية بالشلل في منطقة وسط البلد بأكملها، ثم عاد لينكمش مرة أخرى، في محاولة للمتظاهرين لتهدئة الأجواء بينهم وبين المجلس العسكري. بشكل عام هناك اهتمام كبير بعملية التفتيش حتى أنها تتكرر في 15 نقطة على الأقل داخل شوارع الاعتصام نفسها وعلى أطرافها. يحرص القائمون على التفتيش على استقبال الداخل بابتسامة واسعة وهتاف يلقونه بنبرة غنائية:

«ارفع إيدك فوق، التفتيش بالذوق».

هنا يُفتش الداخلون للاعتصام، وتظهر لافتة كُتب عليها: التفتيش بالذوق

يلفت نظري أحدهم، يرتدي فانلة بيضاء مكتوب عليها بالخط الأحمر: «الحل في البل».

منذ لحظة وصولي قادمًا من القاهرة وجدتُ الكثير من هتافات وشعارات الثورة السودانية كأنها ألغاز صعبة على الفهم؛ «صبَّة أبدية»، «الحل في البل». وربما كان ذلك من حسن حظي، فقد حماني من الوقوع في فخ المساواة بين ما يحدث الآن في السودان وبين تجارب الربيع العربي الأخرى. ما يؤدي بالمرء في الغالب إلى استنتاجات سلبية مفادها أنه لا حول ولا قوة لدُعاة الديمقراطية والحكم المدني أمام تمترس المؤسسات العسكرية وأمام مقاومة العديد من القوى الإقليمية ذات النفوذ لحركات التغيير في الشرق الأوسط. لكن: ربما يكون الوضع في السودان مختلفًا.

«الصبَّة» بمشتقاتها هي إلى جانب الـ «مدنية» هما الأكثر حضورًا في شعارات الاعتصام، ليس فقط في الهتاف المذكور «يا حكومة مدنية يا صبَّة أبدية»، بل أيضًا في قول المتظاهرين: «إحنا صابينها»، للتدليل على تمسكهم باستمرار الاعتصام. والصبَّة المقصودة هي صبَّة الأسمنت التي تستخدم في صنع أساسات البيوت، وقد تحوّلت الآن إلى مرادف للعزيمة والإصرار. وهو المعنى نفسه بالمناسبة الذي ينقله شعار «الحل في البل»؛ فيبل الشيء أي يبلغ أقصى مداه.  

الصمود إذن هو العنوان الرئيسي لاعتصام الخرطوم -ربما في استدعاء ضمني لانكسار غالبية ثورات الربيع العربي- ولعل ما يحدث يوميًا على جسر النيل الأزرق أفضل تجسيد لذلك. فهنا، على جسر حديدي قديم بناه الإنجليز، تجمع المتظاهرون منذ بداية الاعتصام ليدقوا حديد الجسر بما تيسر من المواسير والعصى والأسياخ في إيقاع موسيقي منظم، يزيد عددهم أو يقل على مدار اليوم، لكنهم لم يتوقفوا عن «الدق» لحظة واحدة على حد قولهم.

يقول ممدوح مأمون، أحد المشاركين: «إذا لم تتحقق المدنية فنحن صامدون هنا، بل وسنغلق المزيد من الجسور. اليوم أمضيت عشر ساعات في التطبيل على الجسر. في أي وقت تأتي ستجدنا هنا، في الثالثة صباحًا ستجدنا، وفي السابعة صباحًا أيضًا، يذهب البعض إلى النوم ويأتي آخرون غيرهم».

إلى متى يصمدون؟ الكثيرين ممَن تحدثت معهم في الاعتصام ينظرون بنظرة الشك للمجلس العسكري، ولا يثقون فيما قد يبرمه من اتفاق مع قوى الحرية والتغيير. تقول مثلًا نهى موسى، طبيبة: «لو كانوا أهلًا للثقة لما كانوا سلموا لنا البلد بالحالة التي هي عليها الآن. أنا شخصيًا لن أتراجع حتى يتمّ تطبيق الاتفاقات على أرض الواقع. يجب أن يستمر الاعتصام حتى يتم تسليم السلطة لحكومة مدنية».

ويقول الفاتح المكي، تاجر: «يجب أن يستمر الاعتصام حتى تشكيل الحكومة الجديدة، وتكون هي التي تدعو إلى فضّ الاعتصام. لا نريد أن نذهب من هنا قبل أن نكون مطمئنين تمامًا».

أما أميرة ابراهيم، ربة منزل، فتقول: «أنا أطالب بمحاسبة عمر البشير ومعاونيه على الإبادة الجماعية في دارفور».

المطلب الأخير بالذات من أكثر المطالب إشكالية في المرحلة الحالية، إلى درجة أنه لم يجد طريقه قط إلى طاولة المفاوضات بين المجلس العسكري والثوار، ليس بشكل معلن على أية حال. وما يزيد الوضع تعقيدًا هو أن المجلس العسكري الانتقالي نفسه يضمّ شخصيات ممَن يزمع تورطها في جرائم حرب في السودان، أبرزها نائب رئيس المجلس وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المشهور بـ «حميدتي»، والذي كان متورطًا في أحداث دارفور [2003]، وحملت القوات وقتها اسم «الجنجويد».

«يتحاسب بشة ونايبه/

علي عثمان وكتايبه».

[المقصود بـ «بشة»: عمر البشير]

في الطرف الآخر من شارع القيادة أقابلُ إدريس هارون، الذي اتخذ خيمة «موكب النازحين واللاجئين» الصغيرة موطنًا مؤقتًا له. هنا تلوح له كل يوم من الرصيف على الجهة الأخرى الرسوم الكرتونية للزعماء السودانيين تلف رقابها المشانق. إدريس يعمل كمدرس في مخيم كلمة للاجئين في دارفور، لكنه جاء إلى الخرطوم منذ أسابيع ومعه آلاف آخرين للمشاركة في الاعتصام.

بالنسبة لإدريس، مسألة فضّ الاعتصام قبل حلّ كل النقاط الخلافية ليست محل فصال، يقول: «وجود حميدتي هو تحدي كبير، لن أعترف إطلاقًا بالجنجويد على مستوى السلطة.[نحن] كنازحين ولاجئين عندنا مطالب ثابتة وواضحة عند الكل، على رأسها تسليم المجرمين للمحكمة الجنائية الدولية، وأولهم عمر البشير. أيضًا نزع السلاح من الميليشيات كقوات الدعم السريع وغيرها. إن تمّ الاستجابة إلى مطالبي سأعود إلى قريتي، وإن لم يتمّ سوف أظل ثائرًا حتى أحصل على حقوقي».  

وسط هذه الأجواء المشحونة بالشكوك، أتساءل إذا ما ستتمكن قوى «الحرية والتغيير» -في حال التوصل لاتفاق مع المجلس العسكري -أيًا كانت تفاصيله- من إقناع المعتصمين بالعودة إلى منازلهم. هؤلاء الذين أكدوا على أنهم «صابينها» في شارع القيادة حتى تطمئن قلوبهم.  

ما هي إلا دقائق ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب. عند منطقة النفق انتهت عوضية ومن معها من توزيع وجبات الإفطار على الصائمين الجالسين على الحصير المفروش في الشارع، أطباق معدنية كبيرة تحتوي على العصيدة والقراصة المغطاتين بالتقلية والبامية. من ميكروفونات الإذاعة الداخلية أسمع صوت فتاة تدعو لغسل اليدين قبل الأكل، وبعد الحمام كذلك لمنع انتشار الأمراض. ينبعث صوت الآذان فيغرس الجالسون أيديهم في الأطباق الموضوعة أمامهم ويأكلون.

عند خروجي من منطقة الاعتصام، أرى بائعات الشاي بأزيائهن التقليدية الملونة يفرشن الكراسي البلاستيكية في الشارع. بعد ساعات قليلة سيكتظ المكان بالباعة الجائلين الذين يبيعون الخيار والبطاطس بالشطة وسندوتشات البيض. وستبدأ المظاهرات التي تخرج من الأحياء المختلفة في الوصول إلى مكان الاعتصام. أمرّ بعدة نقاط تفتيش وأبتعد شيئًا فشيئًا عن هدير البشر بالداخل. أقف لحظة عند آخر حاجز، فقد ثبت المتظاهرون عليه لافتة صفراء كبيرة مكتوب عليها باللغتين العربية والانجليزية:

«صبرك معانا.. الصبَّة حاصلة».

Thank you for your patience, we’re here to stay

اعلان
 
 
محمود توفيق