صراع على نار هادئة في الخليج: إيران- أمريكا الحرب المحتملة
 
 

انحسرت موجة التصعيد بين إيران وحلفائها الإقليميين من جهة والولايات المتحدة ودول الخليج من الجهة الأخرى مخلفة الكثير من المشاهد والعوامل. عزز التصعيد أثر العقوبات الأمريكية على القطاعات الاقتصادية والبنكية الإيرانية، مؤكدة الإمكانات العسكرية لحلفاء إيران في المنطقة، بالإضافة إلى قمتين خليجية وعربية في 30 مايو القادم في مكة، وموافقة إقليمية لإعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة.

الأطراف جميعها قلّلت من احتمالية المواجهة العسكرية، وأكدت على الاستعداد له في حال بات محسومًا. إيران تقول إنها لا تريد الحرب، لكنها تشير إلى جهوزيتها لاستهداف القطع البحرية الأمريكية في الخليج. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفى ما ورد في صحيفة «نيويورك تايمز» عن إرسال 120 ألف جندي أمريكي إضافي للمنطقة، قبل أن يقرر أمس، الجمعة، إرسال 1500 جندي فقط. السعودية كذلك تقول إنها ستسعى لتجنب الخيار العسكري، لكنها مستعدة للرد بقوة وحسم.  وذلك في الوقت الذي أكد فيه القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي باتريك شانهان إن بلاده أوقفت هجمات إيرانية محتملة كانت تستهدف الأمريكيين.

ملامح التصعيد

خلال أيام قليلة كبرت كرة الثلج في الخليج؛ حذّرت الولايات المتحدة من احتمالية حدوث عمل تخريبي في المنطقة. تعرّضت أربع سفن تجارية قُبالة مرفأ الفجيرة في الإمارات لعمل تخريبي، الأسبوع الماضي. بعد يومين تعرضت منشآت نفطية سعودية للاستهداف بطائرات مسيّرة، تبنى مسؤوليتها حركة «أنصار الله» في اليمن.

وفي نفس الوقت، أجلَت الولايات المتحدة عددًا من دبلوماسييها من بغداد، كما أجلَت شركة «إيكسون موبيل» موظفيها الأجانب من العراق. ودعت البحرين مواطنيها لمغادرة العراق وإيران فورًا. وسرّبت شركة تأمين نرويجية تقرير عن التحقيق المبدئي في عملية الفجيرة، رجحت فيه أن الحرس الثوري الإيراني سهّل استهداف السفن في الإمارات.

الإثنين الماضي، وفي ما بدا أنه تصعيد من قِبل الحوثيين، أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية تصدّت لصاروخين باليستيين أُطلقا من اليمن تجاه الأراضي السعودية.

بعدها، سقط صاروخ كاتيوشا داخل المنطقة الخضراء في بغداد وبالقرب من مقر السفارة الأمريكية. لم يتبنِ أحد الحادث، ولم يستهدف الصاروخ هدفًا محددًا، ما أوحى بأنه حمل رسالة سياسية أكثر من التهديد الحربي.

الثلاثاء الماضي، أخبر مصدر رسمي «إي بي سي نيوز» أن الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن إيران تقف وراء عملية الفجيرة، وتعتقد أن ميليشيات شيعية مرتبطة بإيران مسؤولة عن ضرب صاروخ الكاتيوشا بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد.

رسميًا، وإن كان إيران متهمة بالوقوف وراء هجمات الحوثيين في اليمن، لكن أحدًا لم يتهمها بالوقوف وراء عملية الفجيرة. كما لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن ذلك. يدور بعض الحديث في الدوائر الإيرانية أن «طرفًا ثالثًا» -ربما- لعب دورًا في العملية. في إشارة إلى إسرائيل والتي تواجه إيران وحلفائها في أكثر من جبهة.

أزمة وجودية بين الطرفين

تعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة أزمة بنيوية في قلب سياسات النظامين. من الجهة الإيرانية يرى النظام في طهران إن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل كانا الحلفاء الأقرب لنظام الشاه، وكانت مهاجمتهم جزءًا من مهاجمة الثوار الإسلاميين للنظام القديم. أيديولوجيًا، يُرفع شعار «الموت لأمريكا» في كل المناسبات، وأول مَن رفعه كان المرشد الأول للثورة الإمام روح الله الخميني. هكذا اقتحم ثوار 1979 السفارة الأمريكية في طهران، وهكذا لعب الحرس الثوري الإيراني دورًا أساسيًا في تأسيس «حزب الله» في لبنان إبان الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ووصل الدعم العسكري والمالي إلى حركات مقاومة في فلسطين كـ «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

من جهة الولايات المتحدة، فإن النظر لتاريخ التهديدات بضرب إيران عسكريًا تعود بنا لـ 1979، إذ خسرت الولايات المتحدة واحد من أهم حلفائها، وهو الشاه محمد رضا بهلوي، وخسرت معه إيران كواحدة من أهم مُصدِّري النفط.

على المستوى الإقليمي، فإن التوتر بين إيران وجيرانها العرب كامن منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988). من الجهة الإيرانية، يمكن القول إن الحرب مع العراق ثبتت سياسة إيرانية تعمل على مدّ أذرع سياسية لها في دول الجوار، قادرة على إبقاء التوتر العسكري والأمني خارج أراضيها، وبدأت تلك السياسة في الظهور الفج مع الحرب الأمريكية على العراق في 2003، إذ عملت إيران جاهدة على إرهاق بنية الدولة العراقية، وكذلك على دعم حركات سياسية لها أجندات محلية بحتة، وليست بالضرورة ناشطة على مستوى مقاومة المحتل. كما برز مع دعم حركة أنصار الله في اليمن، الذي تطور لمواجهة عسكرية غير مباشرة بين إيران من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى.

هنا، أصبحت السعودية مهووسة بمسألة النفوذ الإيراني في الخليج، لا سيما مع التحركات المعارضة التي بدأت شرقي السعودية في خضم مظاهرات الربيع العربي، وكان جل المتظاهرين من المذهب الشيعي. هذا بالطبع غير تناقض المصالح السعودية مع إيران في كافة الساحات، في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين.

بالعودة إلى الأزمة الحالية، فإن خلفيتها القريبة تعود إلى مايو من العام الماضي عندما أعلنت الإدارة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وعاودت فرض العقوبات الاقتصادية، والتي استهدفت صادرات النفط والشحن والبنوك.

العقوبات أدت إلى تضرر كبير في القطاعات الاقتصادية الإيرانية، عبّر عنها الرئيس حسن روحاني في تصريحه الأسبوع الماضي بأن «إيران قد تواجه مشاكل اقتصادية أكبر من تلك التي واجهتها في الثمانينيات عندما كانت تخضع لعقوبات دولية خلال الحرب مع العراق».

إقليميًا، انعكست العقوبات على تقليص النفقات على نفوذها الإقليمي، سواء بتضرر الأذرع الإعلامية الممولة من النظام، أو بالتساؤل عما إذا كان التمويل الإيراني لحركات مسلحة فاعلة في المنطقة سيتعطّل، هنا لا نتحدث عن حزب الله في لبنان فقط، وإنما حركات المقاومة الفلسطينية كـ «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وكذلك قوات متعددة في سوريا والعراق، إلى جانب حركة أنصار الله في اليمن. كل هذا يحدث في ظل تصاعد أصوات في الداخل الإيراني تتساءل عن عدالة استمرارية الدعم المالي لهؤلاء في ظل الضيق الداخلي.

مأزق ترامب

أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معظم أوراقه التصعيدية ولم يتبق له إلا اللجوء إلى الحرب، في الوقت الذي توشك فيه الدعاية الانتخابية للرئاسة على البدء. الأمر الذي يجعل خيار الحرب بالنسبة له محدودًا لاعتبارات انتخابية، ناهيك عن رغبته في الالتزام بعدم إرسال المزيد من الجنود الأمريكيين إلى الشرق الأوسط وسحب القوات الموجودة بالفعل.

وللولايات المتحدة آلاف الجنود في العراق والأردن، كما لها قواعد ومطارات عسكرية في السعودية وقطر والكويت والبحرين، غير وجود الأسطول الأمريكي الخامس المسؤول عن تأمين الملاحة في الخليج ومضيق باب المندب وقناة السويس.

ويضمّ الأسطول الأمريكي الخامس حاملة طائرات وغواصات هجومية ومقاتلات بحرية وطائرات تزويد بالوقود وطائرات هجومية وأخرى قاذفة للقنابل.

في هذا السياق قال ترامب إنه في انتظار أن تتصل به إيران، مبديًا الانفتاح على التفاوض، وجرى ذلك في تناقض واضح مع إرادة مستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون، الذي قال في نوفمبر الماضي إنه «سيعصر إيران عصرًا» داعيًا لفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليها.

ويُعرف بولتون بكونه آخر وجوه تيار المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، واعتاد الدفع في اتجاه الحرب.. أي حرب. كان مؤيدًا لحروب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان. كما كان من المؤيدين من داخل الإدارة الأمريكية للحرب في العراق في 2003، وقدّم غطاءً أمريكيًا للحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006 عندما كان سفيرًا لأمريكا في الأمم المتحدة. والآن يرى بعض المحللين الأمريكيين أن الحل الأفضل لتجنب الحرب مع إيران هو إخراج بولتون من البيت الأبيض.

ماذا عن إيران؟

إيرانيًَا، أدى ارتفاع التوتر الجاري في المنطقة والموافقة الخليجية على إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، إلى عدة نتائج مهمة. أولًا، ساهم في ترجيح الجانب المحسوب على الحرس الثوري والمدعوم من مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، على حساب التيار الأقل تشددّا في النظام، والذي يمثّله الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف الميّالان للتفاوض الدبلوماسي، وليس الحسم العسكري.

أدى التوتر كذلك إلى التسويق لتجاوز حالة الاحتقان في المجتمع الإيراني جرّاء الضغط الاقتصادي، وتحويلها من المواجهة الداخلية للنظام إلى ما يشبه حالة تعبئة عامة وراء القيادات السياسية في الحرب المحتملة. هنا، ربما يرى البعض هزيمة مؤقتة للسياسات الخليجية -الأمريكية والتي تحبذ تغيير النظام السياسي الإيراني. بولتون كذلك عبّر عن ذلك في مؤتمر للمعارضة الإيرانية.

في هذه التعقيدات، وبأخذ عوامل الانتخابات الأمريكية المنتظرة العام المقبل، فإن الخيارات المتاحة للإبتعاد عن حافة المواجهة العسكرية محدودة. إما بتجاوز الحوادث في السعودية والإمارات والإبقاء على المواجهات الإعلامية والإدانات الدولية ريثما تأتي الانتخابات الأمريكية برئيس، سواء كان ترامب أو غيره، ليحسم الأمور العالقة. أو أن يؤتي الضغط الخارجي بثماره على إيران ودفعها إلى الموافقة على إجراء اتفاقات تكميلية على الاتفاق النووي الحالي.

ولا يبدو الحل الأخير كافيًا لتجنب المواجهة العسكرية بقدر ما يكسب الطرفين المزيد من الوقت؛ ربطت الولايات المتحدة -وهو ما تؤيده الدول الخليجية- رفع كافة العقوبات عن إيران بتغيير سياساتها الإقليمية والتي تتجلى في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وهو ما يبدو مرفوضًا كليًا من قلب النظام الإيراني، كما هو مرفوض من شركائها المحليين في هذه الدول.

في نهاية الأمر، فإن المشهد الحالي الذي يلعب فيه الطرفان على الحافة، بإطلاق صاروخ هنا وفرض عقوبات جديدة هناك، يحتمل الانهيار والتدحرج نحو الحرب إذا ما تجاوز أحد اللاعبين الخطوط الحمراء التي تبدأ من استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز، وتنتهي عند توجيه ضربة عسكرية لأحد الركائز الإيرانية في المنطقة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن