سابع مدى| رهرطة الواقع
خواطر عن الدراما والطعام
 
 
 
الرسمة للفنان: عمر مصطفى
 

منذ أسابيع انتشرت صورة لسندوتش يقدمه مطعم جديد، خبز صاج سوري أنيق كسندوتشات الشاورما، بخلاف أن ما يحتويه لم يكن شاورما، وإنما كشري، أرز ومكرونة وعدس، وجبة مصرية شهيرة يقال إنها وصلت مصر عن طريق العساكر الهنود الفقراء الراغبين في الشبع بأقل الإمكانيات، والحريصين كذلك على عدم أكل اللحوم.

يبدو أن الصورة، والاختراع، لم يكونا مُرضيين للكثيرين على دوائر التواصل الاجتماعي، وإنما تحوّلا بسرعة لهدف للسخرية والتحفيل، بحجتين، أولهما هو تقديم ما هو شعبي ورخيص في هيئة أنيقة (حيث يرمز العيش السوري، والشاورما السورية، والمسلسلات السورية، وسوريا كلها، إلى شيء «خواجاتي»، لم ينل منه بعد موضوع اللجوء السياسي ولا الهجرة)، والثاني هو العكّ، حشو النشويات بالنشويات، حشو الخبز بالأرز والمكرونة.

ولكن المصريين، وغيرهم أيضًا، لديهم تاريخ طويل مع العك وحشو النشويات بالنشويات، فليس سندوتش الكشري الجديد سوى صورة من سندوتش قديم، يوضع فيه الكشري داخل رغيف من الخبز، البلدي المدعوم هذه المرة، كما يفعل الكثير من الفقراء في مصر.

«أي كلام في رغيف»، نقول في مصر.

من المثير ملاحظة كيف أن رمز العدالة الاجتماعية في الكثير والكثير من بقاع العالم هو رغيف الخبز، لا قطعة الحلوى، ولا شريحة اللحم، وبالتأكيد ولا حبة الخضروات، وأن رغيف الخبز نجا كليًا من وصمة «رداءة الذوق». بالعكس، تتباهى بلاد شهيرة بمنتجاتها من المخبوزات. من المثير ملاحظة أن الرغيف يضفي القيمة على الـ «أي كلام»، لدرجة أننا نربأ بالعيش السوري الصاج أن يحتوي وجبة محلية ورخيصة وغير صحية مثل الكشري. كان هذا السبب الأول لثورة المصريين على سندوتش الكشري الصاج.

الرسوم: عمر مصطفى

بين حشو وحشو

ذكرى أحملها من مراهقتي. أذهب مع صديق لي، خجول بنظارة مثلي، إلى مطعم من مطاعم السندوتشات، وقت افتتاحه فرعًا جديدًا وفاخرًا بجانب بيتينا. لا أذكر ماذا طلبنا ولكن كانت هناك أرغفة من الخبز. وكان النُدّل يأتوننا باستمرار ليسألوننا إن كان كله تمام، وينحنون أمامنا كما ينحنون للسادة، ونحن المراهقين أربكنا هذا كثيرًا ولم نعرف كيف نتصرف.

في أحد انحناءاته سألني النادل عن جودة الخبز، ثم، وبأدب مفرط: «وأخبار اللبابة إيه يا فندم؟».

على غرار السندوتش صُنعت الكنافة؛ من طبقتين، شاطر ومشطور من العجين وبينهما طازج، وهذا الطازج، سواء كان جبنًا أو قشدة أو نوتيلا، يكون غالبًا، في كل سنة، مثارًا لجدل اجتماعي واسع، ظاهره رفض العكّ وباطنه الخوف من التغيير.

يحنُّ الناس لأيام كانت فيها الكنافة طبقة واحدة، ويأخذ حنينهم شكل التحسر على أيام البساطة والتقشف التي ولّت ولن تعود. يرفض الناس الحشو هنا، ليس لتفاهة محتواه، وإنما لقيمته التي تذكّرنا بتعقّّد الحياة المعاصرة: أحن لكنافة أميّّ!

لا يقف أي منطق ليبرر هذا النوع من رفض الحشو، سوى منطق النوستالجيا والحنين لأيام الطفولة.

بجانب هذا، يُقال عادة، في مقام الذم، إن الرواية أو المسلسل مليئان بالحشو، وفي المقابل، ردًا على ذم قميص أو فستان بعينه، يقال إن «المهم الحشو»، المهم الجبن في قلب شريحتي الخبز، جسد وروح الإنسان، لا فستانه أو قميصه. في هذا السياق أُطلقت كلمة «لبابة»، حشو الرغيف الذي هو لبُّه، قلبه.

للحشو وظيفتان متناقضتان إذن. هو أحيانًا الجوهر المهم الكامن تحت القشرة الصلبة، وأحيانًا هو المادة الطفيلية التي نحقن بها الشيء ليكبر حجمه، ولا تزداد أهميته، بغرض خداع الزبون، مثلما تُمط مسلسلات رمضان لتملأ الثلاثين حلقة.

نحاول هنا التركيز على المعنى الثاني، خداع الزبون بالضخامة، المعنى الذي يكره المثقفون الحشو لأجله، ومعهم حق، لأن لا أحد يحب النزول لعمق الدهون، ليحللها ويحاول فهمها واستخراج ما هو قيم منها، فهذه مهمة أشبه بمهمة عامل المجاري. لا أحد يفعل ذلك لأن الدهون/ الماين ستريم/ البلادة كلها أشياء تهدد بتوسيخ الأيدي، بينما يحب المثقف أن يبدو نظيفًا، لامعًا ولا يقول إلا ما هو ضروري.

في لهجتنا المصرية نقول أيضًا «مرهرط» للتعبير عن شكل الجسد الممتد لجميع الأنحاء، ولا يتعلق الوصف بالسمنة فحسب، وإنما بانعدام المعنى أيضًا، بعدم إمكانية الانضباط في شكل أو قوام بعينه. وتحيل الكلمة صوتيًا أيضًا للشيء «المرطرط»، أي الموجود بوفرة تُفقده المعنى، فنقول «مرطرط في السوق» و«العشرة منه بقرش»، وما إلى ذلك.

في كتابه «الروح الضاربة»، تنبأ جورج حنين أن المستقبل سيكون حادًا كالمشرط، وبغض النظر عن عدم تحديده لأي مستقبل يعنيه، فإن الفكرة تبدو لي مضحكة. مؤخرًا، صرت أعتقد أننا إذا أردنا فهم المستقبل بالفعل، إذا أردنا فهم الناس في المستقبل بالفعل، فعلينا تخيلهم بليدين، أغبياء، محشوين بالدهن، ثرثارين، يكررون الكلمة التافهة تلو الكلمة التافهة، فقط مثلنا، فقط لكي يشعروا بوجودهم.

هذه أمور لن تتغير في المستقبل، أو على الأقل، لن تتغير قريبًا.

فقراء متخمون

«قال وهو يتحسس بطنه الضامر: أنا نفسي مرة.. آكل لغاية ما بطني توجعني».

محمد البساطي – قصة «الزفة» – مجموعة «الكبار والصغار».

بالتأكيد، لم يرفع المتظاهرون من أجل العدالة في شتى بقاع العالم شعار رغيف الخبز نظرًا لرداءة ذوقهم. بالتأكيد كان عندهم ما هو أهم من رداءة الذوق ليطالبوا به؛ الشبع، وهو نفس ما يحاول البعض في مصر الوصول إليه. الكثيرون في مصر جوعى.

نظرًا لابتذالها، أي لشيوعها، فكثيرًا ما نتجاهل حقيقة أن الهدف الأساسي من وراء الأكل هو الشبع، وأن الهدف الأساسي من وراء الحب هو ممارسة الجنس.

لأن الإنسان حيوان مثقف، فهو يغطي الحقيقة الأولى بالكثير والكثير من الكلام عن «المطبخ» وعن «المذاقات»، وعن «ثقافة الأكل»، ويغطي الحقيقة الثانية بالكلام عن «الحب» و«كيوبيد» و«الكيمياء المتولدة بين شخصين».

ولأن الإنسان حيوان مثقف، فهو كثيرًا ما يحب تجاهل أنه حيوان، في مقابل تذكر أنه مثقف. الإنسان يحب ما يفرّقه عن زملائه.

ننسى أننا حيوانات، أنشطتنا الأساسية هي التنفس والشرب والأكل والتنايك، وبعد ذلك تأتي مرحلة الثقافة وإضفاء المعنى على الأشياء.

الفقير الجائع الذي ينادي برغيف الخبز، قد يشبع لاحقًا، بينما لم يتخل عن فقره بعد. لا يصبح الشبع عنده هدفًا مرحليًا يلتفت فور تحققه لتحقيق أهداف أخرى، وإنما يتحوّل لهدف نهائي؛ شبع وشبع وشبع، ثم تخمة وتخمة وتخمة، مع لا مبالاة بمتع أخرى، حتى يتضخم الكرش، وفي أعقابه تتضخم جميع أعضاء الجسم.

على خلاف الأزمنة السابقة، التي رُسم فيها الفقراء نحيلين والأغنياء سمانًا، فإن هذه الصورة تتشوش بقوة الآن، أصبح من الصعب جدًا الآن (باستثناء حالات متطرفة) ربط السمنة بالثراء والفقر بالنحول. يبدو كأن كثيرًا من الفقراء ارتدّوا أطفالًا رضعًا لا يعرفون من متع الحياة سوى الأكل؛ رجولة مرتبطة بالأكل كثيرًا، وتدعي لنفسها تفوقًا خشنًا على الأنوثة الرقيقة، في مقابل أنوثة حزينة لربة منزل لا تستمتع في حياتها سوى بالأكل ومشاهدة المسلسلات.

ولن تعدلوا!

استلهامًا من فوكو، ربما كان المبدأ الأساسي والأولي لنشوء «الأخلاق الفردية»، الأخلاق التي تعنى بالذات وليس بالآخر، الأخلاق التي عمادها «لا تزن»، وليس «لا تقتل»، هو عدم الإفراط: لا تفرط في الأكل، لا تفرط في الخمر، لا تفرط في الجنس.

بعض الثقافات دفعت بمبدأ «عدم الإفراط» هذا إلى التحريم الكامل، مثل الثقافة الإسلامية مع الخمر. وبعضها، الثقافة الإسلامية أيضًا، دفعت به إلى الإفراط الكامل، أكل اللحم مثلًا في عيد الأضحى.

مع هذا، ظل «الاعتدال» بالنسبة للبشر جميعًا، وفي كل الثقافات، أمرًا محمودًا. حتى بالنسبة لمسلم متشدد، وحتى بالأخذ في الحسبان حديث «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، سيظل مَنْ يشرب كأسًا من الخمر يوميًا مريحًا أكثر من السكير الذي يمشي متطوحًا في الشارع ومسببًا المشاكل.

المشكلة الحقيقية أن هذا «الاعتدال» غير محدد، أنه قيمة نسبية ومطاطة وخاضعة لأمزجة البشر المختلفين، وبالتالي فلا يصلح لأن يكون قانونًا. ما يصلح لأن يكون قانونًا هو التحريم الشامل، أو الإفراط للحد الأقصى، لحد التقيؤ وتعب المعدة.

بدأت الصلاة في الإسلام بخمس فروض قصيرة، ثم نمت لتشمل السنة، أي الصلاة كما صلى الرسول، ثم وصلت أحيانًا إلى «قيام الليل» كله.

ليس من قاعدة تعرّف الاعتدال أو عدم الإفراط، ولو عرّفته لصار شيئًا آخر. يقول الرسول في حديث آخر؛ «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، لماذا لم يتحوّل هذا الحديث إلى قانون تتبناه الصحوة الإسلامية، ضد التخمة مثلًا، مثلما تبنت تحريم السجائر انطلاقًا من آية قرآنية شديدة البعد والعمومية تقول «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»؟

لأن الإنسان يميل إلى الإفراط أو التفريط. لأن الاعتدال ممل وغير درامي، ولأنه غير مُعرّف، ينطبق على كل فرد بحسب مقدرته، أي لا يمكن أن يصبح قانونًا.

وإيه بقى؟

يلتقي صديقان لم ير أحدهما الآخر منذ زمن طويل، فيهتف أحدهما معانقًا الآخر: «إيه يا مان؟»، ليرد الآخر: «إيه يا مان؟».

تعني «إيه يا مان»، حرفيًا، «ماذا يا رجل»، وبأقل حَرْفية تعني «ما أخبارك؟». ولكن في الحقيقة فهي لا تعني ذلك، لأن أحدًا من الصديقين لا يهتم بشرح أخباره للآخر. الترجمة الأبعد هي «أهلًا»، فيرد الآخر: «أهلًا»؛ كلمة لا معنى لها تُقال فور لقاء الإنسان بإنسان آخر يعرفه.

مثال آخر، يجلس صديقان في المقهى، تحل لحظة صمت معوق بينهما، ثم يقول أحدهما: «وإيه بقى»، فيرد الآخر: «إيه بقى؟».

إن الترجمة الحقيقية للـ «إيه بقى»، هي: «كيف سنملأ الفراغ في الكلام الذي حدث الآن؟»، إن الترجمة الحقيقية قد تكون:

– اخترع أي شيء لنقوله الآن.

بل اخترع أنت أي شيء لنقوله الآن.

هاتان الجملتان الحواريتان، أو مثلهما، لا يُعنى الفن، بما فيه المسلسلات المترهلة، أبدًا بتقديمهما، لأن لا معنى محدد لهما، لأنهما فقط يملآن الفراغ، لأنهما حشو، لأنهما ثرثرة، حتى لو أُلقيتا باقتضاب، ولو بين صمت وصمت.

الكتابة.. الكلام.. لغة الجسد

عملتُ لثلاث سنوات تقريبًا محررًا لمقالات الرأي في موقع «مدى مصر».

التعريف الأساسي لعملي، كما كنتُ أشرح لنفسي، هو تخليص الكتابة من الثرثرة، تحويل النص لعضلات كاملة، سواء عضلات منطقية أو جمالية، أي أن تقدم كل كلمة جديدًا. بهذا المعنى، تتناقض وظيفتي مع ما أحاول فهمه هنا؛ أهمية الثرثرة، الجديد الذي تقدمه. بهذا المعنى، تتناقض وظيفتي مع ما أحلم بفهمه.

تاريخيًا فيما أظن، اختُرعت الكتابة لغرضين، التخليد والتذكير، الملك يريد لاسمه البقاء على جدران المعابد بعدما يموت، والفلاح يريد تذكير نفسه بكم بقرة باع، وكم عودًا من الذرة قطف.

ولأن الكتابة أصعب من الكلام، تحتاج أدوات، قلمًا وأوراقًا مثلًا، فيما لا يحتاج الكلام إلا لصوت المتكلم، فقد اصطلح الناس على قَصْر عملية الكتابة على الحد الأدنى؛ تكلم كما تحب، ولكن عندما تكتب لا تكتب إلا ما هو مهم. بهذا تورطت الكتابة في القداسة، وظل الكلام في منزلة الأفعال اليومية المبتذلة.

هذا المعنى ورثته أثناء عملي محررًا؛ نادرًا ما أصحح لأحد ركاكة أجدها في كلامه، وأفعل هذا بكل أريحية مع النصوص المكتوبة.

ولكن الكلام يعود في العصر الحالي ليكسب أرضًا أمام الكتابة؛ صحافة تنتج فيديوهات وملفات مسموعة، و«فويس نوتس» بدلًا من الرسائل المكتوبة، وكثير من الأعمال الأدبية العظمى، والأقل عظمة أيضًا، تُفرّغ في كتب مسموعة.

الآن، يصعب الحديث عن ميزة جوهرية يمكن للكتابة تقديمها، ولا يقدّمها الكلام، بخلاف اعتياد الناس على القراءة. والعادات، كما نعرف، تتغيّر.

يعني هذا أن الكتابة قد تختفي يومًا ما، ولكن لا يعني أن «قداسة اللغة» ستختفي. سيظل هناك تمييز بين نص محسوب ومُهندس جيدًا ولا يقول إلا ما هو ضروري، وبين نص ثرثار يسهل حذف ثلاثة أرباعه، حتى وإن كان كلاهما مسموعين، لا مقروءين. سيظل البشر يميزون بين هذين النوعين من الكلام، وسيظلون يقدسون النوع الأول، ولا يلتفتون للثاني.

قصة لا أمَلّ من تكرارها: في 48، أشار بن جوريون أمام رابين بتلويحة من يده بطرد سكان اللد والرملة الفلسطينيين، فقط تلويحة يد غير مكتوبة ولا مثبتة. ولم يصل خبرها  للعلن إلا بمعجزة، حكاها إسحق رابين لكاتب سيرته الذاتية، ثم لم تُطبع ثم نقلها الشاعر إسحق لاؤور عن كاتب السيرة. لولا المعجزة لماتت ولما تبقى أثر يوثق جريمة طرد 50 ألف نسمة.

وقصة أخرى: كان السيسي يتحدث عن «أربع أقسام» [للموازنة العامة للدولة]. وبينما هو يتحدث عن الأقسام الأربعة، رفع أصابع أربعة، كما هو متوقع، ثم تراجع بسرعة ورفع إصبعًا خامسًا.

 

كنا في العام 2014، حيث الإشارة بأصابع أربعة تعني على الفور تأييدك لـ «لإخوان المسلمين».

أولًا، كان هذا مستحيل الترجمة، فحتى تشرحه لشخص غير عربي ينبغي أولًا شرح أن مذبحة جرت ضد «الإخوان المسلمين» في ميدان رابعة العدوية، وأن «رابعة» تعني أربعة، وأن الإشارة بأربع أصابع تعني بالتالي أنك تدعم ضحايا رابعة من الإسلاميين، وقد تضيف حاشية بأن الأمر مأخوذ من الإشارة بالأصابع للميكروباصات، لتسألها إن كانت ذاهبة إلى ميدان رابعة أم لا.

ثانيًا، تكمن أهمية اللقطة في أنها تُرينا بوضوح وَعْي السيسي، سواء بالتطورات التكنولوجية الجارية، أو بالموجة الاستهزائية شديدة الارتفاع في مصر آنذاك، أو بالجريمة المنسوبة لنظامه هو نفسه. تكمن أهمية اللقطة في أنها تُظهر شيئًا من الدم على يد ماكبث.

ثالثًا، لو طلُب من صحفي غير مصري كتابة خبر عن هذا الخطاب، فسيكتب أن السيسي تحدث عن أربع أقسام، وإذا أراد التجويد وإضافة بعد بصري للخبر، سيضيف «مشيرًا بأصابعه الأربعة»، ولكن هذا سيكون خطئًا، لأن السيسي أشار بأصابع خمسة. ولو أراد الصحفي إضافة الإصبع الخامس لتعطلت الكتابة تمامًا، راحت في موضوع آخر غير المخصصة له، وأضافت المزيد من الكلمات على نص يُفضّل، دائمًا في عرف الصحافة، أن يكون قصيرًا.

لتصوير اللقطة، التي جرت في ثانية واحدة، كتبنا هنا ما لا يقل عن عشر كلمات، ولشرحها، كتبنا ما لا يقل عن خمسين.

كانت هذه لقطة جوهرة، عثر عليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي في دهون لغة الجسد المحيطة بعضلات الكلام، راجت ليوم واحد، ثم نساها الجميع، ذابت في المجاري مع سائر دهون الترند.

صراع الكوميونة والتلفزيون

في كل ما سبق، فإن الكلمة التي تفادينا قولها حتى الآن هي «الثلامة»، وتُنطق بالمصرية «تلامة»؛ مقلوب «الحدة».

سيظل جزء كبير من العالم ثلمًا، بليدًا، محشوًا بكيوس دهنية متفرقة، ربما إلى أن يتطور الإنسان، أي: إذا أصبح كائنًا آخر غير الإنسان، وهذا سيحدث بالتأكيد إذا صدقنا نظرية التطور وصدقنا أن الوجود لا نهائي، ربما حينها فقط يصبح العالم مشدود القوام.

الثقافة كلها اختُرعت لتشدّ قوام الواقع، لتضفي عليه المعنى، والواقع يأبى. الواقع مؤخرة سمينة تأبى الانضباط في الكيلوت.

حاولت كل مشاريع الحداثة الكبرى، الفاشية والشيوعية والإسلامية والصهيونية، شدّ قوام الإنسان، خلق إنسان جديد، وفي مرحلة تالية، الادعاء بأن مثل هذا الإنسان خُلق بالفعل.

ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل. لم يُخلق الإنسان الجديد.

أحد أسباب فشل هذه المشاريع أنها لم تقدر أحد أهم عناصر «طبيعة الإنسان»، بوصفه كائنًا أنتوخًا سرعان ما يستجيب، إذا ما امتلك القدرة على هذا، لإغواء الجلوس على الكنبة ومشاهدة التلفزيون. ثم، وهو الأنكى، يجد السياق المنطقي الذي يبرر به نفسه، في الحالتين.

منذ أيام الكيبوتسات الأولى في فلسطين، حاول الصهاينة ابتكار النموذج، الإسرائيلي الجديد، الذي يمسك السلاح بيد والفأس بيد، والنتيجة كانت لسنوات بعدها شيوع نموذج للشاب الصهيوني في الكيبوتس؛ شاب متجهم وهازئ ولا ينطق إلا ما هو ضروري، ويخبرنا الأديب الراحل عاموس عوز، هو المقدسي، عن غيرته من شباب كيبوتسيين كهؤلاء.

شاع النموذج لسنوات، ولكن كان مآل المشروع، كالعادة، هو الرهرطة؛ مهاجرون كثر من بلدان متفرقة أتوا لإسرائيل بحثًا عن حياة أفضل، مهاجرون غير مؤدلجين بالضرورة، حمقى مثلنا وأكثر، يكررون الكلام مثلنا وأكثر، يؤمنون بترهات مثلنا وأكثر.

للصدق، فالصهاينة الأوائل، صهاينة أول القرن، كانوا يؤمنون بالترهات هم أيضًا، وإنما كانت ترهات مشدودة القوام، ترهات أشبه بماكينة الحداثة، ترهات الاشتراكية في امتزاجها مع العِرق، كما كانت النازية.

بعد حياة الكوميونة المتقشفة التي لا تؤمن إلا بما هو ضروري، دخل التلفزيون الكيبوتس، اطَّلع الإسرائيليون، كما تخبرنا القصة الشائعة، على مستويات من الرفاهية (الدهون) لم يتخيلوا وجودها، فبدأوا في الاقتراض من البنوك حتى يواكبوا الحياة المرفهة التي يرونها على الشاشة، إلى أن غرقوا في الديون ووصلنا إلى لحظة خصخصة الكيبوتسات من أجل سد الديون.

High sparrows

المثال الأوضح في ذهني، هو وداع الناس عند باب البيت، لحظة نهاية الزيارة. شيء ما يلهمنا في لحظات الوداع هذه ألا نكتفي بالـ «سلام.. سلام»، شيء ما يلهمنا ملء هذه اللحظات بالدهن، تحميلها بأكثر الكلمات خلوًا من المعنى، ولو كان مجرد غمغمات غامضة.

عندما يزورني أحدهم في البيت، ومهمًا كان الحوار بيننا أذكى ما يكون، مقتضبًا وعمليًا كأكثر ما يكون، أجد غرابة في أن يقول لي: «أنا ماشي دلوقتي»، فأقول له: «طيب سلام». لابد من الوقوف وتوديعه حتى باب البيت، ولابد من الغمغمة، كان لها معنى أم لم يكن. لابد من الحشو، لابد من إشعاره أني لم أكن أنتظر رحيله، ولو عبر الثلامة والحشو باللامعنى.

يدلنا المنطق العلمي السليم على أن المنطق العلمي السليم يكسب. ولكنه كثيرًا جدًا جدًا ما لا يكسب. لسببين، أولهما أنه طول الوقت هناك أكثر من منطق علمي سليم (غريب، ألا يُفترض بالمنطق، أليست الميزة الأساسية للمنطق، أنه واحد أحد؟)، وثانيهما لأن البشر كثيرًا ما يميلون لتعطيله، واعين بهذا: «أنت بتتكلم بعقلك بس أنا بتكلم بقلبي».

هل ينتمي الإيمان للمنطق؟ أعتقد أن الإيمان بالتعريف هو ما لا يعتمد على المنطق، ولكن الإيمان في نفس الوقت يغيّر حياة البشر. الإيمان (الأيديولوجيا) ينتمي لذلك الجزء المدهنن من الواقع، هو جزء من الواقع وليس جزءًا من العقل. ونحن نعرف هذا جيدًا، لأننا نعرف كيفية انتشار الأفكار، الذكية منها والغبية، لأننا ببساطة معاصرون لوسائل التواصل الاجتماعي.

لا أحد يعرف بالظبط إن كانت «الثورة صح أم غلط»، يتجادل البشر في هذا، ولكن ما يعرفه الجميع أنها كانت «مُلهِمة»، لأن مشهدًا بطوليًا قد يؤثر أكثر بكثير من تأثير ألف فكرة ذكية، وأنها كانت «طازجة»، أمرًا جديدًا ومفاجئًا بعد عقود من الملل المباركي. لهذين السببين، وليس بفضل ذكائها ولا بفضل قدرتها على محاججة الخصوم، كان تأثيرها.

لهذين السببين أيضًا، تحورت الثورة، من طور الاحتجاج السياسي إلى طور مئات الحركات الثقافية والجندرية الاجتماعية القائمة، مئات الأفعال الصغيرة التي تُنتج يوميًا في كل بيت، حتى لو لم تذكر فيه قط كلمات من عينة «التحرير»، «25 يناير»، «السيسي»، «الإخوان»، «الانقلاب»، وغيرها. وعلى الصعيد الآخر، ورغم القبض على آلاف الإسلاميين، فقد بقي الفكر الإسلامي في مصر في آلاف والآلاف البيوت أيضًا.

هل يمكن لأي عمل فني، مهما بلغت ملحميته، تناول بدقة مرحلة «انتشار الأفكار» هذه؟

كان الحل في مسلسل «لعبة العروش»، لدى سيرسي لانستر، للتخلص من أفكار العصافير The sparrows، وعلى الرغم من الوعي بشعبية أفكارهم، هي تجميع كل العصافير في معبدهم وتفجير المعبد. ولكن ماذا عن المجتمع، يا عزيزي «لعبة العروش»؟ ماذا عن انتشار الأفكار بأجنحتها في كل مكان؟ هل انحلت المشكلة هكذا؟

في نفس المسلسل، يسخر أحد العوام المتبطلين على المصطبة من سيرسي لانستر، فيلحقه الجبل، الحارس الشخصي لسيرسي، في مشهد مهيب وقاس، ليدق رأسه بالحائط ويقتله. ولكن ماذا عن سائر العوام؟ ماذا لو كانت السخرية تحوّلت لـ «ترند»، لشيء لا يمكن كبحه ولا إيقافه؟ وكلنا نعرف أن السخرية إن انطلقت فلن يوقفها شيء.

حتى في مسلسل ملحمي جبار بإنتاج شديد الضخامة كهذا، يدعي خلق قارتين كاملتين وسرد أحداثهما، كان من الصعب تصوير «الشعب»، وكان الحل إما بتصوير المؤمنين كحفنة من المتآمرين، أو بتمثيل الشعب في شخص واحد. وبالتالي، كان من الصعب أن نفهم كيف تنتشر الأفكار، ثم، وبالتالي، كيف تحدث الثورة.

لوم الضحية

لنتخيّل شعبًا من المُستعمِرين، يتميز بأن كل أفراده -بلا استثناء- غلاظ دمويون قساة القلوب، في مقابل أفراد الشعب المُستَعمَر، الذين يتميزون كلهم -بلا استثناء أيضًا- بكراهيتهم المطلقة للمستعمِر.

هذه الصورة ستكون مثالية بالنسبة لأدبيات «المعتدي والجاني»، لأنها ستوفر الكثير والكثير من الجهد في شرح الاضطهاد، فالاضطهاد شديد الوضوح الآن، ويكفي التقاط أي صورة يومية يقترب فيها مستعمِر من مستَعمر لتوضح حقيقة الاضطهاد وبشاعته.

ولكن الواقع ليس كذلك للأسف، الواقع مليء بالتفاصيل التي لا لزوم لها، التفاصيل التي تعطل الصورة السوداء، الحادة كالسكين، للجاني والضحية.

لدى الكلام عن شعب من المستَعمرين، من الضحايا، في الأدبيات السياسية، يجري كثيرًا تجاهل لا مبالاة الكثير من الضحايا بواقع الاضطهاد، أو بالسياسة بشكل عام، يجري تجاهل حقد الضحية على الضحية الأخرى، تماهي الضحية مع المعتدي عليها، رغبتها في تقليدها، واستبطانها، وهو الأخطر، لواقع الاضطهاد باعتباره الواقع الذي سيحقق لهذه الضحية نفسها الترقي الاجتماعي الذي تصبو إليه.

وعندما يلتفت أحدهم للمضطَهدين غير المبالين بالسياسة، كما صار يجري مؤخرًا،  توصف حياتهم اليومية بـ «المقاومة السلبية». شرح هذا علاء عبد الفتاح بشكل جيد في اللقاء الذي أجراه معه «مدى مصر».

في فيلمه «أوغاد بلا ضمير inglourious basterds»، يصور كوانتين تارانتينو اليهود وهم يقاومون النازيين. وفق الطريقة التارنتينية المعتادة، يخطط اليهود الفرنسيون طول الفيلم للانتقام من النازيين، بكثير من الدأب والاحترافية و«الانتقام وجبة تُقدّم باردة»، عبر تفجير العرض السينمائي أو الموسيقي الكبير في دار السينما، وفي عونهم يهود أمريكان، عصابة لا تعرف الرحمة، تسلخ فروات رؤوس النازيين وتحفر مكانها صلبانًا معقوفة أو شيء كهذا.

على قدر ما تبدو هذه الحبكة مخلصة لتارانتينو، على قدر ما تفشل في إدراك واقع اليهود أثناء الحقبة النازية، واقع الضحية الذي يتماهى مع جلاده، واقع الانكسار النفسي لليهود، وربما واقع تصديقهم هم أنفسهم أنهم عالة على المجتمع. يفشل تارانتينو في إدراك بلادة الضحية وخيبتها، متصورًا أن الضحية، بما أنها ضحية، فهي تنشغل بالمقاومة بشكل بديهي.

في «الغواية الأخيرة للمسيح»، يخطو سكورسيزي خطوة أبعد، ينشغل بـ «اليهودي الخائن لشعبه»، فيُصوّر يسوع الناصري اليهودي، صانع الصلبان التي سيُصلب عليها شعبه من اليهود، بوصفه اليهودي الخائن. يقوده الرومان محاطًا من الجانبين بيهود يلعنونه ويصمونه بالخيانة وبالتعاون مع العدو.

ولكن التعاون مع العدو لا يجري هكذا. قبل يسوع الناصري، وربما معه، كان هناك بالتأكيد مئات من اليهود المتعاونين مع الرومان، الكثير من اليهود الجبناء، الحريصين على أكل عيشهم وعلى المشي بجوار الحائط، وبالتأكيد صنع هؤلاء لأنفسهم نظرية سياسية، مَنْطَقوا بها تعاونهم مع العدو، وبالتأكيد كان لخطابهم تأثير بين يهود أكثر، يرغبون هم أيضًا في الارتقاء بحياتهم الاجتماعية، أو على الأقل، الحفاظ على مستواها كما هو.

التعاون مع العدو يشق المجتمع، بل وربما يصبح التعاون مع العدو هو الحالة الأصلية، الغالبة، فيما المقاومة دائمًا هي الخروج عن المألوف.

كانت ثمة تفصيلة شديدة القيمة في قضية «فتاة الإيميل».

تخبرنا القصة أن الشاب بعد أن اغتصب الفتاة، صاحَبَته هذه، وكان لهذه المعلومة أن تُفقد الفتاة، ضحية الاغتصاب، أي تعاطف مفترض معها. فوفق المنطق، المنطق شديد المنطقية، البسيط والواضح، فإن فعل مصاحبة المغتصب، بعد فعل الاغتصاب، يجبُّ تلقائيًا فعل «الاغتصاب»، لا تكون الضحية ضحية إلا رغمًا عنها، أما لو راحت بمزاجها فتسقط عنها صفة «الضحوية» تلقائيًا.

ولكن من وجهة نظري، كما من وجهة نظر الكثير من النسويات، ففعل الاغتصاب لم يُلغ، وإنما ظل حاضرًا هناك، لأن المغتَصَبة تصاحب مغتصبها أحيانًا، نتيجة لعدم ثقتها بنفسها أو لرغبتها في التبرير أمام نفسها أنه لم يكن اغتصابًا وإنما جرى بإرادتها.

فورما سمعت هذا الدفع حتى همستُ: اللعنة، هذا هو ما يحدث فعلًا، يصاحب الضحايا مغتصبيهم فعلًا، هذا هو الأمر الواقعي تمامًا، ليس بالضرورة المنطقي، ولكن الواقعي. وأدعي أن الصراع بين «المنطقي» و«الواقعي»، بهذا المعنى، كان أحد أهم أسباب ارتباك الناس لدى تناول هذه القضية. دهون الواقع تعطّل إمكانية القطع بحكم، تليّن عضلات المنطق وترخّيها.

وبينما نحن في منطقة الجندر والنسوية، لم نغادرها بعد، أحب التعليق على فيديو ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي، بعنوان «التحرش مبيضحكش»، وعُرض فيه الكثير والكثير من نجوم الصف الأول، عادل إمام مثلًا، وهم يتحرشون بالممثلات في أفلامهم.

كان تعليقي أن التحرش بيضحّك، وأن الضحك، بالتحديد، هو ما يجعله مستمرًا وحيًّا. ولنتذكر مشاهد التحرش التي نراها في الشارع، كثير جدًا من المتحرشين لا يتحرشون في الشارع بغرض ممارسة الجنس، وإنما بغرض ممارسة اللهو مع أصدقائهم. يمدّ المتحرش يده بسرعة نحو مؤخرة الفتاة، فتخاف البنت وتجري، وربما تتعثر، فيعلو صوت الضحك الجنوني من المتحرش وأصدقائه. ما الذي يجعل أطفالًا يضحكون وهم يعذبون قطة؟ أو كبارًا يضحكون وهم يهينون صديقًا لهم قليل الثقة بنفسه؟

يعمل المرح هنا كدهن، كمزلّق للشر، المتمثل في التحرش. المرح هنا هو الوسيط اللزج الذي تسبح فيه عضلات الشر، فيسوّغها ويجعلها أكثر مقبولية وإمتاعًا.

أحيانًا تضحك ضحية التحرش نفسها، ربما لأنه لا يليق بها ألا تضحك في مواجهة الزعيم عادل إمام، أو لأنها لا تريد قطع عيشها، وربما لو واجهتها بأنها تجامل الزعيم، وأنها «تمثّل» الضحك، لدافعت عن نفسها بشراسة وأخبرتك أنها كانت تضحك من قلبها فعلًا.

المعادلة ليست مجرد معتد شرير وضحية مقهورة، وإنما تدخل فيها ضحية تتماهى مع المعتدي عليها أحيانًا، ضحية تتصور أن فعل الاعتداء هو الفعل الطبيعي، وتحاول إقناع نفسها بذلك، ومعتد يُحسن أحيانًا إلى الضحية (يتوهم أنه يُحسن، طبعًا)، وضحية تحبه لأنه يحسن إليها (تتوهم أنه يحسن إليها، طبعًا). المعادلة ليست فقيرًا نحيلًا وغنيًا سمينًا، وإنما أحيانًا فقيرًا أكثر تخمة وبلادة بكثير من نظيره الغني.

هذه المشاعر شديدة التعقيد يمكن العثور عليها في الدهون في رأيي، في آلاف الكلمات والاستطرادات والنظرات والتفتفات وحركات الأصابع، التي تدخل لتضعف عضلات المعادلة؛ الضحية والمعتدي.

المنطق لا يحرك البشر، وإنما تحرك أغلبهم المخاوف غير العقلانية والبلادة وانكسار النفس وانكسار العين، ثم بعد كل هذا، يمنطقون حركاتهم. دومًا ما يجري تقريع المصريين، في محاججة ذكية، لكونهم ثاروا على أخطاء مرسي، ولم يحركوا ساكنًا أمام فظائع السيسي، كل ما فعله مرسي فعل السيسي أضعافه. ولكن المصريين لم يثوروا على السيسي وإنما ثاروا على مرسي. لسبب غير منطقي ربما: مرسي كان يمثل المجهول بينما السيسي يمثل المعلوم؛ الدولة والنظام.

ولكن المجهول لن يظل مجهولًا إذا عرفناه.

– حسنًا، ولكن قبل أن نعرفه، سيظل مجهولًا، وسيظل مخيفًا. ليت المسألة كانت لعبة شطرنج.

بالمناسبة، وفي فيلمه المذكور سالفًا، يقدم تارانتينو أفضل محاججة بخصوص هذا الموضوع، محاججة سوّغت إبادة اليهود من وجهة نظر صاحبها، الضابط النازي: لماذا يخاف البشر الفئران ولا يخافون السناجب؟ هي محاججة ليس فيها شيء من المنطق، لأنها لا تقدم إجابة. هي تقول ببساطة: «صحيح أني لا أعرف لماذا يخاف البشر الفئران بينما لا يخافون السناجب، ولكن هذا ما يحدث، هذا هو الواقع». هي محاججة غبية، لأنها لا تقدم تفسيرًا، وذكية، لأنها لم تخف الاقتراب من المناطق غير المفسرة.

هل يمكن انتقاد الضحية؟

رأيي أنه نعم. يمكن انتقاد الضحية، لوم الضحية حسب التعبير سيء السمعة، إذا شئتم، شريطة الانحياز لها في النهاية.

جميعنا دنيئون، لا ملائكة على الأرض، ولكن ثمة دناءة تتمثل في بردان يسرق بطانية من بردان ليتدفأ هو، ودناءة أخرى تطرد أسرًا من بيوتهم لتبني على الأرض قرية سياحية، والفرق بين الدناءتين دائمًا هو فرق كمّي، وليس فرقًا نوعيًا.

وإذا اعتبرنا أنفسنا «مفكرين»، أي أشخاصًا يفكرون، وبناء على تفكيرهم يصيغون مواقفهم، لا أشخاصًا مطمئنين لمواقفهم، فيمكننا الحديث عن الدناءتين، بشرط وضع كل منهما في حجمه. وهذا هو مأخذي الأساسي على الموجة الأخيرة من النسوية، كما على الكثير جدًا من الحركات الضميرية التي ظهرت في مصر، كونها تخاف التمعن في «دناءة الضحية». كون النسوية مثلًا، بجانب إدانتها المستحقة للرجال بوصفهم أصحاب الامتيازات، لا تهتم كذلك بالتمعن في «الدناءات الصغيرة النساء»؛ حقد المرأة على المرأة أحيانًا، تبني النساء للخطاب الذكوري أحيانًا، واحتكامهن لسلطة الرجل، رغم الأهمية الشديدة لفهم هذه الدناءات الصغيرة لفهم كيف تعمل الامتيازات وكيف تُقاوَم، كيف يجري التأقلم معها أحيانًا، وكيف يُعاد إنتاجها على يد الضحايا أنفسهم أحيانًا أخرى.

التحرج من لوم الضحية مفهوم بالطبع، فجزء كبير من الكلام في مصر حول التحرش مثلًا، يبدأ وينتهي بلوم الضحية؛ تلبس ملابس قصيرة، تفتري على الرجل، تتلذذ بالتحرش، وما إلى ذلك، وهذا ما شكّلت الموجة النسوية الحالية، أو تحاول، الرد عليه.

كيف يمكن مع هذا، للحركة النسوية الجديدة أن تكون أقل تحرجًا، ولو قليلًا، من لوم الضحية، مع الانحياز لها في نفس الوقت؟

يغدو هذا في عيون الكثير من النسويات، كما هو في الحقيقة، غالبًا، حذلقة وهروبًا للأمام، يداريان وراءهما الرغبة الدفينة في تحميل الضحية عبء «ضحيوتها».

ولكن باعتقادي، فبدون الكلام عن دناءة الضحية، لن يمكننا فهم كيف يعمل المجتمع وكيف تعمل الامتيازات، وبدون الكلام عن خيبة الضحية، وهي الخيبة النابعة من الخطاب الذكوري بالأساس، بتغلغله داخل نفوس ضحاياه من النساء، وبناء عليه، بدون حث النساء على أن يصبحن أكثر ثقة في أنفسهن وفي قدرتهن على الرفض كما على المبادرة، فلن يتعدى الموضوع المناداة بمجتمع من الرجال الخائفين من الجنس الآخر والنساء الخائفات من الجنس الآخر، على غرار ما تتحوّل أحيانًا بعض الدعوات الرثة للاشتراكية إلى المناداة بـ«الفقر للجميع»، بدلًا من «الرفاهية للجميع».

هناك جناة وهناك ضحايا، ولكن بين الاثنين أطنان من الدهون التي تعطّل كثيرًا هذه المعادلة، بل وتقلبها أحيانًا، ويظل هناك جناة وهناك ضحايا.

باعتقادي أن من الممكن لوم الضحية والانحياز لها في نفس الوقت. يمكننا فهم مثلًا كيف يتحوّل أكل النشويات إلى عادة لدى بعض الفقراء، أو كيف يتحول الأكل بشكل عام إلى عادة، ولكن يمكننا أيضًا لومهم بسبب هذا. من الممكن الموافقة على تذمر السيسي المتكرر من زيادة أوزان المصريين، مع الوعي بأن نظام الإفقار الذي ينتهجه هو نفسه المتسبب في هذه الحالة من رثاثة الضحايا ورهرطتهم وكروشهم المتدلية.

الفهم بشكل عام هو المهمة الأولى للمثقف، سواء كان مسيسًا أم لا، والفهم بغرض التغيير هو المهمة الأولى للمثقف المسيس.

في الحالتين على الفهم أن يكون فهمًا، أي أن يبدأ من تأمّل الموضوع كما هو، لا كما يراد له أن يكون، مع عدم التحرج أبدًا من ترديد كل المقولات غير المريحة، ولا التحرج من قول البديهيات، ما لا يلفت أحدًا.

ولكن، ولكي تزداد المسألة تعقيدًا، فالمثقف لا يكون دائمًا مثقفًا، هو لا يمارس الثقافة لـ24 ساعة في اليوم، إنه إنسان، له احتياجاته الإنسانية الأولية، ثم أنه يرتبط بشبكات من المصالح، تطغى كثيرًا على الأفكار المجردة، ثم أنه قد يكون نشطًا سياسيًا، له أيديولوجيا، إيمان ما، يحتاج من أجل تسييده إلى تجاهل الكثير من الأفكار والتفاصيل الدقيقة التي ستشوش على إيمانه.

وبالتالي، فمحاولات الفهم لا تصل دائمًا إلى الفهم. غصبًا عننا، نحوّل الفهم لشيء آخر؛ محاولة لبث الأمل مثلًا، أو المواساة وتطييب الخواطر، أو، في نموذج أكثر شيوعًا، نقول كلامًا نحن غير مقتنعين به، أو حتى نتوقف عن التفكير في أمر ما، فقط كي لا نغرق في هذا التفكير، فقط كي لا نجد أنفسنا مسحوبين إلى الاقتناع بالحجج التي تقدمها جوقة المعسكر المعادي، ونفقد بهذا محبة أصدقائنا، أو أتباعنا، أو أساتذتنا، لنا.

هذا أحد أكثر الأمور إرعابًا في العقل البشري.

الخوف يحكم تفكيرنا، حتى في بيوتنا، حتى قبل أن ننطق كلمة واحدة.

ألعاب وأشكال هندسية

الرئيس يطالب الحكومة بالاهتمام بوزن طلاب الجامعة: «عايزهم مرسومين».

جريدة «الشروق».

عندما يداوم الإنسان على ارتياد صالات الجيم، نصف جسمه بأنه «أخذ شكلًا». لا نصف الشكل، مستقيم أو مستدير أو مثلث، هو فقط «شكل».

ولكن «الشكل» هنا، وعلى عكس ما توحي الكلمة غير الموصوفة، ليس أي شكل، وإنما يتضمن مواصفات بعينها، استدارات في مواضع، نحافة في مواضع وعضلات في مواضع.

صحيح أن كرات الدهن المترجرجة هي «شكل» أيضًا، وصحيح أن كل جسم في العالم له شكل، ولكن هناك شكلًا معينًا هو ما نصفه بـ «الشكل»، الشكل المعروف مسبقًا، الشكل الذي رُسم من قبل، شكل المانيكان مثلًا، شكل الإنسان الرياضي مثلًا. أما الأشكال الأخرى، والناتجة عن احتشاد كتل الدهن في أماكن غير متوقعة، فهي ليست «أشكالًا»، لأنها غير متوقعة، لأننا لا يمكننا التنبؤ بها، لأنها لم تُرسم من قبل، وبالتالي لم يتغزّل الناس فيها من قبل. الأمر أبعد من أوصاف قليلة مثل curvy وbusty و«بض» و«مبطرخ». لا يمكن للغة الإحاطة بأشكال ستة، أو سبعة، مليارات من أجساد الناس حول العالم، وبالتالي ننبذ هذه الأشكال، لا نعدها أشكالًا.

صحيح أننا نحب، أو ندعي أننا نحب، أن يكون كل إنسان متفردًا بذاته، ولكن لهذا حدودًا، على التفرد ألا يصل بك أبدًَا إلى منطقة الغرابة.

تعلمنا نظرية التطور أن جسد الإنسان يتطور، وإن ببطء شديد، وتقترح المخرجة مريم مكيوي، في فيلمها «قبل ما أنسى»، أن يهاجر البشر إلى البحر بالتدريج، وأن يطوّروا لديهم بالتبعية، وبالتدريج أيضًا، صفات برمائية، خياشيم وزعانف وما إلى ذلك.

الجسم الذي يحلم الإنسان بتربيته هو جسد مشدود باستدارات معينة، وتختلف أماكن الاستدارات بحسب جنس الإنسان، ذكرًا أم أنثى.

في مصر، ولأجل هذا الغرض، تنتشر في كل مكان، بما فيها القرى النائية والمحرومة من الصرف الصحي أحيانًا، صالات جيم، ينمي فيها الإنسان عضلاته، الإنسان يحلم بالقوة.

ولكن هناك حلمًا آخر، أبعد، يحلم به الإنسان، ولا يعبّر عنه إلا نادرًا، حلم المرونة، أن يتحول جسمه لقطعة من الكاوتش تنفرد وتنطوي مثل السوستة.

الجمباز، وليس صالات الجيم، هو ما قد يكون مفيدًا هنا.

ولكن لا يمكن لأحد، إذا بلغ سنًا معينًا، أن يلعب الجمباز. يلزم لهذا التدريب من سن صغير جدًا، لتغيير طبيعة الجسم وإعادة تشكيلها، جسد مشدود كالخط المستقيم، بعضلات قوية كالعمالقة، ولكنه قابل للتلوي والانضغاط في أي شكل يريده صاحبه.

على خلاف جميع المجالات الذهنية، فإن العلوم الطبيعية تبدو وكأنها هي الوحيدة التي تتقدم في خط مستقيم، أما الأدب والفنون والعلوم الإنسانية والأخلاق فيبدو وكأنها تسير في خطوط متعرجة، تتقدم لحظة ثم ترتد ثم تتقدم ثم تتقدم ثم ترتد. بلا أي قانون.

القانون خط مستقيم، حاد، يصلح للروبوتات وأجهزة الكمبيوتر، بينما ما يريده الناس هو خط مستقيم ينفرد وينطوي، قادر على الدخول في الجحور الصغيرة كالفئران، وعلى مناطحة الثيران، في نفس الوقت، إذا أراد. ولا قانون في العالم يمكنه هذا.

للتعبير عن هذا، ولدى الكلام عن الجسد البشري، يستخدم العرب كلمة «ليونة»، وتحيل الليونة، فيما تحيل، إلى جسد متسامح قليلًا مع ترهلاته. مثلما أن المرونة تحيل إلى شيء من النفاق وعدم الثبات على الموقف.

يزداد الأمر تعقيدًا إذا تكلمنا عن الرقصات الثنائية، وأهم شيء فيها هو التجانس بين الراقصَيْن؛ يتحرك أحدهما في اتجاه فيتحرك الآخر في الاتجاه نفسه أو في اتجاه آخر، ليكملا سويًا لعبة معينة، حركة معينة، شيئًا له معنى أو إيقاع.

ولا يتضح التجانس سوى في حركته الثانية، جسده الثاني، في رد الفعل على الفعل الأصلي. رد الفعل هذا هو ما يضفي المعنى على اللا معنى، اللا معنى الذي كان ليصبح من نصيب الفعل الأول لو ظل وحيدًا، يتيمًا، بلا رد فعل عليه. هذا ما تحب الدراما تصويره؛ ردود ذكية وسريعة كالألعاب الذهنية.

يدلنا السباحون على أن أفضل طريقة لإنقاذ الغرقى هي لكمهم في أنوفهم، ليفقدوا الوعي ومعه القدرة على المقاومة، لأن المقاومة، للعجب، هي ما تعطّل فعل السباحة. ويعلل الكاتب المصري أنيس منصور فشله في السباحة بأنه كلما ذهب لمدرّب بدأ معه هذا من نقطة أن كل الأجساد تطفو على الماء، فقط إذا «سابت نفسها»، فيرد عليه بأن جسده لا يطفو، هكذا خلقه الله، فيضحك المدرب ساخرًا.

الانسيابية أن تترك نفسك على طبيعتها. ما هي طبيعتها؟ لا أحد يعرف. هل تُخلق هذه الطبيعة خلقًا أثناء الممارسة؟ يبدو لي أنه كذلك، أن المقصود بأن أكون على «طبيعتي» هو أن أترك جسدي ليطفو على سطح الماء بلا خوف من الغرق. ولكن هذا شيء لا يحدث إلا بعد التمرن عليه. إذن، هي ليست طبيعة.

وعكسها الخرق، يتحرك الشخص الأخرق، مثله مثل وحيد القرن، غالبًا في خطوط مستقيمة. لكي يرجع خطوة إلى الوراء يلف وجهه كله، ثم يتقدم للوراء (الذي أصبح هو الأمام)، ثم يدير وجهه كله مرة ثانية، وبزاوية 360 درجة، لا يستطيع الشخص الأخرق المشي خطوتين للوراء، لأن المشي في ذهنه يعني «التقدم»، بينما لا تقدم أبدًا للوراء.

الانسيابية لها علاقة بالثقة بنفسك والثقة بمدربك، وقد يكون هو يسوع المسيح نفسه وهو يؤكد لك أنك ستتمكن من المشي على الماء، فقط إذا آمنت/ وثقت به. ولكن العالم يقوم في جزء كبير منه على عدم الثقة بالنفس، على الخوف ربما، وعلى الخرق أحيانًا.

نتخيل «الانسيابية» بوصفها دائرة، أو بوصفها خطوطًا متعرجة، لا بوصفها مربعًا ولا مستطيلًا ولا مثلثًا. الانسيابية ليست خطوطًا مستقيمة.

إن التصور الفني / المثالي عن البشر هو أجساد مشدودة كخطوط مستقيمة تتحرك في دوائر منسابة كالراقصين، بينما يبدو لي أن جزءًا كبيرًا من العالم يقوم على أجساد سمينة مكورة وتمشي في خطوط مستقيمة ومتعثرة الحركات.

الأدب والتفاصيل العادية

«إخوتي في الإنسانية، إخوتي في المعاناة/ حان وقت تقرير الحقائق:/ الثدي ليس أكثر من كيس دهن/ فسفوسة غير مشكلة/ تضخم أعمى/ ورم عجيني غير مخبوز للنهاية/ منتج إعلاني غامض بحلاوة أمريكية/ حدبة أمامية بلا عمود فقري/ ورم تشكل بالصدفة وينتهي طرفه/ ببرعم بارز بلون الطين».

حانوخ لفين، مسرحية «يعكوفي وليدنتل»، 1972، ورد عليه ساشا بارون كوهين، دون أن يقرأه ربما، بمشهد الثديين الحديديين، العضلات الخالصة التي تنفر فيها العروق.

التلفزيون، بمسلسلاته وبرامجه الحوارية المطولة والتي تقدّم «حشوًا» طويلًا، والبطاطس المحمرة، التي يفضّلها الأطفال ذوو الفطرة النقية، ويبدو أن الناضجين هم أيضًا يفضّلونها وإن كانوا يخجلون من الاعتراف بهذا، هما سمتان مميزتان للعصر الذي نحياه.

هناك حركات مقاومة للتلفزيون بالطبع يقوم بها كثير من الفنانين والمثقفين حول العالم، كما أن هناك حركات مقاومة للبطاطس المحمرة، يقوم بها مَن يدعون للأكل الصحي، ولكن على هذين النوع من المقاومة الوعي بأنهما يقدمان النموذج، وأن النموذج أمر بعيد عن الطبيعة الإنسانية، وربما مناقض لها. ربما يكون على هذين النوعين من المقاومة، بجانب اهتمامهما بتقديم النموذج، المثال، الجسد المشدود جيدًا، الغوص ولو قليلًا في الدهون، محاولة فهم لماذا يحب الإنسان المسلسلات والبطاطس المحمرة.

لسنوات طويلة، وفي المجال الأدبي في مصر، راج مصطلح «التفاصيل العادية»، كمدخل لمديح بعض الأعمال الفنية والأدبية، وردًا على أدب الستينيات المُغرق في القضايا القومية والملحمية. كان يقُال: هذا العمل يغوص في التفاصيل العادية.

ولكن هذه الأعمال لم تنجح، لأسباب مختلفة، بعضها لأنه لم يكن «تخييلًا»، أي: «فيكشن»، بالمعنى الدقيق، وإنما كان أقرب لفقرات من سير ذاتية ومشاهدات لأصحابها، وبعضها لم ينجح، بإغراقه في «التفاصيل العادية»، في أن يصبح «عملًا فوق عادي»، أخذته العادية معها ليغرقا سويًا في مجاري الدهون.

وربما لأن الجمهور لا يحب الأشياء العادية، هو غارق فيها حتى أذنيه وتصوره عن الفن أنه هو المنقذ له من هذه العادية.

مثلًا، أول رد فعل على نص يحوي كلمات مغرقة في الشيوع والعامية هو السخرية منها. مثلًا: «القصيدة دي عن البطاطس، امتى بقى تكتبلنا قصيدة عن الكاتشب؟». للوهلة الأولى، وربما لوهلات بعدها، تسلب البطاطس من القصيدة شِعريتها.

القصيدة التي تتلقى ختم الشعرية من أول وهلة هي قصيدة تتحدث عن القصيدة، عن الشعر، أو رواية تتحدث عن معاناة روائي في خلق عالمه، أو فيلم سينما عن حيرة مخرج شاب، هكذا يثبت الشاعر أن قصيدة «شِعرية»، والروائي أن روايته «روائية».

في مراهقتي، كتبتُ قصيدة طويلة أخاطب فيها «الشِعر»، هكذا وجهًا لوجه، وأسأله حائرًا عن سبب هجرانه لي، وفي نفس الفترة، أُجري معي لقاء تلفزيوني فقررتُ الكلام فيه بالفصحى. هكذا يمكنني فهم ظاهرة المخترع الصغير وليد العبادي، أرهم قضيبك طويلًا ومن أول مرة، ولو لم تفعل ستُسحق. أنت لا شيء، أنت زبالة، لا تتكلم أبدًا كما تحس، بل تكلم كما يتكلمون هم. ببغاء أحمق أفضل من شخص أصيل وأحمق. الببغاء لا يُلام على كلامه على الأقل.

ولكن البطاطس قد تؤثر على الشاعر كما تؤثر عليه القصيدة.

في العالم العربي، نجت من وصمة الابتذال بعض المأكولات والمشروبات، مثلًا النبيذ (النبيذ لا الشاي، لأن الشاي شديد الشيوع ولأن النبيذ يعني أنك تشرب الخمر، بمعنى أنك منفصل عن أغلبيتك المسلمة، كما أنه نوع من الخمر الراقي. لا أحد، تقريبًا، يمجد البيرة مثلًا، وهي الشراب الشعبي للمثقفين في مصر) كما نجت حبة الكرز أيضًا بسبب لونها الأنيق وعدم شيوعها (بالمقارنة بفاكهة شديدة الشعبية مثل البرتقال، لا أحد، تقريبًا، يمجد البرتقال).

ضُبط الكثيرون جدًا، على يد رواد الفيسبوك الاستهزائيين، متلبسين بالكتابة عن مواضيع لم يروها أبدًا.

المؤامرة

«العصابة» هي أحد أكثر الأفكار شيوعًا في الدراما؛ حلف يُقام بين شخص وآخرين من أجل هدف بعينه، من أول عصابات الأفلام العربية وحتى «الأب الروحي» و«عصبة الأشرار» التي تخرج منها بات مان؛ الحبكات الرديئة تصنع أحلافًا مقدسة، والحبكات الجيدة تصنع أحلافًا يجري خرقها باستمرار، ولكن الأساس هو الحلف، الأساس ألا يعبّر الإنسان عن نفسه، حتى يُخلق المعنى في النهاية.

فكرة الحلف هي أساس جاذبية فكرة المؤامرة. وسواء كانت هذه المؤامرة هي مؤامرة واحدة وحيدة، أو مؤامرات تتبدل باستمرار من نفس الأطراف/ الشخصيات، فمن الصعب جدًا في العمل الفني عرض كل شخصية بفردانيتها شديدة الخصوصية، وخلق صراع حول هذا، لابد من تصنيف الشخصيات في حلف معين؛ فريق مفيد أبو الغار وفريق فضة المعداوي، مع بعض التراوحات بينهما لزوم المصداقية. هكذا يُختصر العالم.

هل يمكن فهم العالم من غير فكرة المؤامرة، من غير فكرة الحلف الواحد الذي يمثّل أمرًا ما، طبقة ما أو بلدًا ما أو معنى ما، هل يمكن عرض العالم بكل أفراده المتنوعين والمتناقضين؟ والسؤال الأصعب: هل يمكن عرض الحلف أصلًا بكل تنوعات أفراده وعشوائيتهم؟ هل يمكن الحديث عن تحالف ثلاثين يونيو، لا بوصفه تحالفًا مدبرًا بين الأغنياء والطبقة العسكرية وإنما بوصفه تحالفًا غريزيًا بين أشخاص كثيرين للغاية، منهم الغث ومنهم السمين، سما المصري وصنع الله إبراهيم وطنط جلفدان، حمدين صباحي والنجار الذي يعمل تحت بيتي واللواء عبد العاطي صاحب اختراع الكفتة؟

يصعب جدًا على الدراما فهم الثورة والثورة المضادة. لأن الثورة لا يُخطّط لها في غرف مغلقة تفضّلها السينما (باعتبارها وريثة المسرح والموقع الواحد)، وإنما تجمع أناسًا لا يجتمعون، يتلقون نفس المنشور وهم في أماكن متعددة من العالم، بعضهم أنذال، وبعضهم شرفاء، بعضهم «أولاد ناس»، وبعضهم «سرسجية».  

وأصلًا، هل يمكن الحديث عن ثلاثين يونيو في عمل فني، بشخصيات حائرة، شخصيات سرعان ما تنهزم في المناقشات السياسية لترد «معك حق»، كما كان أغلب داعمي 30 يونيو، رغم كل طنطنتهم التي بدت واثقة بنفسها ساعتها. هل يمكن في عمل درامي عرض شخصيات غير درامية؟

عالم يتسع

«رح يطلع القمر، والورق الأصفر يلمع، رح يطلع القمر، والتلة صوبه تطلع. عم يِخلق وادي ورا وادي، وعلّا راسه الشجر الراكع، والليل الأسود عم يوسع يوسع يوسع، يضوي ويوسع».

مسرحية «صح النوم»، لفيروز والأخوين رحباني.

منذ سنوات عديدة، بدأتُ ألاحظ كون الأفلام الوثائقية تكسب أراضي كثيرة في المعركة ضد الأفلام الروائية، وأن الفوتوغرافيا تكسب أراضي أيضًا أمام الرسم، والكتب «النون-فيكشن» تكسب أرضًا أمام الروايات، وبالطبع أمام القصص القصيرة.

لهذا سببان في رأيي، أولهما التكنولوجيا، حيث صار بوسع أي هاوٍ تصوير صورة فوتوغرافية وفيديو يوثق به ما يجري حوله بكاميرا موبايله. وليس هذا فقط، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في اتساع الواقع أمام أعين المستخدمين، صار من الممكن التعليق على منشور يوثق مشكلة جرت في الهند أو البرازيل، وصار من الممكن، مع امتلاك الإنجليزية، فهم الكثير من تعليقات المستخدمين، بل والدخول على حساباتهم، لمشاهدة صور لهم في بيوتهم الخاصة، دون أن يعرف أحد بالطبع.

كما أن الوديان تُخلق لدى اكتمال القمر، في خيال أهل القرية، يأخذ الواقع في الاتساع أمامنا بقدر توسع إمكانيات الاطلاع عليه.

تاريخيًا، كان من ضمن الوظائف الرئيسية للفيكشن، في السينما والرواية، وظيفة شركة السياحة، جعلك تحيا في مكان مختلف، تراه وتفهم تفاصيله. بهذا استطاع الأدب رتق ثقوب الواقع المعيش. بإمكاني قراءة رواية عن مكان لم أره قط، وأشعر كأني أراه بعيني. الآن، تبدو هذه الوظيفة وكأنها تشوشت بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، التي تفوقت على الرواية -في هذا المجال- عبر السلطة المهولة للصور، وعلى السينما، عبر إمكانية مشاهدة الأحداث العفوية وغير المخططة التي تجري في مكان آخر. الآن ترتق وسائل التواصل الاجتماعي ثقوب الواقع بقوة أكبر بكثير من التخييل.

أما السبب الثاني لطغيان الوثائقي على التخييلي، فهو طغيان الواقع في بلادنا على الخيال، فنتيجة لأحداث الربيع العربي انصرف الناس إلى توثيق ما يحدث (راجع ترند الأرشيف)، بدلًا من التخييل فيه. الواقع فشخ الخيال، هي أحد العبارات الأكثر شعبية التي تعبّر عن هذا.

للسبب الثاني حصرًا، وبالتوازي، كسبت كتابات النون-فيكشن، في رأيي، أراضي كثيرة على حساب الروايات والتخييل. أي قائمة لأفضل كتب العامين الأخيرين ستحتوي على أعمال كثيرة جدًا كُتبت على هيئة نون-فيكشن.

الواقع يكسب. أدى انفجار وسائل التواصل الاجتماعي إلى ملاحظة الدراما الكامنة في دهون الواقع، أن الواقع قد يصلح مادة درامية، مليئة بالمفارقات والإفيهات والحكم والمواعظ. لاحظ رد فعلك عند قراءة موقف طريف تعرض له صاحبك، ثم لاحظ إحباطك لدى معرفة أن هذا الموقف هو من نبت خياله: «دا ألف الموقف عشان يجيب لايكات»، نحن نضع «لايك» للواقع، لا للتخييل. عنوان أحد صفحات الفيسبوك المحبطة جراء هذا هو «مواقف ماحصلتش وبيقولوها عشان يجذبوا الانتباه مش أكتر».

ولا يجب أبدًا أن ننسى أن الواقع، حتى مع إغرائه وكسبه لأراضٍ جديدة كل يوم، لا يزال مرهرطًا، وأحيانًا كثيرًا ما يعجز عن تقديم مادة مقنعة. ردًا على هذا، يكتب المرء موقفًا تعرّض له، ثم يلاحظ أن الموقف بلا ذروة ربما، أو بلا موعظة، وأنه مجرد موقف أثار اهتمامه، وقد لا يعني الآخرين، بما يعني تناقص إمكانية اللايك والشير، وهنا يأتي الهاشتاج. الهاشتاج يضبط الواقع، يجعل له هدفًا وعبرة، يختمه بالإفيه النهائي، وبهذا يتحول الموقف الذي بلا معنى إلى موقف بمعنى.

بينما يكتب صاحب المنشور موقفًا تعرض له هو بذاته، ليشكل بذلك نقطة جديدة في البحر المتلاطم لوسائل التواصل الاجتماعي، فإن الكاتب/ الرسام/ المخرج لا يقنع بأن يكون قطرة، وإنما يطمح دائمًا، وكل مرة، لأن يقدم لنا بحرًا كاملًا. فقط قُصْ هذه الزاوية، فقط حاول أن تصنع استمرارية ما لتطور هذه الشخصية، فقط اخلق علاقة بين هذا الحدث وذاك، وحينها سيكون البحر قابلًا للحكي. هاشتاجات متنوعة على ما يفترض أنه بلا معنى. إن لم يوجد معنى، اخلق أنت المعنى.

من أنا؟

«هل يا ترى الطفل اللي نايم يبتسم، من خلف جدران في الزمن تلاتين سنة، هو العجوز، هو البدين الملتحم، هو أنا يا ربي ولا مش أنا؟».

صلاح جاهين

يحمل السائل المنوي الحيوانات المنوية، لولاه لماتت، الحيوانات المنوية لا تعيش إلا في وسط دافئ وسائل ولزج مثل الدهن. ونحن – الرجال – عندما نقذف، فنحن نقذف سائلًا منويًا، لا حيوانات منوية، نراه سائلًا منويًا، ونلمسه سائلًا منويًا. ماذا عن الحيوانات المنوية، وهي الأداة الحقيقية للتخصيب؟ لا نراها. السائل المنوي هنا هو الرغيف، هو الساندوتش الذي لا نهتم بمحتواه، أو للدقة، هو الوسيط اللزج الذي تسبح فيه المكونات الحادة والذكية.

عندما نتكلم، خاصة الأذكياء منا، نصف السائل بـ «الحيوانات المنوية»، رغم أننا لا نرى هذه الحيوانات داخل السائل اللزج، وبالتأكيد لم نلمسها بأيدينا. ولكن عبر استخدام كلمة «الحيوانات»، سيمكننا في التفكير في أصل الإنسان، وفي كيفية تطوره. سنصنع تواصلًا بين ما كناه قبل أن نصبح أجنة، وبين ما نحن عليه الآن. يقول المرء منا: «عندما كنت حيوانًا منويًا»، ولا يقول: «عندما كنت حيوانًا منويًا وبويضة»، لأن الهدف الأساسي هو أنا الآن، لا أنا الحقيقي، العشوائي، بكل قصة حياته التي دامت لعقود من الزمن، ولأنه من الصعب جدًا على الإنسان التفكير في أنه وريث اثنين. الأكثر درامية، وضوحًا وحدة، هو تخيل أني كنتُ، قبل خلقي، واحدًا، وأني سأظل بعد موتي واحدًا، واحدًا متصلًا بالطبع، واحدًا له معنى.

ربما تكون هذه إجابة عن سؤال «الحشو» الذي بدأنا به. الدهن وسيط وليس حشوًا. الدهن مادة حافظة. الدهن حارس. كلامنا المفيد يقع في بحار وبحار من الغمغمات وإساءات النطق والحمد لله وإن شاء الله وربنا يعزك وYou know وإيه يا مان / إيه يا مان. وبفضل دفء هذه السوائل الدهنية ولزوجتها سيمكن لكلامنا المفيد الحياة. لاحظت أني عندما أتحدث بالإنجليزية، أبدأ دائمًا بكلمة «يعني»، ولا معنى لهذه الكلمة بالتأكيد لدي محادثي الخواجة، فقط أحاول استمهال الوقت قليلًا ريثما يتمكن عقلي من الانتقال بين لغة وأخرى، أحاول كسب بعض الوقت عبر ملئه باللا معنى، اللا معنى المترجم في كلمة «يعني»، كما هو بالضبط في عبارة «I mean».

ليفكّر كل منا في ذاته، هل هو نفس الشخص الذي كانه من عشرين عامًا؟

طيب ليتخيل كل منا نفسه وقد صار مشهورًا، لدرجة أن تنتج هوليوود فيلمًا عنه، فيلما سيريًّا مثلًا، ساعتها سيجتهد الكاتب والمخرج والمنتج وجميع الطاقم في شرح التواصل بين الطفل والشاب والرجل والشيخ، المجتمعين جميعًا في نفس الشخص، سيجتهدون في تبيان مواطن الاتصال لا الانفصال، لأن هذا الاتصال هو ما يخلق المعنى.

ولكن الواحد منا ليس هو نفسه بالتأكيد، أو أن مواطن الانفصال كثيرًا جدًا ما تغلب على مواطن الاتصال.

أكثر من هذا، فالشخص منا يحكي له أبواه عن مواقف تعرّض لها وهو رضيع، ويكرران الحكاية مرة تلو مرة إلى أن يتذكرها الشخص، أي، أن يتخيل المشهد كاملًا، ويتخيّل أن ذاكرته هي ما ساعدته على استعادة المشهد، لا الحكاية المكررة لأبيه وأمه. كثيرًا جدًا ما يحكي الصديق لصديقه موقف تعرّض له، ومع تكرار الحكاية يتخيل المستمع أن هذا الموقف كان من نصيبه هو نفسه، لا من نصيب صديقه.

لا يعني هذا ألا «أنا» هناك، وإنما يعني أن هذه الـ «أنا» تتكون في جزء كبير منها من ذرات عشوائية لا ترتبط ببعضها إلا بقوة أن صاحبها يحمل نفس الاسم في البطاقة.

يصعب جدًا حكي قصة شخص انطلاقًا من هذا. بالعكس، لابد من إقناع المشاهدين، الرسام الشهير كان كثير الشخبطة وهو طفل، عالم الفيزياء سأل أباه وهو طفل عن النجوم. يوجد هنا تواصل، توجد هنا استمرارية، ثبّت اللحظة يا ابني حتى نقنع المشاهدين. لن يقتنع المشاهدون أن الرسام الشهير كان يبول في السرير حتى سن العاشرة. سيتساءلون عن الضرورة الدرامية لهذا، وعندما تخبرهم ببراءة بأن هذا ما حدث فعلًا، لن يقنعون، سيتساءلون أيضًا عن الضرورة الدرامية.

الضرورة الدرامية للحياة

عندما كنت شابًا أبدًا أولى خطواتي، في بدايات الألفينيات، كان بعض شباب الكُتّاب يطرحون موضوع «الضرورة الدرامية» بمنتهى الحماس. كانوا محافظين فيما بدا لي، وقد أخذوا حجة الضرورة الدرامية وطوّعوها لتصبح سلاحًا ضد مشاهد الجنس في الروايات. لدى سؤالهم عن موقفهم من المشاهد الجنسية كانوا يجيبون: «الكاتب مش مصور فوتوغرافي. مش لازم تصور كل حاجة زي ما هي لإن الكاتب مش كاميرا. لازم يجمّل المشاهد». بالنسبة لهم، توجهت هذه الحجة بالأساس ضد الجنس، وكنت أتساءل: لماذا لم يعلّق أحدهم على الضرورة الدرامية لمشاهد شرب الشاي في الروايات؟ لقد استُخدمت هذه الحجة بالأساس لخدمة توجهاتهم المحافظة.

الضرورة الدرامية أيضًا شكلت حجة لدى قطاع آخر، ممثلات يوافقن على تقبيل الممثلين في الأفلام. تقول الفنانة في ذلك الزمان إنها لا تقبل بالبوس إلا في إطار الضرورة الدرامية، ولكن على قدر ما كانت «الضرورة الدرامية» في المثال الأول حجة ذكية ومحمودة من شباب مثقفين يقارعون الفكرة بالفكرة، على قدر ما كانت في المثال الثاني مثارًا للتندر لدى الجميع. يقول محمد هنيدي في فيلم لا أذكره: «يعني انتي لما تتباسي، لازم تتباسي بوس هادف».

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يفاجئك أحيانًا مشاهد السينما الروائية أو قارئ الرواية بأنه لم يصدّق «نزوع البطل نحو القتل» مثلًا،  لأن البطل كما ظهر، في الفيلم أو الرواية، مسالم وجبان مثلًا. تعدّ له نماذج «واقعية» لأناس مسالمين وجبناء ارتكبوا جرائم قتل، فلا يقتنع.

يعني هذا أن المشهد «غير الضروري» الذي قتل فيه البطل ضحيته، لا يصبح فقط زائدًا ولا لزوم له، وإنما غير قابل للتصديق أيضًا، غير واقعي. لأن «الواقعية» هنا لا تعني «ما حدث، أو يحدث، أو ما يمكن أن يحدث في الواقع»، وإنما «الجزء من الواقع الذي يمكن تقديمه في السينما أو الرواية»، الواقع بعد معالجته على يد ماكينة التخييل، وحذف منه كل ما لا يخدم هدف مؤلفه.

اعتدنا على وصف أعمال الستينيات في مصر، الأعمال المؤدلجة المهتمة بالصراع الطبقي، سينما صلاح أبو سيف مثلًا، بـ «الأعمال الواقعية». ويبدو أن معنى هذا كان أن هذه الأعمال تنهل من تفاصيل الواقع المحلي، المصري في هذه الحالة، لصالح قضية اجتماعية، تمييزًا لها عن أعمال لا تعني إلا بالتسلية، وعن أعمال تعنى بهموم وجودية أكثر مما تعنى بالقضايا الاجتماعية.

هكذا أمكن تصور أن صراعًا بين الفقراء والأغنياء هو أكثر واقعية من قصة حب رديئة تجري في القصور، أو من قصة جيدة عن شخص يُحال إلى محكمة لا يعرف تهمته فيها، رغم أن الثلاثة ممكنون «واقعيًا». طالما رد النقاد في العالم الثالث على الأعمال الأدبية، ذات الطابع الوجودي، المُنتجة في نفس العالم، بأن «هذا النوع من الأعمال لا يجوز هنا، وإنما يجوز في بلاد العالم الأول، حيث حلّ الإنسان الأوروبي أو الأمريكي مشاكله الاجتماعية، وتفرغ لتأمل معضلات الوجود».

يبدو أننا نتصور حياة الفقراء أكثر واقعية من حياة الأغنياء. يثور اعتراض أساسي على مسلسلات رمضان، التي تدور في الكومباوندات، مع الكثير والكثير من الرجال الوسيمين والنساء الفاتنات مرتديات الملابس باهظة الثمن، مفاده أن هذه المسلسلات لا تمثّل الواقع المصري. وفي المقابل، يدافع الكاتب المشغول بتناول الشوارع الخلفية لمدينة ما عن هذا بأنه يقدم «الوجه الحقيقي للمدينة»، ويتجه دفاع كثير من الفنانين عن «البذاءة» في أعمالهم، للرد إلى الواقع: هذه الألفاظ، وهذه المشاهد، وأفظع منها، تجري في الواقع.

ولكن فيما يبدو لي، فإن الكتلة الرئيسية للواقع، عَظْمته الرئيسية، لا تحتوي على بذاءة، وإنما على الكثير من النفاق والدهننة والمحاولات الدائمة لتخفيف حدة الأشياء. مثلًا: في العربية المصرية، تحولت «يلعن دين»، إلى «يلعن ديك» التي بلا معنى، وفي الإنجليزية الأمريكية تحولت «ماي جود» إلى «ماي جوش» التي بلا معنى كذلك، وفي محادثات المصريين اليومية، كثيرًا ما يُعبَّر عن الحدث الفظيع، ولو كانت له أسماء واضحة مثل «السرطان»، «الانتحار»، «القتل»، «الجنون»، إلى آخره، بصيغة لا تعني الكثير لغويًا: «الحاجة دي» أو مرادفاتها، من ساعة ما حصلت الحاجة دي، مثلًا.

تفسيرًا لهذا، وختامًا لهذه الخواطر المبعثرة عن هذه الفكرة غير المُعبّر عنها بوضوح، نعود لطرح السؤال الذي بدأنا به: هل الفقراء هزيلون والأثرياء سمان؟ هل يكتفي الفقراء بأكل كسرات الخبز الناشفة، بينما يغوص الأغنياء في بحار الدهون والنشويات؟ وبالتالي، وتبعًا لنفس الفكرة المغلوطة، هل يعيش الفقراء في الواقع بينما يعيش الأثرياء فوق الواقع؟

يبدو أن المسألة أعقد مما نتخيّل.

اعلان
 
 
نائل الطوخي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن