الفُرجة على اللغة ليلًا
 
 

تغيّرت «الإنترنت» كثيرًا، وأنا كمُستخدِم تغيّرت أيضًا. لم أعد أسهر كثيرًا، والإنترنت لم تعد غابة ملآنة بالأسرار والاكتشافات. بالمناسبة يبدو أن هناك اتفاق على جعل «الإنترنت» مؤنثة عند الكتابة وذلك لأنها «شبكة»، وإن كنّا نعاملها كمذكر في الحديث.

صارت هذه الشبكة بطيئة. تحجل الآن، أو تأخذ أنفاسها كلما عرّضت لي فيلمًا، أرى بطيئة، ويتهدج الأداء ثم تتدهور علاقتنا، فيقوم بيننا انقطاع يتجسد في حلقة تتوسط المحتوى وتظل تومض دون أن تتصل. لا أرى إلا توقف توالي الصور، وكلما نظرتُ للروتر وجدتُ الأضواء تومض وتنطفئ كـ «كهارب» الأفراح.

بعيدًا عن أزمات الإنترنت أقدم لك يا عزيزي اليوم محاولة لتقديم اللغة في سهرة؛ كيف يمكن السهر مع لغة؟

بحثتُ في الإنترنت منقبًا عن محتوى يرتبط باللغة العربية ويناسب المشاهدة ليلًا.

في البرنامج المصري «نجمك المفضل» والذي تقدّمه ليلى رستم، نشاهد أول فقرات سهرتنا اللغوية، وهي حلقة من إعداد أنيس منصور، وفيها يسأل يوسف السباعي طه حسين عن استخدام العامية في الكتابة، خلال المشاهدة سيتضح الغرض من السؤال وهو حثّ عميد الأدب العربي للكلام عن رواية السباعي «السقا مات» [لاحظ أن العنوان ليس السقاء مات الذي يقوم بالسِقاية، بل كُتب هكذا: السقا مات]. اللقاء ممتع، إلا أن أغلب المتحدثين يسألون «العميد» عما يراه صوابًا في الأدب، وتقييمه للكُتّاب الشباب -وقتها.

ربما يمكنك أن تقضي سهرتك في التفكير في الأسئلة اللغوية التي تريد معرفة الإجابة عنها، فسيكون عليك التواصل مع الصفحات المعنية باللغة العربية على مواقع التواصل، ورغم أهمية ما تقدّمه إلا أنها مشغولة باللغة بوصفها «فصحى»، وهو الوصف الذي يعرفه المعجم الغني بأنها «اللغة العربية المطابقة للقواعد، لا لحن فيها. لغة القرآن والشعر والنثر الفصيح». وفي أحيان كثيرة تملي عليك أوامرها بصيغة قل كذا ولا تقل كذا. وهو الأسلوب الذي ربما يعطل رغبة بعضنا في اللعب مع اللغة.

أظن أن اللغة تاريخ شخصي. معرفة تحدد حسب المستخدم، لكننا نتجاهل ذلك ونحن نظن أنها كيان متماسك يخضع لأُسس وقواعد. اللغة لا ينبغي لها أن تكون كيانًا جامدًا أو حصنًا يجب حمايته، بل فلسفة تتجدد. التعرّف على لغة يتطلب الغرق في بحورها، والتساؤل والتجريب. حتى نعرف كيف سنكتب في المستقبل، ماضي اللغة ليس مكانًا وإنما ذكرى لما سمعناه قبل أن ننطق أو نكتب. ثم ما نكتسب من معرفة نتزود بها لتوسيع حصيلتنا اللغوية.

مثلًا تخاطب العربية عادة قارئ مذكر، لكن العربية ليست حصنًا يا عزيزتي، حتى وإن كنتِ سمعتِ البعض يصف المهتمين باللغة بـ «حُماة العربية».

اللغة ليست أنثى تحتاج لحماية ذكر يلعب دور الفارس الحامي، هذا تصور قاصر وبدائي انعدم الخيال في مَنْ تخيّله. تصور يستتبع أن كاتب العربية يجب أن يكون محاربًا لآخر، مِن مَن يحمي كاتب العربية لغته؟ هل الأعداء هم أبناء اللغات الأخرى؟ هل للغة أسوار؟ وهل واجب الكاتب العربي أن يبعد الكاتب غير العربي بعيدًا عن اللغة أو آدابها بحججه اللغوية؟

هذا جنون يا عزيزتي.

سعينا للاتفاق حول صحيح اللغة ليس إلا رغبة منّا في حدوث تواصل ليس أكثر. مثلما قال طه حسين في «نجمك المفضل» إذا «تكلمت بالفصحى سيفهم العرب من المحيط إلى الخليج كما يُقال، وإذا تكلمت بالعامية سيفهمك عامة المصريين». لكن هل تعتقدِ أن ذلك لا يزال ممكنًا؟

بعد هذا يمكنكِ متابعة السهرة مع حلقات من برنامج «المناهل» الذي كان بدأ التلفزيون الأردني بثّه في 1987، وهو النسخة العربية من البرنامج الأمريكي the electric company

لكن ما يمثّل متعة تصلح كمادة للسهر فهو ما قدّمه الكاتب والإعلامي الفلسطيني عارف حجاوي في برنامج «دقائق اللغة».

يجلس حجاوي على مكتب متحدثًا عن رؤيته للغة، لا يحاوره أحد، لا يعتبر نفسه لغويًا أو معجميًا، بل كما يقول عن نفسه إنه «يلعب باللغة».

هو يقدّم لنا تنظيراته ورؤاه حول العربية. يتحدث بصراحة أن العربية تحب ألف ولام التعريف، أو أنها لا تقوم على «أُسس واضحة»، بل تميل إلى التغليب. فيقول مثلًا إننا «نحب الخلاف في اللغة لأننا نحب لغتنا»، موضحًا أن دوره أن يبيّن سبب الخلاف؛ «اللغة أوسع من أن تسعها القوالب الضيقة».

إذا كنتِ من هاويات التأمّل في اللغة كنشاط ذهني ممتع، يمكنكِ مشاهدة حلقات «دقائق اللغة» والواحدة منها مدتها نحو الثلاث دقائق:

أو أن تتابعي برنامجه «أسرار اللغة» الذي ينتجه معهد الجزيرة للإعلام، أو برنامجه الأحدث؛ «اللغة العالية» الذي تعرضه قناة «الحوار»، أو  تغريداته.

وبهذا نختتم سهرتنا مع اللغة، سلام.

اعلان