«الإيجار القديم».. لغم النواب الذي تتجنب الحكومة نزع فتيله حتى الآن
 
 

بينما تسعى الحكومة إلى إلغاء نظام الإيجار القديم للوحدات غير السكنية المؤجرة للجهات الاعتبارية امتثالًا لحكم أصدرته المحكمة الدستورية العام الماضي، تواجه ضغوطًا كبيرة من أعضاء مجلس النواب للنظر في مقترحاتهم السابقة لإلغاء نظام اﻹيجار القديم ككل للوحدات السكنية والتجارية المؤجرة لأشخاص.

كانت المحكمة الدستورية العليا أصدرت في مايو 2018 حكمًا بعدم دستورية ما تضمنه قانون اﻹيجار القديم من امتداد عقود الإيجار القديم للوحدات غير السكنية المؤجرة للشخصيات الاعتبارية سواء كانت شركات أو هيئات أو مؤسسات حكومية أو خاصة، وبناءً عليه قدمت الحكومة مشروع قانون جديد لتعديل نظام قانون الإيجار ليتماشى مع حكم الدستورية.

وفي مايو الجاري أحال رئيس مجلس النواب، الدكتور علي عبد العال، إلى لجنة الإسكان مشروع القانون المقدم من الحكومة. وبالوقت نفسه نفى عبد العال إدراج مقترحات النواب بخصوص ذلك القانون إلى جانبه على جدول أعمال البرلمان خلال الفترة الحالية.

ويطالب النواب الدولة بالتوقف عن حماية المستأجر وتحرير جميع الوحدات السكنية والتجارية من قيود القوانين القديمة، وإخضاعها لسعر السوق، مع توفير وحدات إسكان اجتماعي لمن دون خط الفقر.

مقترحات النواب سبق إحالتها إلى لجنة اﻹسكان، لكن، وبحسب مصدر برلماني تحدث إلى «مدى مصر»، فإن عبد العال أصدر توجيهات بعدم مناقشتها مع مقترحات الحكومة.

تنفي الدولة عن نفسها الرغبة في إلغاء اﻹيجار القديم. وتستمر الحكومة في تأجيل حسم هذا الملف الحساس خوفًا من ردود اﻷفعال التي قد تنجم عن تشريد ملايين اﻷسر، خصوصًا في ظل غياب مصلحة مباشرة لها في حسمه، بحسب المحامي محمد عبد العال، الممثل القانوني لرابطة المستأجرين.

تعيش أكثر من مليون و600 ألف أسرة في وحدات سكنية بنظام الإيجار القديم، بحسب إحصاءات مرصد العمران، التي اعتمدت على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء للسكان عام 2017، في مقابل مليون و500 ألف أسرة في وحدات سكنية بنظام الإيجار الجديد.

تغيرت خريطة اﻹيجارات في مصر، حيث انخفضت نسب اﻹيجار بشكل كبير خلال العقود الماضية. وتشير دراسة نشرها مرصد العمران في فبراير 2018 عن «أحوال اﻹيجار في مصر عام 2017» إلى أن نسب اﻹيجار انخفضت من 29% عام 1986 إلى أقل من نصف هذه النسبة. وخلال عقد واحد فقط، 2006-2017، تخلت ما يقرب من 610,000 أسرة عن اﻹيجار.

إنفوجراف: تطور حيازة المسكن في مصر 1986-2017. المصدر: مرصد العمران

تشير الدراسة إلى أن السبب الرئيسي لهذا التراجع يرجع إلى التغييرات التشريعية التي أُدخلت على نظام اﻹيجار في عام 1996. حتى هذا الوقت، كان نمط اﻹيجار القديم هو النمط اﻷساسي، إلى أن فتح قانون 4 لسنة 1996 الباب أمام نظام إيجار جديد محدد المدة. ومنذ إقرار القانون، فقد اﻹيجار القديم ما يقرب من مليون أسرة.

إنفوجراف: تطور اﻹيجار القديم والجديد في مصر 1986-2017. المصدر: مرصد العمران

إذا كانت نحو مليون أسرة قد تخلت عن وحداتهم المؤجرة حسب القانون القديم طبقا للدراسة، فإن هذا لم يكن كافي للنواب المطالبين بإلغاء القانون، والذين حاولوا أكثر من مرة طرح قانون جديد للإيجار.

كانت المحاولة الأولى بعد أيام قليلة من انعقاده في 10 يناير 2016، حين أعلن الموقع الرسمي لمجلس النواب في 27 يناير أن الإدارة المركزية لقياس الرأي العام ودعم اتخاذ القرار به تلقت عبر خدمة واتس آب 73 اقتراحًا من مواطنين لإدخال تعديلات تشريعية على قانون الإيجارات القديمة.

بعد هذا التاريخ، اختفى ذكر القانون تحت قبة البرلمان ثم عاد للظهور مرة أخرى في 12 يناير 2017، حين أصدر النائب علاء والي، رئيس لجنة الإسكان، خلال فترة رئاسته الأولى للجنة، بيانًا رسميًا أكد فيه تلقي البرلمان عشرة مقترحات من النواب بقوانين بشأن الإيجار القديم. أحال رئيس البرلمان منها إلى لجنته مقترحات مقدمة من النواب بلجنة الإسكان معتز محمود، وإسماعيل نصر الدين، وآخر مقدم من نواب بحزب الوفد، في ديسمبر 2016.

لكن رئيس البرلمان بدأ جلسة بعدها بأيام بنفي إقرار البرلمان أو لجنة الإسكان به أي تعديلات على قانون الإيجار القديم، متهمًا ما وصفهم بـ «الخلايا والصفحات الإخوانية» بنشر ذلك الخبر في تلك المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد، مضيفًا أن «البرلمان لا يمكن أن يمرر أي مشروع قانون من شأنه الإضرار بالمواطنين بصورة أو بأخرى».

ويوضح مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب لـ «مدى مصر» أن الخبر الذي نفاه عبد العال واتهم الإخوان بالوقوف ورائه، كان قد وزع وقتها على الصحف من قبل أجهزة سيادية لم يسمها، كبالون اختبار لمعرفة ردود الفعل حول القانون. وبعد أن تسبب الخبر في حالة غضب شديدة من المواطنين، تلقى البرلمان أوامر بتجميد الحديث عن القانون.

نفيّ عبد العال الأول لتعديل القانون تبعه توقف النواب عن الحديث عن اﻹيجار القديم حتى ديسمبر 2017، حين جدّد رئيس لجنة الإسكان السابق، معتز محمود، وعود مناقشة القانون بالتأكيد أن لجنته ستبدأ في مناقشة قانون الإيجار بعد الانتهاء من مناقشة بعض القوانين اﻷخرى.

ومع بداية عام 2018، كثّف نواب لجنة الإسكان بالبرلمان الحديث عن إقرار القانون. في 4 يناير 2018، أكد إسماعيل نصر الدين إنه «لن يمر دور الانعقاد الثالث دون إصدار القانون».

لكن رئيس اللجنة السابق معتز محمود أعلن بعدها بأيام إرجاء تعديل القانون لدور الانعقاد الرابع (الحالي)، وأكد صعوبة مناقشته وقتها. لكنه تراجع عن تصريحاته بعدها بأيام، وأيد نصر الدين في عدم تأجيل القانون، موضحًا أن هناك إصرارًا من اللجنة على مناقشته لتحقيق التوازن بين المالك والمستأجر.

وفي أكتوبر الماضي، أحال عبد العال مشروع قانون العليمي إلى لجنة اﻹسكان، وهو المشروع الذي كان قد تقدم به في أبريل 2017.

وفي 25 فبراير الماضي، أحال عبد العال كذلك خمسة مشروعات قوانين مقدمة من النواب لتعديل قانون «الإيجار القديم» والأحكام الخاص بالأماكن المعدة للسكن، إلى اللجنة التشريعية ومكتب لجنة الدفاع والأمن  القومي.

يرى المصدر الذي يعمل كبير باحثين بالأمانة العامة للبرلمان، أن إصرار النواب على تعديل نظام الإيجار القديم، يرجع ﻷن بعضهم أصحاب مصلحة مباشرة في إلغاء الإيجار القديم، سواء ملاك أو يعملون في العقارات، لأن إلغاء الإيجار القديم يصب في مصلحتهم. ولهذا لم تتوقف مفاوضاتهم مع رئيس البرلمان طوال السنوات الثلاثة الماضية لتفعيل مقترحاتهم، بحسب رأيه، مضيفًا أن «الأمر كان ينتهي دائمًا بتلقي البرلمان تعليمات مفادها بانتظار الوقت المناسب».

يحظر قانون الايجار القديم الساري، على المؤجر أن يطلب من المستأجر إخلاء  الوحدة السكنية أو التجارية ولو انتهت مدة العقد المتفق عليه إلا في حال، الهدم الكلي أو الجزئي للمنشأت الآيلة للسقوط أو عدم دفع الأجرة، أو التنازل عن المكان بغير  إذن المؤجر أو تأجيره من الباطن بدون إذن كتابي من المالك، والحالة الأخيرة التي تستوجب إنهاء العقد هي صدور حكم قضائي نهائي يثبت أن المستأجر استعمل المكان المؤجر أو سمح باستعماله بطريقة «مقلقة للراحة» أو «ضارة بسلامة المبنى» أو لـ «أغراض منافية للآداب العامة».

لكن القانون الجديد لم يسر على المتمتعين باﻹيجار القديم قبل إقراره (ومن يرثونهم من أقارب الدرجة اﻷولى). واستمرت رغبة ملاك الشقق والعقارات الذين أجروا طبقًا للنظام القديم في إيجاد حل ﻹنهاء عقود اﻹيجار القديم السابقة بسبب انخفاض قيمتها اﻹيجارية بشكل كبير.

خلال انتظار بعض النواب للوقت المناسب لإقرار مشروع قانون لتعديل قانون الإيجار القديم، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في 5 مايو 2018 حكمها، وحددت المحكمة العوار الدستوري في إطلاق الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون التي تنص على أنه «لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد» لتشمل الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية لاستعمالها في غير الغرض السكني.

وفي سابقة هي الأولى في تاريخ المحكمة، حددت أثرًا مستقبليًا لتنفيذ الحكم وليس فوريًا كما هو معتاد، حيث ألزمت «الدستورية» السلطتين التنفيذية والتشريعية بتنفيذ هذا الحكم في اليوم التالي لانتهاء دور الانعقاد الحالي للبرلمان، المقرر له نهاية يونيو المقبل.

حكم الدستورية عن الإيجار للأشخاص الاعتباريين، يبدوا أنه يصب في مصلحة الدولة نفسها، فقد تناول الرئيس عبد الفتاح السيسي، موضوع الإيجار القديم في ديسمبر الماضي، أثناء حديثه في حفل افتتاح مشروع الإسكان بغيط العنب بالإسكندرية، حين ألمح إلى استنكاره طبيعة عقود اﻹيجار القديم في معرض كلامه عن أملاك الدولة المؤجرة (لكنه أكد في المقابل التزامه بها).

تنفيذًا لهذا الحكم، أحال مجلس الوزراء للبرلمان في 24 أبريل الماضي، مشروع قانون ينص على زيادة القيمة الإيجارية للوحدات المؤجرة للأشخاص الاعتبارية فور صدور القانون خمسة أضعاف قيمتها الحالية، مع زيادة سنوية 15% لمدة أربع سنوات. بعدها، يلتزم المستأجر الاعتباري بإخلاء الوحدة السكنية وتسليمها للمؤجر بمرور خمس سنوات من سريان القانون.

لكن حكم الدستورية حصّن عقود اﻹيجار القديم التي يتمتع بها أفراد سواء كان شقق سكنية أو محلات تجارية. اعتبر حكم سبق أن أصدرته في عام 2011، وأكدته في حكمها اﻷخير، أن «الامتداد القانوني لعقد الإيجار هو ضرورة اجتماعية شديدة الإلحاح تجاهلها يعني تشريد آلاف من الأسر من مأواها وتفتيت في بنية المجتمع وإثارة الحقد والكراهية بين فئاته ممن لا يملكون المأوى ومن يملكونه».

يعتبر المحامي محمد عبد العال، المستشار القانوني لرابطة المستأجرين، أن البرلمان محظور عليه -بموجب أحكام الدستورية- إلغاء نظام الإيجار القديم، وإخلاء الوحدات السكنية.

في مقابل التزام الحكومة بحدود حكم المحكمة الدستورية العليا، أكد النائب عبد المنعم العليمي لـ «مدى مصر» أن قانون الحكومة لن يمر وحده، مضيفًا أنه «لن ينتهي الفصل التشريعي للبرلمان في يونيو 2020 بدون إصلاح منظومة الإيجار القديم للتجاري والسكني».

يرى العليمي أن قانون الإيجار القديم الحالي يتضمن نفس الفلسفة التي تبناها أول قانون نظم العلاقة الايجارية عام 1947، والذي أعقبه القانون رقم 52 لسنة 1969، ثم القانون الحالي رقم 49 لسنة 1977.

ولفت عضو اللجنة التشريعية بالبرلمان إلى أن قانون الايجار القديم صدر في ظل ظروف اجتماعية مختلفة، ورغبة من النظام الناصري لتدخل الدولة في حماية المستأجر من تلك الظروف، ولكن الآن «الأمر تغير كليًا ولا مجال للحديث عن ميراث الاشتراكية».

وقال العليمي إنه حصل على فتوى رسمية من دار الإفتاء بمخالفة قانون الايجار القديم الحالي لمبادئ الشريعة الإسلامية، لتضمنه استمرار المستأجر وورثته في شغل الوحدات الإسكانية والتجارية مدى الحياة، بما يمثل اعتداء على الملكية الخاصة للمؤجر.

ويتجاوز العليمي مقترح الحكومة المقتصر على الجهات الاعتبارية والمرتبط بفترة زمنية للتطبيق، حيث يطالب بالتحرير الفوري لوحدات الجهات الاعتبارية وكذلك الوحدات التجارية المؤجرة ﻷفراد.

وفيما يتعلق بالشقق السكنية، اقترح العليمي منح قاطني الوحدات السكنية فترة انتقالية قدرها أربع سنوات، يتم خلالها رفع القيمة الإيجارية بنسبة 25% من تقييم مصلحة الضرائب للسعر السوقي للوحدة حتى تصل إلى قيمتها العادلة، وبعدها إنهاء التعاقد وإخلاء الوحدات، على أن تلزم الدولة بتوفير وحدات «إسكان اجتماعي» للمستأجر المتضرر من الإخلاء بشرط ألا يزيد صافي الدخل له عن الحد الأقصى للأجور.

وتتشابه مشروعات القوانين الأخرى المعروضة على البرلمان بشأن الإيجار القديم مع مشروع العليمي، فيما يخص الوحدات التجارية والإدارية، غير أنها تختلف فيما يخص الوحدات السكنية.

يقترح النائبان معتز محمود وإسماعيل نصر الدين، بمشروعيهما وجود فترة انتقالية أطول تتراوح بين سبع وعشر سنوات يتم خلالهم زيادة إيجار الوحدات السكنية حتى تصل في نهاية المدة إلى القيمة السوقية حينها، وبعدها يخلي المستأجر الوحدة السكنية ويتم إلغاء نظام الإيجار القديم نهائيًا.

ورغم وعد عبد العال بعدم طرح مقترحات النواب المتعلقة بالإيجار القديم للوحدات التجارية والسكنية المؤجرة للمواطنيين العاديين للنقاش، كشف العليمي أن لجنة الإسكان بدأت يوم الثلاثاء الماضي مناقشة مشروع الحكومة. وبفضل ضغوط النواب ومفاوضاتهم مع رئيس البرلمان، اتفق نواب لجنة الإسكان على عقد جلسات استماع مطولة قريبًا، للوصول إلى صياغة توافقية بين مشروع الحكومة ومشاريع النواب للوصول إلى قانون يحقق التوازن بين المالك والمستأجر ويتلافى جميع السلبيات قدر الإمكان.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن