الباعة الجائلون .. من حكايات «الإصلاح الاقتصادي» في مترو الأنفاق
 
 

إذا كنت من ركاب المترو خلال السنوات القليلة الماضية فلا شك أنك لاحظت تغيرات طرأت على الباعة الجائلين الذين يمارسون عملهم داخل عربات المترو، فبعد أن كان هذا النشاط يكاد يقتصر على مَن تألف وجوههم كباعة جائلين، ويعكس مظهرهم مستويات فقر قاسية، ولغتهم مستوى محدود من التعليم. قادمين عادة من عشوائيات وأطراف القاهرة. أنضم له وجوه جديدة من أجل كسب العيش في السنوات الثلاثة الماضية، كانعكاس لتدهور مستويات معيشة وصار بيع البضائع المختلفة في المترو جاذبًا لفئات جديدة أعلى تعليمًا، لم تجد لها مكانًا في سوق العمل.

يظهر تدهور الأحوال المعيشية في المؤشرات الأولية لبحث الدخل والإنفاق الذي يعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والتي أشارت إلى ارتفاع نسبة الفقراء في مصر إلى 30.2% من السكان خلال العامين الأخيرين [اللذان شهدا تعويم الجنيه وتطبيق سياسات ما عُرف بـ الإصلاح الاقتصادي]. ولم تعلن النتائج النهائية للبحث في موعدها في فبراير الماضي، رغم الانتهاء منها منذ شهرين، بسبب تدخّل «جهات عُليا» رأت أن معدل الفقر الذي توصل إليه البحث يتعارض مع «الإنجازات التى قامت بها الدولة خلال العامين الماضيين» كما قالت مصادر لجريدة «البورصة» الأسبوع الماضي.

قابل «مدى مصر» شبابًا من أصحاب المؤهلات العُليا، خريجي الحقوق والآداب والتمريض والتجارة والدراسات الإسلامية والعربية، الذين وجدوا في مترو أنفاق القاهرة سوقًا جيدة، يرتادها ثلاثة ملايين راكب يوميًا، أي ثلاثة ملايين فرصة لبيع أي شيء؛ فطائر، وتسالي، ومستحضرات تجميل، وملابس، واكسسوارات موبيل، وعطور، وأدوات مكتبية، وكتب، وأدوات للمطبخ والمنزل، والقائمة لا تنتهي من السلع الرخيصة التي يُقبَل عليها الركاب مع تدهور الأوضاع الاقتصادية.

أحد هؤلاء هو محمد، 23 سنة، خريج كلية دراسات إسلامية وعربية بجامعة الأزهر، لم يجد عملًا يوفر له دخلًا يكفي احتياجاته الأساسية غير بيع الشوكولاتة بالمترو. يعمل محمد كبائع منذ خمس سنوات، إذ يعيل عائلته بعد وفاة والده، ويقول لـ«مدى»: «حاولت ألاقي شغل يناسب تعليمي، لكن كله عايز حد يمُص دمه، ويديله مرتب ميكفيش لأي حاجة، غير البهدلة. في المترو أنا سيد قراري كل ما اشتغل ساعات أكتر الاقيني آخر اليوم عملت فلوس تكفي أكل وشرب وسجاير».

يحصل محمد على بضاعته من أحد تجار الجملة الذي يورد لعدد من بائعي المترو بشكل خاص، ويقول إن «الناس بتشتري، خاصة لو معاك طفل نفسه في حاجة حلوة، محدش قادر على الشوكولاتة الغالية، وأهو رزق ناس على ناس».

ترى ياسمين أن العمل بالمترو له جوانب جيدة، فهو لا يتطلب منها مهارات معقدة، يوفر لها الاستمرارية، فهي بدأت منذ ثلاث سنوات وتنوي الاستمرار فيه، بالوقت ذاته تستطيع من خلال ميزة المرونة في الوقت، أن توفق بين رعاية أسرتها والعمل في نفس الوقت، فضلًا عن أن كسبها يزيد كلما عملت ساعات أطول، وتضيف: «كفاية أني مش بشتغل عند حد، لما جربت قبل كده اشتغل على ماكِينة في مصنع خياطة مترحمتش من قرف صاحب الشغل».

لا تملك ياسمين رفاهية الراحة الأسبوعية، فضلًا عن أنها تعمل ما يقارب العشر ساعات بشكل يومي، ويصل متوسط دخلها شهريًا إلى خمسة آلاف جنيه، وهو ما يجعل دخلها يفوق متوسط الدخل السنوي للأُسرة في مصر، الذي حدده بحث الدخل والإنفاق لعام  بـ 44.2 ألف جنيه سنويًا.

تخبرنا ياسمين: «اللي بجيبه بالعافية مخلي إخواتي يكملوا تعليم، وندفع الإيجار وناكل ونشرب، وعشان أوفر بشتري القماش وأقصه وأغلف الطرح بنفسي، لو اشتريت جاهز مش هكسب حاجة، وبحاول أرد اللي بنستلفه». إذ أنها لا تنجو من شرّ الإستدانة لتوفير ما يلزم العائلة التي لا دخل أو عمل لرب الأسرة فيها، وليست أيضًا ممَن يشملهم «تكافل» و«كرامة» [برامج للحماية الاجتماعية توفرها الدولة، وتقدم دعمًا نقديًا مشروطًا للأُسر التي لديها أطفال حتى سن 18 سنة، على ألا تملك تلك الأُسر أي مصدر دخل. وتبلغ قيمة الدعم نحو 325 جنيهًا شهريًا لرب الأسرة، ونحو 80 جنيهًا لطفل المرحلة الابتدائية، ونحو 100 للإعدادية ونحو 140 للمرحلة الثانوية].

وتوضح ياسمين أن هذه المبالغ الزهيدة لا تكفي بأي حال للإنفاق على أسرتها في ظل الغلاء المتزايد، كما أنها لا تفضل أن تطلب إعانة من أي جهة وتعامل معاملة الفقراء طالما أنها قادرة على الكسب.

يُحدّث خط الفقر القومي في مصر كل عامين بناءً على نتائج بحث الدخل والإنفاق، ويُعنى البحث بمسح عينة ممثلة للأسر المصرية من حيث مستويات المعيشة، ومصادر الدخل وأوجه الإنفاق. وتشير النتائج الأولية للبحث الجديد إلى ارتفاع خط الفقر [الحد الأدنى من الدخل الذي لا يمكن للفرد تلبية احتياجاته الأساسية إذا لم يحصل عليه]، من 482 جنيهًا شهريًا في 2015 إلى ما يتراوح بين 700 و800 جنيه شهريًا.
وتكمن أهمية البحث الأخير في أنه يعكس نتائج خطة الإصلاح الاقتصادي التي طُبقت بالاتفاق بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، مقابل قرض قيمته 12 مليار دولار تتحصل عليه الحكومة على ست دفعات، وشملت الخطة تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016، ورفع أسعار الوقود والطاقة، وإلغاء الدعم تدريجيًا عن السلع والخدمات، وإقرار ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14%، مما أحدث موجة تضخم غير مسبوقة، فاقت حتى توقعات بعثة الصندوق، وبلغت أعلى مستوياتها في يوليو 2017 بوصولها إلى 34.2%.
باعة المترو خلال سعيهم للتغلب على صعوبة الظروف الاقتصادية يواجهون صعوبات أخرى قد يكون أهمها وضعهم كعمالة خارج الإطار الاقتصادي الرسمي، وبالتالي خارج نطاق الحماية الاجتماعية والصحية، فلا يخضعون لأي من قوانين الحماية ولا يحصلون على أي معاش أو تأمين صحي. بالإضافة لما يعانونه من صور للفساد تجعلهم يدفعون مبالغ «إتاوة» لبعض رجال الشرطة ليُسمح لهم بالاستمرار في البيع، أو تُصادر بضائعهم والنقود التي بحوزتهم مُصادرة غير رسمية، خلافًا للقانون.
تخبرنا ريم، خريجة كلية تمريض، التي تبيع أدوات تجميل بالمترو وهو عملها الوحيد منذ ست سنوات، أنها بعد أن قدّمت هي ووالدتها من المنيا إلى القاهرة هربًا من خلافات عائلية، تعاني بالأساس من مضايقات الشرطة وتقول: «الضابط يطلعنا من المترو وبعدين يتكلم معايا، لو ضحكت وهزّرت معاه يخليني أدفع غرامة واحدة بس، لو تعاملت بحزم، يدفعني غرامتين وتلاتة، ولو مش عاجبني أخبط دماغي في الحيط بقى أو أتحول للنيابة».

«بيبقى خراب ديار» هكذا وصف محمد «الحملة» التي تقوم بها وزارة الداخلية في محطات المترو بحثًا عن الباعة الجائلين، بينما هو يتحدث إلى «مدى مصر» بمحطة «حمامات القبة» بالخط الأول من مترو الأنفاق، جاء ضابط يعمل بالمحطة، ليأخذ بضاعته دون أي حوار، وبدأت مشادة كلامية على إثر ذلك، حاول محمد استرداد بضاعته مخبرًا الظابط أنه تمت مصادرة كرتونتين منه بالفعل في صباح نفس اليوم. لكن الضابط هدده إن لم يتوقف بأنه سيحرر له محضرًا.
وفيما كانت ياسمين تتحدث مع «مدى مصر» صمتت فجأة، لتخبرنا بأن ضابطًا مرّ بجوارنا، ثم تفسر: «مفيش حاجة مبهدلانا قد الحكومة، إمبارح الضابط مسكني، وخيّرني بين إني أديلُه كل البضاعة وكل الفلوس اللي في الشنطة، أو يتعملّي محضر وأتحوّل للنيابة، اخترت اديلُه اللي معايا لأني مقدرش مرجعش البيت. وكل كام يوم من ده، غير إنهم كذا مرة حذرونا من الكلام مع الصحفيين».
غالبية الباعة المتجولين بالمترو ممَن تحدثوا لـ «مدى مصر» صرحوا برغبتهم في عمل تصاريح لهم بالبيع، لتتعرف الداخلية على هوياتهم وتحول دون اندساس المتسولين أو الحرامية بينهم، وهي حجة الجهات الأمنية بخصوص الباعة بالمترو، لكن المتحدث الرسمي لهيئة تشغيل المترو، أحمد عبد الهادي صرح سابقًا بأنه يرفض اقتراح عمل تصاريح للباعة. موضحًا أن تشغيل المترو وتأمين وصول الركاب للمحطات هي المهمة المنوطة بها الهيئة.
من الناحية القانونية، فإن

القانون رقم 33 لسنة 1957، يشترط على الباعة الجائلين الحصول على التراخيص لمزاولة عملهم، إلا أن المادة التاسعة من القانون تحظر على الباعة عرض سلعهم أو ممارسة حرفهم داخل وسائل النقل؛ لذا يصبح نشاط البيع داخل عربات المترو غير قانوني.
وقررت هيئة المترو رفع غرامة البيع بالمترو إلى 100 جنيه، في أعقاب زيادة سعر تذكرة الركوب في مايو 2018، وتكثيف حملات بالتعاون مع شرطة النقل والمواصلات لضبط الباعة. يقول عبد الهادي إن الهيئة بصدد قرار مصادرة البضائع وعدم الاكتفاء بالغرامة، ثم تسجيلها بدفتر الوارد بقسم الشرطة بالمحطة، لتسليمها لاحقًا لشرطة المرافق التابعة لحي المحطة.
ورغم ما قد تشعر به من إزعاج بسبب حركة الباعة في عربات المترو المزدحمة، أو ارتفاع أصواتهم للفت انتباه الركاب لبضائعهم وسط ضجيج المترو وركابه، يبقى سعيهم لبيع بضائعهم في المترو محاولة للتغلب على تدهور مستويات معيشتهم وضيق فُرص الرزق الأخرى، في الوقت الذي لا تُوجد فيه بالدولة بدائل أكثر تنظيمًا لهذه الأعمال، ويظل الباعة مهددين بمطاردات وإتاوات بعض أفراد الشرطة، ورفض هيئة المترو تقنين أوضاعهم.

اعلان
 
 
سارة سيف الدين