من «الكفتة» إلى النجاح: ضد «فيروس سي»
 
 
رجل تجاوز الخمسين مريض بالتهاب الكبد الوبائي سي (نائم في الصورة) وابنه في انتظار الطبيب. - المصدر: قسمت السيد
 

لم تكن أميرة عصام، الطبيبة ومديرة وحدة قرية الرملة في بنها ومسؤولة حملة «100 مليون صحة» فيها، مؤمنة بفكرة إجبار المواطنين على القيام بأي شيء. لكن هذه القناعة تغيّرت مع عملها. لا تخفي انبهارها بالحملة. تقول إن أكبر حملة علاجية حضرتها قبل هذه كانت لمدة 10 أيام وكانت تستهدف شارعًا أو شارعين. «لكن [هذه الـ] حملة شهرين بحالهم، تخيل، ظروف استثنائية وطوارئ وشغل من 9 صباحًا لـ 9 مساءً لمدة شهرين ممنوع فيهم اﻹجازات، حتى الجمعة شغل»، تقول أميرة. ولهذا تعتقد أن هذه الحملة هي أكبر مسح طبي شامل في العالم.

انتهت مع آخر أبريل الماضي المرحلة الثالثة واﻷخيرة من الحملة، التي انطلقت أول أكتوبر 2018، ضمن جهود بدأتها الدولة المصرية منذ عام 2014 لمكافحة انتشار مرض التهاب الكبد الوبائي «سي» والقضاء عليه. فحصت الحملة 50 مليون مواطن منذ بداية الحملة حتى نهايتها، طبقًا لتقديرات وزارة الصحة، والتي أعلنت عن استمرار العمل بالحملة حتى نهاية العام لمَن فاته الفحص خلال الشهور الماضية.

خلال عملها بالحملة، قابلت أميرة كثيرًا من المواطنين المتخوفين من إجراء الاختبارات والعلاج، بسبب ما وصفته بـ «فقدان الثقة في القطاع الحكومي».

هذا التخوف له جذور تاريخية منطقية. السبب في انتشار وباء «فيروس سي» هو إهمال وسوء تخطيط إداري وحكومي استمر منذ الستينيات حتى الثمانينيات أثناء محاولة إيقاف وباء آخر هو البلهارسيا. ومع اكتشاف مدى انتشار اﻹصابة بـ «فيروس سي» في مصر، تلقى المواطنون وعودًا متعددة: فريق بحثي مصري أعلن في عام 2006 عن نجاحه في التوصل إلى علاج للمرض من أحد أنواع الطحالب أحادية الخلية مع وعد بتسجيله وطرحه في اﻷسواق قريبًا، وصولًا إلى «جهاز الكفتة»، ذلك الجهاز السحري الذي يعالج كلًا من فيروس سي واﻹيدز معًا، والذي أعلنت القوات المسلحة عن تبنيه ووعدت بقرب استخدامه قبل أربعة أعوام دون تحقق هذه الوعود.

لكن الموقف تغيّر خلال اﻷعوام القليلة الماضية. تمكنت مصر من وصفة للنجاح جعلتها «نموذجًا لدول أخرى منخفضة ومتوسطة الدخل»، بحسب البنك الدولي. استفادت الوصفة المصرية من التقدم العلمي الذي توصل إلى دواء فعّال للمرض، والجهود الدولية المختلفة للضغط على الشركات ﻹتاحة هذه اﻷدوية للدول اﻷفقر. وسمحت اﻹرادة السياسية باستغلال ما سبق، وأتاحت البنية التحتية للوزارات والجامعات لحصر المرضى وعلاجهم. ويسمح التأمّل في رحلة مصر من بداية انتشار وباء فيروس سي وحتى بداية انحساره في فهم هذه الوصفة، واستخلاص أهم دروسها.

أحد المصابين بالوباء، ينام طوال اليوم، ولا يستطيع الذهاب للعمل. الصورة: قسمت السيد.

تحدث اﻹصابة بالتهاب الكبد الوبائي «سي» بشكل أساسي نتيجة اﻹصابة بعدوى فيروسية اُكتشفت أواخر الثمانينيات، حيث تستغرق فترة حضانة الفيروس داخل الجسم من أسبوعين حتى ستة أشهر، طبقًا لدليل منظمة الصحة العالمية. بعدها، يظهر على حوالي 20% فقط من المصابين أعراضًا مثل الحمى، والقيء، والصفراء، وبول غامق اللون، وبراز رصاصي اللون. بالنسبة للباقين، تصبح العدوى مزمنة دون ظهور أي أعراض وهو أمر قد يمتد لعدة عقود قبل أن تبدأ ظهور آثارها على الجسد، ما يجعل اكتشاف «فيروس سي» صعبًا.

تشير دراسات علمية مختلفة إلى أن انتشار اﻹصابة بفيروس سي في مصر بدأت خلال الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. خلال هذا الوقت، كان المصريون يعانون من وباء آخر هو مرض البلهارسيا، حين نظمت الدولة حملات قومية للتطعيم ضد أو علاج البلهارسيا اعتمدت على الحقن. تقدر الدراسات أن حوالي 6 ملايين مواطن مصري حُقن ضمن هذه الحملات، معظمها كان مصنوعًا من الزجاج يتم إعادة استخدامها بعد إعادة تعقيمها. يتضح هذا، بحسب ما يلاحظ تقرير أعده البنك الدولي في 2017، عند النظر إلى نسبة اﻹصابة بفيروس سي بين الشرائح العُمرية المختلفة. تصل نسبة اﻹصابة في الشريحة العمرية 50-59 [التي تعرّضت للحقن خلال حملة البلهارسيا] إلى 20% مقابل أقل من 1% فقط بين اﻷطفال والمراهقين.

تشير مدونة خُصصت للتوعية بالمرض وطرق تجنبه وعلاجه إلى أن اﻹشارة اﻷولى لانتشار اﻹصابة بفيروس سي بشكل وبائي في مصر جاءت عام 1992 بعدما أجرى فريق بحثي دراسة شملت 2000 متبرع بالدم أسفرت عن اكتشاف اﻹصابة بنسبة 10% بينهم. «هذا الرقم كان صادمًا حيث إن التقارير اﻷولية القادمة من معظم دول العالم كانت تُشير إلى أن معدل اﻹصابة بتلك الدول يتراوح بين 2-3%، مما يُشير إلى أننا أمام تفشي وبائي لفيروس سي في مصر»، تقول المدونة. بعدها بعامين، أجرى الفريق البحثي دراسة أخرى في إحدى قرى الدلتا واكتشف نسبة إصابة تبلغ 18%. وفي عام 1996 قدرت وزارة الصحة أن نسب اﻹصابة بالعدوى تتراوح بين 15-20% من المصريين.

بدأت الدولة في الانتباه إلى خطورة الممارسات الطبية التقليدية في نشر العدوى، وأصدر البرلمان المصري عام 1994 تشريعًا يوجب إجراء تحليل للأجسام المضادة للفيروس لجميع أكياس الدم التي يتمّ التبرع بها.

وفي مارس 2003، أعلن وزير الصحة عن بدء برنامج قومي لمكافحة العدوى يهدف إلى الحد من اﻹصابة باﻷمراض المعدية وخاصة فيروس سي. وأصدرت الوزارة الدليل الاسترشادي القومي لمكافحة العدوى [نسخته اﻷخيرة صدرت في 2016].

لكن الوباء كان قد انتشر بالفعل. واستمرت نسب العدوى عند 15% للسكان في الشريحة العمرية من 15-59 في عام 2008.

بدأت الحكومة أولى المحاولات الجدية للتعامل مع الوباء عام 2006 حين قررت إنشاء اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، وشملت عددًا من اﻷساتذة الجامعيين والمختصين. وضعت اللجنة استراتيجية لمكافحة المرض، وأنشأت 23 مركزًا للعلاج موزعة في أنحاء الجمهورية بأسعار منخفضة.

حاولت الاستراتيجية الجديدة أيضًا زيادة الوعي بالممارسات الطبية السليمة. أُعيد تنقيح الدليل الاسترشادي القومي لمكافحة العدوى عام 2008 ليتوافق مع المعايير الدولية. وانخفضت نسب انتقال العدوى التي تحدث خلال جلسات الغسيل الكلوي من 28% إلى 6% خلال ثلاث سنوات، طبقًا ﻹحصائيات تقرير نشره مركز مكافحة اﻷمراض اﻷمريكي.

لكن هذا لم يكن كافيًا. تشير إحصاءات حكومية نقلها البنك الدولي في تقرير له إلى أنه في عام 2016 بلغ عدد المصابين بالعدوى 4.5-5 ملايين مواطن، من بينهم 150 ألف إصابة جديدة خلال هذا العام فقط.

انتظارًا لتسلّم أوراق الحصول على الإعانة الطبية، يصطف المرضى بالساعات أمام نافذة معهد القومي للكبد بالقاهرة. الصورة: قسمت السيد.

وسط تفاقم الوضع، عرض التلفزيون المصري في عام 2014 تقريرًا حول نجاح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في علاج فيروس سي واﻹيدز معًا. وبعدها بيوم، أعلن المتحدث العسكري أن «القوات المسلحة تحقق أول اكتشاف عالمي لعلاج فيروسات سي والإيدز». وحسبما أوضح المتحدث، فإن الابتكار هو «أول نظام علاجي في العالم لاكتشاف وعلاج فيروسات الإيدز… بدون الحاجة إلى أخذ عينة من دم المريض والحصول على نتائج فورية وبأقل تكلفة»، مؤكدًا أنه «قد سجلت براءات الإختراع لها باسم رجال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية»، بحسب تقرير نشرته صحيفة «المصري اليوم» وقتها.

على الرغم من اﻹعلان الرسمي، لم تتسم التصريحات بالجدية المتوقعة من علماء على وشك تقديم ابتكار قد يغيّر مسار الطب. مخترع الجهاز، اللواء إبراهيم عبدالعاطي، أعلن أن سر هذا الجهاز المعقد مثل سر بناء الأهرامات، وأن أحد أجهزة المخابرات قامت باختطافه وعرضت عليه مبلغ ملياري دولار للتنازل عنه. من جانبه، أوضح اللواء طاهر عبد الله، رئيس الهيئة الهندسية، أنه «لن يتمّ تصدير الجهاز لمحاولة حماية الجهاز وبراءة اختراعه من مافيا شركات الأدوية والدول الكبرى المحتكرة لسوق الدواء العالمي».

تحوّل اﻷمر إلى نكتة كبيرة. اللواء عبدالعاطي أخبر أحد المرضى في التقرير التلفزيوني أن «تحاليلك زي الفل قدامي، وكان عندك إيدز وراح». حكى أحد اﻷطباء المشاركين في حلقة نقاش استضافتها «مدى مصر» وقتها لمناقشة «الاختراع» أنه زار معرض «إيجي ميديكال» بالقاهرة -معرض للمنتجات واﻷجهزة الطبية- الذي شهد مشاركة القوات المسلحة وعرضها لهذا الاختراع. «كان يتمّ تجربته عن طريق شابين، أحدهما يمسك علبة بلاستيكية يُفترض أن بها عينة من فيروس سي ويحركها أمام الجهاز الذي يمسك به الشاب الآخر، و«الإيريال» الخاص بالجهاز يتتبع العينة».

أضاف الطبيب: «كان هذا يحدث أمام جمهور المعرض، طلبت منهم أن استخدم الجهاز بنفسي إلا أنهم رفضوا، فسألتهم إن كان من الممكن إعادة التجربة والشاب الممسك بالجهاز مغمض العينين، ففعل إلا أن الجهاز لم يتحرك، رغم أن الشاب استمر في تحريك العينة أمامه، ثم تحرك الجهاز ناحية اليسار وكانت العينة في جهة اليمين. وعندما فتح الشاب عينيه قال إنه تدرب على استخدام الجهاز لمدة أسبوعين فقط، ويجب استخدامه وعينيه مفتوحتين وإلا لن يعمل».

تحوّل اسم الاختراع إلى «جهاز الكفتة» بفضل تصريحات المسؤولين. بخلاف المريض الذي أخبره عبد العاطي أنه «كان عندك إيدز وراح»، هناك على اﻷقل 200 مريض آخرين أعلن اللواء عبد العاطي شفائهم مؤكدًا أنه «سيذهب بهم للمحكمة حتى يثبت صحة جهازه».

لكن، ورغم إصراره، قررت نقابة الأطباء إحالة الأطباء المسؤولين عن الجهاز إلى التحقيق أمام هيئة التأديب بالنقابة في 2016 بتهمة «الإعلان والترويج للجهاز، ما أدى إلى الإضرار بملايين المواطنين الذين راودهم الأمل في العلاج عن طريق الجهاز». وتبرّأت القوات المسلحة لاحقًا منه.

في مكتب الطبيب بالمعهد القومي للكبد. الصورة: قسمت السيد.

 

في مقابل نكتة «الكفتة»، بدأ في 2014 مسار جدي للتعامل مع الوباء استند إلى إتاحة الدواء، وإجراء حصر للمصابين بالمرض وحامليه.

حتى هذا الوقت، اعتمدت ماجدة صابر، 61 سنة، تعيش في اﻹسكندرية، على مزيج اﻹنترفيرون والريبافيرين كعلاج لها. أُصيبت ماجدة بعدوى فيروس سي في 2006، وشُخص مرضها للمرة اﻷولى في أغسطس 2008، وبدأت الرحلة. كورس العلاج كان حقنة أسبوعية لمدة عام كامل [52 أسبوعًا]. «كان هذا مرهقًا جدًا»، تقول ابنتها دينا، والتي صاحبتها طوال رحلة العلاج، لـ «مدى مصر» . لم تتوافر الحقن بسهولة، كما أن تخزينها صعب، ولا يمكن تفويت أي من الجرعات. «بدأنا الحقنة على حسابنا، كانت [تتكلف] 1400 جنيه غير الريبافيرين والتحاليل الشاملة كل ثلاثة أسابيع».

ساعدهم طبيبها على استكمال علاجها على نفقة الدولة، والتي تحملت تكلفة اﻹنترفيرون فقط، ما يعني تحملهم تكلفة الريبافيرين والتحاليل. ووقعت ماجدة على إقرار بعلمها بأن نسبة نجاح العلاج 60% فقط، وأن المستشفى غير مسؤولة عن أي نتائج سلبية.

تحملت ماجدة آثار جانبية كبيرة للعلاج. «كل حقنة مع كل أسبوع بأثر جديد تقريبًا» تقول دينا. في البداية أظهرت التحاليل استجابة ماجدة للعلاج، وتوقفت عن العلاج بعد انتهاء العام. لكن أول تحليل بعد ستة شهور من توقفها كان إيجابيًا. العدوى ما زالت مستمرة.

لكن، في عام 2013، حصلت شركة جلياد اﻷمريكية على ترخيص بتداول عقار جديد لمعالجة الفيروس اسمه «سوفالدي» محققًا نسب شفاء تصل إلى 97%. سألت ماجدة طبيبها عن الدواء الجديد لكنه نصحها بالانتظار.

اﻷزمة اﻷساسية كانت سعر الدواء الجديد، حيث وصل إلى 84 ألف دولار أمريكي لفترة علاج تستغرق 12 أسبوعًا. «سعر باهظ بدرجة تفوق الخيال»، يقول علاء عوض، أستاذ الكبد بمعهد تيودور بلهارس للأبحاث.

يشير عوض إلى أن محاولات توفير الدواء بأسعار منخفضة للدول اﻷفقر، والتي لا تستطيع تحمل تكلفة مماثلة، اعتمدت بشكل أساسى على المفاوضات مع الشركات الدولية المنتجة للأدوية. لكن هذا المقاربة لم تحقق نجاحًا يذكر.

كانت الشركة اﻷمريكية المصنعة لدواء فيروس سي الجديد قد مرّت بتجربة سابقة في الهند مع علاج فيروس اﻹيدز غيّرت من سياستها. استغلت الهند اتفاقية التجارة العالمية، وأصدرت تشريعًا في 2005 يعيد تعريف «الابتكار» المستحق لبراءة اختراع وحماية لحقوق الملكية الفكرية. وسمح التشريع الهندي للشركات المحلية بإنتاج دواء اﻹيدز بسعر منخفض بحوالي 80% عن السعر العالمي.

«تعلمت [الشركات] الدرس من تجربة أدوية اﻹيدز»، يقول عوض. وفي فبراير 2014، وافقت ثلاث من كبرى شركات المنتجة لأدوية فيروس سى من بينها شركة جلياد على سياسة جديدة أسموها سياسة «إتاحة الدواء»، وتعتمد السياسة الجديدة للشركات على تقسيم دول العالم إلى ثلاث شرائح طبقًا لنصيب الفرد فيها من الدخل يعتمد على تقسيم يجريه البنك الدولي.

وطبقًا للسياسة الجديدة،عرضت شركة جلياد دواء الـ «سوفالدي» للدول الفقيرة بخصم يصل إلى 99% من سعره في الولايات المتحدة. استفادت مصر مبكرًا من هذا التوجه. وفي مارس 2014، أعلنت الشركة الأمريكية عن اتفاقها مع الحكومة المصرية على بيع «سوفالدي» لها بسعر 900 دولار أمريكي لكورس علاج كامل لمدة 12 أسبوعًا. وبدأت الدولة حملة طموحة جديدة للتخلص من المرض.

يشير عوض إلى أن الاتفاق مع الشركة اﻷمريكية يقضي بتوريد ما يكفي لعلاج 50 ألف مريض، لكن الكمية كانت ضئيلة للغاية بالمقارنة بعدد المرضى الذي تقدم للحصول على العلاج عبر اﻹنترنت بعد بدء الحملة، والذي بلغ مليون و200 ألف مريض.

خلال مفاوضات الاتفاق، طلبت شركة جلياد منحها حقوق الملكية الفكرية لحماية منتجها من قيام الشركات المحلية بإنتاج بدائله. لكن بحسب رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية وحيد دوس، رفضت الحكومة المصرية هذا الطلب في 2014.

فتح هذا الرفض الباب أمام الخطوة الكبيرة في هذه الحملة، بعدما تسابقت الشركات المحلية في إنتاج نسخة محلية من الدواء، وهو ما بدأ منذ عام 2016. كانت هذه هي «الطفرة الكبرى»، بحسب دوس. وﻷن تقديرات الشركات لحجم السوق كانت أكثر من الواقع ﻷنها اعتمدت على التقدير النظري لعدد المرضى اﻹجمالي وليس العدد الحقيقي للمرضى الذي يعرفون بمرضهم، بدأت الشركات في سباق لخفض الأسعار، وهو اﻷمر الذي وصفه عوض بأنه «غير مسبوق فى تاريخ صناعة الدواء فى مصر». وانخفض سعر البديل المصري للسوفالدي من 2670 جنيهًا فى بداية ظهوره إلى 500 جنيه مصرى، لتصل التكلفة اﻹجمالية لعلاج المريض الواحد 1500 جنيه، بحسب عوض.

بعد رحلة طويلة، وصف طبيب ماجدة لها أحد بدائل «سوفالدي» في مايو 2017. أخذت «كورس» لمدة ستة شهور على نفقتها، تكلف حوالي 3000 جنيه للـ «كورس» كاملًا. اﻷعراض الجانبية خلال فترة العلاج كانت بسيطة للغاية مقارنة باﻹنترفيرون، لكن اﻷهم كان أنه قضى على المرض. التحليلات التي أجرتها ماجدة طوال العامين الماضيين كانت سلبية.

حققت الحملة نجاحًا معقولًا ساهم في رفع سقف الطموحات، حسبما أشار تقرير للبنك الدولي. توفير الدواء كان خطوة كبيرة لتحقيق الهدف العام بالتخلص من فيروس سي في مصر بشكل نهائي وإعلان مصر خالية من الوباء بحلول 2021 بحسب التقدير الرسمي. لكنه لم يكن كافيًا، ببساطة ﻷن السعي للحصول على العلاج يتطلب أولًا تشخيص المرض. بحسب تقدير نشره البنك الدولي، بلغ عدد مرضى فيروس سي في مصر في 2016 خمسة ملايين مواطن، من بينهم مليون واحد فقط يعرفون بإصابتهم. التحدي اﻵن هو حصر المرضى الذين لا يعرفون بمرضهم، ومعرفة توزيعهم، وتقليص معدلات انتشار العدوى إلى مرضى جدد.  

لهذا بدأت الحكومة خطوة جديدة في حملتها، وتهدف باﻷساس إلى حصر المرضى الذين لم يتمّ تشخيصهم. الخطوة الجديدة بدأت في اﻷول من أكتوبر 2018، حيث أطلقت الحكومة حملة «100 مليون صحة»، والتي امتدت عبر ثلاث مراحل حتى نهاية أبريل 2019، وتستهدف الوصول إلى حوالي 50 مليون مواطن.

.الصورة: قسمت السيد

توضح أميرة، مديرة وحدة قرية الرملة في بنها ومسؤولة حملة فيروس سي فيها، والتي شاركت خلال المرحلة اﻷولى من الحصر، أن مهمة الفحص والتحليل تنفذها الوحدات والمراكز الصحية ومكاتب الصحة المنتشرة في أرجاء الجمهورية. وتحوّل الحملة مَن يُكتشف مرضهم إلى المستشفى التخصصي التابعة لها لإجراء تحليل إضافي، أو إلى طبيب ﻷمراض الكبد لمباشرة العلاج على الفور إذا استدعت الحالة ذلك.

في مركز الفحص التابع للحملة في مركز شباب المعمورة بمحافظة اﻹسكندرية، تواجد عشرات المواطنين من الراغبين في الفحص. اضطر بعضهم للانتظار ساعتين كاملتين قبل دورهم. تراوحت أعمار المواطنين بين كبار السن والشباب، كان واضحًا أن مجانية الحملة شجعتهم على الفحص. حرص الفريق الطبي على الرد على جميع أسئلة واستفسارات الجميع.

بحسب رأي أميرة، راعى تصميم الحملة كل التفاصيل، حيث تلقى اﻷطباء وأطقم التمريض تدريبًا مكثفًا على منع انتشار درجة العدوى أثناء الفحوصات والعلاج، كما تستخدم أدوات تتكسر ذاتيًا بعد الاستخدام. يعتمد جزء أساسي من تخطيط الحملة على تجميع البيانات واﻹحصاءات وتحليلها. وإلى جانب هذا، هناك إدارة تختص بالتثقيف وتوفير المعرفة الضرورية للجميع حول كيفية تجنب العدوى.

شعبان، 46 سنة، كان واحدًا ممَن أنقذتهم الحملة. يعمل شعبان كهربائيًا دون أجرٍ ثابت. لا يفكر كثيرًا في أمر صحته، ويضعه في مرتبة متأخرة في أولوياته، ويُفضل صرف ما يجنيه من مال على أشياء أكثر أهمية بالنسبة له. «أنا مش غني زي ناس كتير، معايا 3 بنات منهم بنت بجهزها وعايش في [شقة] إيجار»، يقول شعبان. لهذا لم يكن مهتمًا في البداية كثيرًا بإجراء التحليل. لكن بعض الناس أخبروه قد لا يتمكن من استخراج أوراق حكومية، فضلًا عن توقف بطاقة التموين الخاصة به إذا لم يقم بالتحليل، وهو ما دفعه للذهاب.

تأثر شعبان نفسيًا بصورة سلبية عند علمه بإيجابية عينته، وقرر حبس نفسه في غرفة النوم لمدة ثلاثة أيام. لكن تغيّر الأمر بعد ذلك، «كشفت لأول مرة مارس الماضي في مستشفى بكفر الجبل، ثم طلبوا مني تحاليل إضافية في مستشفى تدعى ثابت ثابت، لدي فوبيا من الحقن  ولم أرغب في أخذها، لكنهم أصروا على ذلك، قائلين إن ذلك من أجل أولادي، وسوف أعالج بالمجان، ثم رشوا البنج وأخذوا الدم مني». ويبدأ شعبان جرعات الدواء بعد غد، اﻹثنين، ﻷن نسبة الفيروس لديه لم تكن تستدعي العلاج الفوري.

تفاجئ شعبان بالاهتمام إلا أنه كان سعيدًا به، «عندما وجدت جهة حكومية تهتم بي، واسمي موجود على الكمبيوتر بميعاد مُحدد مسبقًا، شعرت أن لي قيمة». وإلى جانبه، تمكنت الحملة من اكتشاف أكثر من 2 مليون مصاب بنسبة 5% من إجمالي من تمّ فحصهم، بحسب أرقام أعلنتها وزارة الصحة.

أصبحت مصر مثالًا لكيفية القضاء على أوبئة في دول كبيرة بهذا الحجم. نجحت الحملة المصرية في علاج أكثر من مليون مريض خلال اﻷعوام القليلة الماضية بنسبة نجاح تصل إلى 95%، وهو تقدم كبير «تسبب في جذب الانتباه الدولي إلى مصر، حيث يتوقع البعض أن تصبح المقاربة المصرية نموذجًا لدول أخرى منخفضة ومتوسطة الدخل تواجه أزمة فيروس سي كبيرة مماثلة»، بحسب وصف تقرير للبنك الدولي.

بحسب أيمن سبع، الباحث في ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن السبب الرئيسي لنجاح الحملة يعود ببساطة لتوفر علاج فعّال للمرض وبسعر رخيص لم يكن متوفرًا من قبل. وأسهم توافق جهود الحكومة والمجتمع المدني والدولي، باﻹضافة إلى إرادة سياسية ظهرت في توفير الموارد المختلفة لنجاح حملات العلاج والكشف، والسماح بالضغط على الشركات بما أسهم في انخفاض السعر وإتاحة البنية التحتية في الجامعات ووزارة الصحة.

ربما لن يتطلب اﻷمر إجبارًا للمواطنين على إجراء الفحوص حتى ولو كان انتشار المرض يمثل مسألة أمن البلاد الذي تجسده صحة أبنائها وسلامة أجسادهم. فقط علينا أن نعرف طريق الجمع بين دواء رخيص ومتوفر، وتوافق جهود الحكومة والمجتمع المدني والدولي، ووراء كل ذلك إرادة سياسية مطلوبة لتكرار هذا النجاح في أزمات أخرى مماثلة.

أوراق من ثبت إصابتهم بـ فيروس سي بعد تحليل الدم. - المصدر: قسمت السيد

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة 
محمد حمامة