قراءة في الموازنة الجديدة: أولويات الحكومة في إنفاق أموالنا
 
 

تساعد القراءة في وثيقة مشروع  الموازنة العامة للسنة المالية 2019/2020، التي يناقشها مجلس النواب حاليًا، في التعرّف على الأولويات الحقيقية للإنفاق الحكومي في السنة المالية التي ستبدأ في يوليو المقبل، وتفنيد الخطاب الترويجي الذي تتبناه الحكومة، والذي يعتمد على تبرير التراجع في الإنفاق على بنود تمس المواطنين بشكل مباشر، مثل الأجور والدعم، بأنه يوجه لصالح زيادة الاستثمار في بنود مهمة مثل الصحة والتعليم. بينما تظهر وثيقة الموازنة انخفاض نصيب الصحة والتعليم من إجمالي الاستثمارات، في الوقت الذي حظيت فيه أقساط وفوائد القروض على الأولوية المطلقة في الإنفاق العام، بنسبة تزيد على 47% من إجمالي الاستخدامات في الموازنة، لتقترب مخصصاتهما من التريليون جنيه.

وتراجع معدل نمو الإنفاق على بند الأجور ليبلغ نحو 11.5% في الموازنة الجديدة مقابل 12.5% في السنة المالية الجارية، فيما يمثّل «مفارقة» كونه يأتي على خلفية قرار رئيس الجمهورية برفع الحد الأدنى للأجور في السنة المالية الجديدة من 1200 جنيه إلى 2000 جنيه، والذي كان قد أعلن عنه في خطاب استخدم فيه لغة تعبّر عن رد الجميل بسخاء للشعب الذي «تحمل الكثير»، على حد قوله.

كما تظهر وثيقة الموازنة تراجعًا في بند «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية» بنسبة 0.18%، الذي يشمل دعم الوقود والكهرباء والسلع التموينية، مع اتباع الدولة سياسة تقشفية تقلّل من الإنفاق العام، من المنتظر أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات مع بداية السنة المالية الجديدة، التي ستشهد تحرير أسعار الوقود وتخفيض جديد لدعم الكهرباء.

بينما قفز النمو في الإنفاق على «سداد القروض» بنسبة 36% في موازنة السنة الجديدة مقابل 3.4% في السنة الحالية، في طفرة واضحة لهذا البند لم تحدث منذ سنوات، كما يوضح الرسم البياني التالي الذي يوضح تطور معدل النمو في بنود «الاستخدامات» في موازنة السنة المقبلة مقابل عدة سنوات مالية سابقة. وساهمت الديون الخارجية بنسبة ملحوظة من هذه الزيادة حيث يرتفع بند سداد أقساط الديون الأجنبية بنحو58.7% في موازنة السنة المالية الجديدة مقارنة بالجارية.

المصدر: البيان التحليلي للموازنة العامة وحسابات «مدى مصر».

كان البيان التمهيدي للموازنة العامة، الصادر في إبريل الماضي، قد أظهر تراجعًا واضحًا في نسبة نمو الإنفاق على فوائد القروض لتصل إلى 5.14% في موازنة السنة الجديدة مقابل 23.7% في السنة الحالية، إلا أن صدور وثيقة الموازنة في الشهر الجاري أظهر أن القفزة التي شهدها الإنفاق على «أقساط القروض» طغت على هذا التحسن.

ويشمل التصنيف الاقتصادي للموازنة العامة ستة بنود للمصروفات هي الفوائد والأجور والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية وشراء السلع والخدمات، والاستثمارات وتُسمّى «حيازة الأصول غير المالية»، و«المصروفات الأخرى» التي تشمل في الأساس اعتمادات وزارة الدفاع بالإضافة إلى الإنفاق المخصص لمواجهة التعويضات والغرامات.

 

ولا تشمل المصروفات بند سداد القروض الذي يظهر تحت تصنيف أوسع للنفقات الحكومية يسمى «الاستخدامات». ويُظهر الشكل التالي الوزن النسبي للإنفاق على الاستخدامات المختلفة في الموازنة العامة، ويتضح منه الفارق الكبير بين نسبة المخصصات الموجهة للفوائد وسداد القروض مقابل الإنفاق الموجه لكل البنود الأخرى.

المصدر: البيان التحليلي لموازنة عام 2019/2020 وحسابات «مدى مصر».

 

أين يصب تسديد الديون؟

يمثل بندا سداد القروض والفوائد مجتمعين النسبة الأكبر من بنود الاستخدامات في الموازنة العامة كما يبدو من الشكل السابق. ويشمل سداد القروض -وفقًا لتعريف للموازنة العامة- تسديد أقساط القروض المحلية والخارجية وفقًا لمواعيد الاستحقاق المحددة لها. و«تقدر هذه الأقساط (وحدها دون الفوائد) بمشروع الموازنة العامة للسنة المالية 2019/2020 بنحو 375 مليار جنيه مقابل 276 مليار بموازنة السنة المالية الحالية» تبعًا للبيان التحليلي للموازنة.

وتمثل أقساط القروض المحلية المستحقة 86.4% من الإنفاق على سداد القروض في الموازنة مقابل 13.6% فقط لأقساط القروض الخارجية. ومع ذلك، فقد شهدت أقساط الديون الأجنبية ارتفاعًا كبيرًا في الموازنة الجديدة، إذ بلغ نمو أقساط الديون الأجنبية 58.7% تقريبًا، مقابل 33.1% زيادة في أقساط الديون المحلية المستحقة في الموازنة.

وتوسعت مصر في الاستدانة من الخارج خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة زادت على 130%، ووصل الدين الخارجي إلى 96.6 مليار دولار نهاية 2018، بحسب أحدث البيانات التي أعلنها البنك المركزي.

ويظهر الشكل التالي معدل تطور الإنفاق على سداد القروض الأجنبية مقابل القروض المحلية خلال عدة سنوات، ويتضح من الشكل تغيّر معدلات نمو الأقساط المحلية على نحو «معتدل» نسبيًا خلال الفترة، وتذبذب كبير عمومًا في معدل تطور الإنفاق على سداد القروض الأجنبية. فيما تشهد السنة المالية الجديدة صعودًا كبيرًا في معدل نمو الإنفاق على كل منهما، مع فجوة واضحة بين معدل نمو أقساط الديون الخارجية والمحلية.  

 

معدل تطور الإنفاق على سداد القروض الأجنبية والمحلية

هذا الارتفاع الكبير في المديونيات الأجنبية المستحقة خلال السنة 2019/2020 يبدو أكثر وضوحًا فيما يتعلق ببند «الفوائد» كذلك. فرغم أن الفوائد المحلية المستحقة في السنة المالية الجديدة تمثل 92.1% من إجمالي الإنفاق على الفوائد في الموازنة مقابل 7.9% فقط فوائد خارجية، إلا أن معدل نمو الفوائد المستحقة للخارج تجاوز 42% في السنة الجديدة -قياسًا لموازنة السنة المالية الحالية- مقابل تراجع كبير في نمو الفوائد المحلية الذي لم يتخط 3%، كما يوضح الشكل التالي، الذي يظهر أيضًا تذبذبًا في معدل نمو الإنفاق على الفوائد الأجنبية خلال السنوات الماضية يرتبط في جزء من أسبابه بتغيّر سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

– المصدر: البيان التحليلي للموازنة العامة وحسابات «مدى مصر».

أين تستثمر الدولة أموالنا؟

تمثل الاستثمارات (حيازة الأصول غير المالية) البند الذي شهد أعلى معدل نمو في مخصصاته، تعدى 42%. واستخدمت الحكومة التوسع في الإنفاق على الاستثمار بالذات على الصحة والتعليم للدعاية لسياساتها الاقتصادية كما حدث في مؤتمر وزارة المالية للإعلان عن نتائج نصف السنة المالية -الحالية- في فبراير الماضي.  

لكن توزيع الإنفاق الاستثماري للدولة على البنود المختلفة يوضح الوزن النسبي الضعيف للإنفاق على الصحة والتعليم قياسًا إلى إجمالي الإنفاق الاستثماري المُعلن في الموازنة، والذي لا يشمل الإنفاق الاستثماري على قطاع الدفاع بسبب السرية التي تفرضها الموازنة العامة على مخصصات القوات المسلحة، التي تبلغ إجمالًا نحو 66 مليار جنيه، دون توضيح لكيفية إنفاق تلك المخصصات على بنود المصروفات المختلفة وحجم مخصصات الاستثمار فيها، إذ تحجب الموازنة العامة البيانات التفصيلية لإنفاق عدد من الجهات على رأسها وزارة الدفاع  فيما يُعرف بموازنات «الرقم الواحد».

ويقسم اﻹﻨﻔﺎق اﻟﻌﺎم في الموازنة وﻓﻘًﺎ للوظائف اﻟﺘﻲ تقوم ﺒﻬﺎ الحكومة مثل توفير اﻟرﻋﺎية الصحية والتعليمية أواﻟدﻓﺎع والأمن واﻟﻌداﻟﺔ على سبيل المثال، فيما يُسمّى بالتصنيف الوظيفى للموازنة. وبلغ الإنفاق الاستثماري على الصحة 6.4% من إجمالي نفقات الاستثمارات في الموازنة العامة، فيما بلغ الإنفاق على الاستثمار في التعليم 10.3%.

المصدر: البيان التحليلي للموازنة العامة

 

وكان وزير التعليم طارق شوقي قد طالب في مجلس النواب –قبل أيام– برفع مخصصات وزارة التعليم في الموازنة الجديدة، قائلًا إن ما تضمنته الموازنة يقلّ بقيمة 39 مليار عما هو مطلوب من قِبل وزارته، كما طالبت وزيرة الصحة هالة زايد هي الأخرى في مجلس النواب برفع مخصصات وزارتها بقيمة 33 مليار جنيه.

ويشهد الاستثمار في الصحة والتعليم- مجتمعين- كنسبة من إجمالي الاستثمارات في الموازنات العامة معدلات منخفضة لم تشهد عمومًا تغيّرات كبيرة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وعادت تلك النسبة للانخفاض بدءًا من موازنة السنة المالية الحالية، ثم موازنة السنة المقبلة التي ستبلغ فيها 16.9% بعدما كانت قد شهدت بعض الارتفاع البسيط في السنة المالية الماضية ووصلت إلى 18% إجمالي الاستثمارات.

اعلان
 
 
بيسان كساب