رثاءٌ على حائِط هاني شكر الله
 
 
هاني شكر الله
 

استمرت الكتابة عن الصحفي والكاتب السياسي اليساري هاني شكر الله طوال الأيام الماضية دون انقطاع عقب وفاته الأحد الماضي عن عُمر يناهز 69 عامًا. التقط كل كاتب طرفًا للخيط، أو أحد أوجه حياة الراحل، ثم كَتَبَ تدوينة على «حائِط» حساب الراحل على فيسبوك. هُنا يكتب لـ «مدى مصر» أربعة من أجيال مختلفة عاصروا شكر الله في رحلة حياته الغنية؛ نورهان توفيق، وهاني مصطفى، ودينا عزت، وحسام عبد الله.

بدأت رحلة شكر الله منذ سبعينيات القرن الماضي حينما كان طالبًا معارضًا لسياسات الرئيس الراحل أنور السادات، ومرّت بمحطات بارزة في السياسة والصحافة، وذلك داخل مؤسسة «الأهرام» الصحفية المملوكة للدولة، وحتى مشاركته في تجارب صحفية خاصة، مرورًا برهانه على الصحافة التي تكسر مركزية القاهرة عبر مساهماته سواء في «ولاد البلد» أو تشجيع الكتابة المنحازة والتفكير خارج السرب كما تجلّى في تأسيسه وقيادته لموقع «بالأحمر»، الذي حُجب في يوليو 2017 ضمن حملة طالت مئات المواقع في مصر.

تولى شكر الله عدد من المناصب الصحفية الهامة، من بينها تأسيس موقع «الأهرام أونلاين» باللغة الإنجليزية سنة 2010، ورئاسة تحريره لمدة سنتين، قبل أن يُجبر على الاستقالة أثناء حكم جماعة «الإخوان المسلمين» كما ذكر لاحقًا. قبلها، تولى منصب مدير التحرير لصحيفة «الأهرام ويكلي» الصادرة باللغة الإنجليزية ثم رئيس تحريرها التنفيذي، وذلك في الفترة الممتدة من 1991 وحتى 2005.

بخلاف عمله في مؤسسة «الأهرام» المملوكة للدولة، ساهم شكر الله في تأسيس صحيفة «الشروق» اليومية ورسم سياستها التحريرية في 2008، والتحق بمجلس التحرير الخاص بها حتى عام 2009.

كما ساهم كذلك كاستشاري للمحتوى التحريري لمشروع «ولاد البلد» المختص بالصحافة المحلية، والتدريب الصحفي لمراسلين خارج العاصمة، والذي أصدر عدة صحف محلية في المحافظات المصرية. كما شارك في تأسيس وإدارة موقع «بالأحمر» اليساري منذ عام 2017، قبل حجبه.

نُشرت مقالات شكر الله في عدد من الصحف والإصدارات، من بينها «الأهرام ويكلي» وإصدارات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومجلة «وجهات نظر»، و«الشروق» و«الحياة اللندنية»، و«الجارديان»، و«فورين بوليسي»، ومجلة «الدراسات الفلسطينية». ونشرت دار نشر الجامعة الأمريكية في سنة 2011، كتابه «مصر والعرب والعالم: تأملات في بداية القرن الحادي والعشرين».

كما تولى شكر الله منصب المدير التنفيذي لمؤسسة هيكل للصحافة العربية، كما كان استشاريًا لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. علاوة على ذلك فقد كان مُحاضرًا زائرًا في جامعتي كاليفورنيا وبيركلي في ربيع 2006.

لم تتوقف مساهمات شكر الله على العمل الصحفي فقط، بل كان أحد مؤسسي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان سنة 1985، أولى المنظمات الحقوقية في مصر. كما كان عضوًا بمجلس أمناء الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وعضو بمجلس مركز البحوث العربية والإفريقية في القاهرة.

نورهان توفيق:

سأفتقدك يا أستاذ!

كان هاني صديقي. الصديق الذي صنعته خلال فترة عملي كصحفية فنون مُرتبكة في «الأهرام أونلاين». في عام 2015، شُجعتُ على الدخول إلى مكتبه لمقابلته بخصوص نعي أكتبه للمخرجة المصرية اللبنانية المخضرمة نبيهة لطفي. لم تكن لدي أدنى فكرة وقتها أن صداقة حميمة ستنمو سريعًا بيننا، صداقة قائمة على ثالوث فلسطين والأدب والصحافة.

ماذا يمكن قوله عن رجل كان يشجعني في كل مرة أكتب مقالًا جديدًا؟

كرمه في توجيهي تجاوز فترة عملنا في «الأهرام». فعندما أسس منصته الثاقبة، «بالأحمر»، رحّب بي بذراعين مفتوحتين ومنحني المساحة للتفكير والكتابة. عندما كنت أصارع إحساسي بالإحباط والتخبط المهني، كان يضع استراتيجيات للحلول ويفتح مسارات جديدة للفُرص.

قَلَبَ هاني المفهوم التقليدي للتوجيه. كان لا يتزحزح عن تواضعه، يولي الأولوية لأن نكون نحن، تلاميذه المحظوظون، سعداء دائمًا. كان دائم الاطمئنان عليَّ، ناصحًا ومساعدًا كي أستعيد إحساسي بالهدف، مرارًا وتكرارًا. غير أنه امتلك أيضًا حس دعابة عظيم. مازلتُ أذكر محاولتي اليائسة للظهور بما وصفه هاني بمظهر «أفرو غير مقنع نوعًا ما». المظهر الذي تفاخرت به أكثر بأن نشرت صورة لنفسي على الإنترنت، فرد هاني عليها بأن نشر صورة لأنجيلا ديفيس بمظهرها الأفرو الجميل، ثم كتب تحتها أنها صورة لإفطارهما الرائع معًا في كوبا سنة 1969.

لا شك أنني سأفتقد ذكاء هاني وبلاغته وانحيازه الدائم تجاه البشر، وكذلك شخصيته الأكبر من الحياة. لكنه سيظل هاني، صديقي الأعز، الذي سيترك بغيابه الفراغ الأكبر. أحب أن أعتقد أن أسلوبه في الحياة قد وفّر علينا بعض التعب. فقد كان خبيرًا في الحياة، وحارب بلا هوادة من أجل أن يعيش، بطريقة لا يمكن معها إلا أن نحاول فعل الشيء نفسه. سأفتقدك يا أستاذ!

شكرًا لك أنك راهنت عليّ.

*صحفية ثقافية حُرّة.

هاني مصطفى:

 زيارة ليوسف شاهين في التسعينيات

هانى شكر الله كان، وسيظل بالنسبة لي، شخصية محورية أتطلع إليها منذ أن أنهيتُ دراستي بقسم الصحافة بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، ثم التحقت، عام 1991، بالعمل في جريدة «الأهرام ويكلي» التي تصدر أسبوعيًا من مؤسسة الأهرام الصحفية العريقة. كنتُ وقتها أتلمس عالم الصحافة الغامض والضخم في جريدة الأهرام المليئة بكبار الكُتّاب أمثال محمد سيد أحمد، ولطفى الخولي، وفيليب جلّاب، وسلامة أحمد سلامة. علمتُ من رئيس التحرير المؤسس لجريدة «الويكلي» حسني جندي أن هناك صحفي من خارج الأهرام -وقتها- يكتب في عدد من الصحف العالمية سوف يكتب بابًا ثابتًا في صفحة الرأي بعنوان «الصحافة هذا الأسبوع». الدقة في ميعاد التسليم واللغة الإنجليزية الرفيعة التي كان يتمتع بها شكر الله وثقافته الواسعة جعلت جندي يكلفه بمهمة رئاسة ديسك الأهرام ويكلي بعد أشهر قليلة من بداية عمله في الـ «ويكلي». وقبل أن ينتهي عام 1992 كان شكر الله قد أصبح مديرًا للتحرير.

كثيرًا ما كنّا نتبادل الحديث حول الوضع السياسي الدولي والإقليمي والمصري، المبهر في شخصية شكر الله أنه كان يستمع إلى أي زميل ويناقشه دون أن يقلّل من رأي هذا الشخص. لكن  -ولاشك- كانت لديه خفة ظل، وابتسامة دائمة لا تختفي على الرغم من الكثير من الأحداث الجسام التي مرت على مصر والعالم العربي في تلك الفترة التي عمل فيها مديرًا للتحرير، أو رئيسًا للتحرير بعد وفاة جندي عام 2003، وحتى 2005 (منها سنوات الإرهاب في التسعينيات في مصر واتفاقيات السلام على المستوى العربي مثل اتفاقية أوسلو).
ثقافة شكر الله الواسعة جعلته بالنسبة لي مثلًا أعلى خاصة عندما تشعر أن السياسة لم تكن نقطة تمكنه الوحيدة، بل هو أيضًا على درجة كبيرة من المعرفة الفنية والأدبية والموسيقية والسينمائية (الأخيرة كانت تخصصي في الكتابة منذ منتصف التسعينيات تقريبًا).

جمعتني وشكر الله زيارة إلى المخرج الكبير يوسف شاهين في منتصف التسعينيات وقت أن كسب معركة قضائية ضد مَن أقاموا ضده دعوى حِسبة بسبب فيلمه «المهاجر»، المستوحى من قصة النبي يوسف. استمتعتُ بالحوار المتبادل بين اثنين من كبار مثقفي مصر وقتها، وكانت مساهمتي فيه هي سؤال واحد، على الرغم من تحضيري المسبق. لكن شكر الله أصرّ على أن يضع اسمي معه على الحوار.

استطاع شكر الله طيلة فترات عمله الصحفي الحفاظ على المهنية على الرغم من انتمائه الفكري والوجداني إلى الماركسية. هذه المهنية النادرة في هذا الزمن هي التي جعلته محل ثقة من قيادة الأهرام سواء على مستوى الصحيفة ورئيسها جندي، أو حتى على مستوى رئيس مجلس الإدارة إبراهيم نافع المنتمي تمامًا إلى بنية نظام مبارك السياسي.

 

*صحفي وناقد سينمائي في «الأهرام ويكلي».

دينا عزت:

3 تجارب صحفية

 

يرتبط اسم هاني شكر الله بكثير من التجارب المتميزة التي عرفتها الصحافة المصرية في ربع القرن الماضي  -الصادرة منها ورقيًا وإلكترونيًا والصادر منها بالعربية والإنجليزية.

وباستثناء ما قدمه في العامين الماضيين، بحماس واجه به كآبة انكسار حلّ بثورة يناير، في التجربة الصحفية الإلكترونية اليسارية والمحجوبة «بالأحمر»، وما سبق ذلك بأعوام قليلة في سياق التجربة المختلفة للتأسيس لصحافة إقليمية جادة في تجربة «أولاد البلد»، فلقد عملتُ مع هاني -الذي لم يكن يحب لأحد أبدًا أن يصفه بأنه رئيسه- في ثلاث تجارب صحفية متوالية منذ بداية التسعينات: «الأهرام ويكلي» -الأسبوعية الإنجليزية- و«الأهرام اونلاين» -البوابة الالكترونية الإنجليزية الصادرة أيضًا عن الأهرام، و«الشروق» اليومية الورقية الصادرة بعربية مصرية رصينة.

وفي كل هذه المحطات كان موقع هاني علي السلم الهيكلي للعمل متخطيًا لي بأكثر من درجة، ولكن في كل هذه المحطات كانت علاقتي به في العمل مباشرة للغاية، تمامًا كما أظن أن الحال كان مع معظم من تتلمذ على يد هاني منذ بداية تجربة «الأهرام ويكلي»، سواء من هم اليوم في منتصف العمر مثلي، أو من هم أصغر سنًا.

 هاني عنوان دائم للتأسيس للقصة الصحفية، لأنه دومًا كان مشغولًا بصياغة محكمة للزاوية التي تطرحها القصة الصحفية. فلم يرد أبدًا مجرد جمل متراصة من تصريحات يُدلي بها مجموعة من المصادر أيًا كانت أهميتها، بل كان يريد طرحًا لنقاش من منظور واضح، وفي صياغات منضبطة.

هاني كان حساسًا تجاه التوحد مع المصدر، لأنه وإن كان يقدر قيمة التراكمية في بناء العلاقات مع المصادر، خاصة الرسمي منهم في بلد لم تكن إتاحة المعلومات والشفافية -أبدًا- التزامًا، فهو في الوقت ذاته يبغض تحوّل الصحفي لـ «ناقل لما قاله المصدر وما أضافه». كما أنه بالضرورة رافض لما «أكد عليه» المصدر خاصة لو تصدرت هذه العبارة أول القصة الصحفية.

هاني كان أيضًا الداعم للانتقال مما أعرفه، وأركن إليه إلى ما لا أعرفه؛ والأخير كان دومًا أكثر من الأول، ففي كل مرة كان ينظر لخشيتي مما «لا أعرفه» على أنها لحظة رهاب ستمرّ مع الإقدام.

أدين لكل أساتذتي بالكثير من أسباب ما أستطيع القيام به اليوم من عمل صحفي يُصادف التقدير. لكن أنا مُدِينةٌ لهاني -تحديدًا- بالولع المستمر بالصحافة التي منحها أكثر مما منحته، وترك لها بكرم لم تغدق هي عليه بمثله.

* صحفية بـ «الأهرام ويكلي».

حسام عبد الله:

من السبعينيات 

لا أعلم إذا كانت هناك كلمات تصف إحساسي أو التاريخ الذي جمع بيننا. فلقد تغيبتُ عن مصر لأكثر من أربعين عامًا، ولكن لم تغب مصر عني يومًا، ومصر هي بالأساس كل الأحباء والأصدقاء والأهل  والتاريخ المشترك والقعدة الحلوة والنقاشات الحامية وغير الحامية. كنّا يساريين وماركسيين ومتحمسين للوطن ونريد تغييره للأفضل دائمًا، وحادينا هو العدل الاجتماعي والحرية للإنسان والوطن.

عرفت هاني في السبعينيات من القرن الماضي في عنفوان الحركة الطلابية، وفي محاولة إعادة بناء الأحزاب اليسارية التي حلّت نفسها في الستينيات. وكان كل منّا في تنظيم مختلف. كانوا [باقي التنظيمات اليسارية] يعتبروننا «يمينيين»، وإحنا بدورنا كنا بنقول عليهم «أسياخ» [جمع سيخ تعبيرًا عن الحِدة] من شدة اليسارية. اختلفنا كثيرًا واتفقنا أكثر بالذات بعد ما طال العمر، وكبرنا.

ولاحظت حديثًا أن هاني شكر الله  كتب على صفحته بموقع فيسبوك يوم 22 أبريل 2019: «..يلح عليّ الشعور بأننا بحاجة ملحة لـ Paradigm shift [تغيير جذري في المنظور] فلم يعد ممكنًا أن نظل نخاطب بعضنا البعض ونتشاجر مع بعضنا البعض، ونتنافس على قيادة بعضنا البعض أو على «الزعامة» و«الشعبية» في صفوف دوائرنا المغلقة اجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا وثقافيًا…». كَتَبَ ذلك بخصوص الاستفتاء الأخير [الخاص بالتعديلات الدستورية]، كأنه يُعلق على تاريخ الحركة اليسارية وكل ما عاصرناه.

ذكّرني هذا بموقف حدث بيننا في أكتوبر 1973. بعد قيام الحرب  بعدة أيام، توجه الكثير منّا إلى المدينة الجامعية للنقاش والاتفاق على الموقف الذي تعلنه الحركة الطلابية من الحرب. وكان كل منّا مُحملًا بمواقف حزبية تمهيدًا لإصدار بيان. وكان رأي مجموعتنا، أذكر منهم المرحومين الدكتور هشام السلاموني والأستاذ أحمد سيف الإسلام، أن نؤيد قرار السادات بالحرب ونطالبه باستمرار القتال لتحرير كل سيناء، فنحن نريدها حرب تحرير لا حرب تحريك (عندما تقرأ مذكرات [رئيس الأركان الأسبق سعد الدين] الشاذلي – تكتشف أن السادات كما لو كان سَمَعَ كلامنا، ووجه الجيش في اتجاه الممرات مما تسبب في كارثة الثغرة).

المهم أن هاني ومجموعته كان رأيهم أن «دي حرب تحريك بالاتفاق مع الإمبريالية الأمريكية، وعلينا أن نفضح هذا الأمر». وكان معنّا أحمد بهاء شعبان في تنظيم ثالث، وكان رأيه «إن إحنا ما نقولش أي حاجة». المهم طُرحت الآراء المختلفة للتصويت وأخذنا الأغلبية، واتُهمت هذه الأغلبية وقتها بأنها غير واعية، في مقابل «الأقلية الواعية». الغريب أننا كلنا كنا محموقين جدًا، كأننا انتصرنا أو انهزمنا في الحرب الحقيقية.

وتعمّقت علاقتي بهاني وبكل أسرته الرائعة في لندن، وهي أسرة مبتسمة دائمًا. فلا يمكن أن ترى هاني أو أخاه علاء أو أخته هالة في الحقيقة أو في صورة إلا والضحكة على وجوههم. كل هذا أساسًا بسبب أبوهم الشاعر إبراهيم شكر الله ووالدته چانت؛ چونة. كان بيتهم في لندن مأوى كثير من الأصدقاء، و صالون فكري و ثقافي، بالإضافة إلى الأكل الجميل. وعلى مرّ السنين أصبح أيضًا بيتنا في لندن بيتهم وقتما عادوا لزيارة المدينة، والأمر ذاته في القاهرة. وتدور الأيام، ويلتقي في خضم الثورة في ميدان التحرير أحفاد إبراهيم شكر الله مع أبنائي خالد وحنان وتنشأ علاقة صداقة قوية بين البعض منهم.

استضاف منزلنا في لندن هاني العديد من المرات. وكنّا دائمي النقاش والحوار فيما سيحدث وكيف، ولماذا؟

وعبر السنين ودروس الزمان، ذابت الخلافات، وأصبح كلانا أقرب إلى الديمقراطية الاجتماعية من الاشتراكية بمعناها الشمولي، وبقناعة رئيسية إنه لا يمكن تحقيق العدالة دون الحرية، فهي شرطها الرئيسي والضامن الوحيد لاستمرارها.

* طبيب متخصص في الخصوبة.

اعلان