الصحفيون تحت خط القمع.. راقب نفسك وحافظ على «أكل عيشك»
 
 
صورة: Mostafa Mohie
 

«مع الوقت تبدأ تستسلم، وتُقرر عدم الاشتباك، وتاخد جنب»، يقول أحمد (اسم مستعار)، الصحفي بأحد المواقع الإلكترونية الكبيرة. ولهذا تحول الذهاب للعمل إلى فعل آلي، «كأنني أعمل محاسب مثلًا»، على حد وصفه. يعمل أحمد في الموقع منذ عام 2015. «في الأول كنت مستعدًا للعمل دون مقابل مادي، وذلك لكوني مقتنعًا بما أقدمه، لكن حاليًا هذا ليس موجودًا»، يقول أحمد. لكنه مُضطر للعمل.

خلال السنوات القليلة الماضية، شهد العمل الصحفي في مصر تدهورًا كبيرًا لم يشهده منذ عقود. بحسب مؤشر حرية الصحافة التي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، احتلت مصر المرتبة 163 في العام 2018 متراجعة مركزين عن العام السابق، متفوقة فقط على 17 دولة أخرى من بينها الصومال وكوريا الشمالية. كما صنفت لجنة حماية الصحفيين في ديسمبر الماضي مصر كواحدة من بين أكبر أربعة دولة تسجن الصحفيين في العالم، وذلك بحبس 25 صحفيًا بما يتجاوز الرقم القياسي في العام السابق، والذي بلغ 20 صحفيًا.

كما تمكنت الدولة من الاستحواذ على ملكية أغلب مؤسسات الإعلام، بعدما كانت مملوكة لعدد من رجال الأعمال المقربين من النظام. اشترت شركة «إيجل كابيتال»، المملوكة لجهاز المخابرات العامة، حصة حاكمة من مجموعة «إعلام المصريين»، والتي كانت مملوكة لرجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، وتملك عدة قنوات وصحف مثل قناة «أون تي في»، وصحيفة اليوم السابع. وأُعيدت هيكلة جميع القنوات الفضائية لتُصبح تحت إدارة واحدة، وذلك بعدما استحوذت «إيجل كابيتال» على عدة وسائل إعلامية أخرى منها سي بي سي.

قُننت القيود على العمل الصحفي مع صدور قوانين «تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، ولائحة جزاءات «الأعلى للإعلام»، وقانون الجرائم اﻹلكترونية.

استسلمت الصحف والقنوات الفضائية إلى توجه الدولة توافقًا معها أو خوفًا من بطشها، وانتهت أي مساحة للعمل الصحفي الحر في مختلف المؤسسات الصحفية. تسبب هذا في تحطم أحلام عدد من شباب الصحفيين العاملين في هذه المؤسسات في إنتاج محتوى صحفي حقيقي ينحاز للحقيقة حسبما يرونها. وتسببت الرقابة التي تفرضها السلطات المصرية للتحكم في تغطية (أو عدم تغطية) ملفات أو مواضيع بعينها في تطور نمط آخر من الرقابة، الذاتية، التي يفرضها الصحفيون ومؤسساتهم على عملهم دون حاجة لرقابة مركزية في معظم اﻷحيان.

قابل «مدى مصر» بعض هؤلاء الصحفيين، حيث تحدثوا عن تجربتهم في العمل في هذه المؤسسات، والصراع المستمر بين تطلعاتهم وبين معطيات اﻷمر الواقع المرير.

تأتي الرقابة المركزية، بحسب محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين ومدير تحرير جريدة الشروق، في صورة تعليمات ترسلها جهة حكومية لم يسمها بعدم تناول مواضيع وملفات بعينها مثل التعديلات الدستورية، الفتنة الطائفية، احتجاجات السودان والجزائر لفترة من الزمن. بعدها تقوم السلطات بمراجعة محتوى الصحف في المطبعة للتأكد من التزامها بالتعليمات ثم إعادته للجريدة لطلب حذف موضوع ما في حالة المخالفة.

يوضح عبد الحفيظ أنه في حالة حذف موضوع وإعادته للجريدة تحدث مشكلة سواء في تأخير توزيع الجريدة، أو حتى على مستوى الموقع الإلكتروني يكون الأمر محرج لنشر موضوع ثم حذفه بعد ذلك، فتذهب التوجيهات لرؤساء الأقسام بعدم تناول ملفات محددة، بدلًا من الاشتباك الذي لا جدوى له، وبالتالي تُمنع أفكار الصحفيين تلقائيًا من رؤسائهم المرتبطة بالملفات الممنوع تناولها سلفًا. بحسب رأيه، أدى هذا إلى تطور شكل من أشكال الرقابة الذاتية عند الصحفيين.

«انخفاض حرية الصحافة كانعكاس لانخفاض مستوى الحريات السياسي»، يقول أحمد، وهو ما أثر على مستوى عمله. يركز أحمد في عمله على الحكايات الإنسانية، لكن طبيعة هذه الحكايات تغيرت خلال السنوات الماضية. «قبل ذلك كنت أستطيع إضافة بُعد سياسي بها أما الآن فيصعب ذلك، أي قصة إنسانية لها بُعد سياسي أو اقتصادي لا أستطيع تناولها، مما جعلني مُحاصرًا في مساحات محددة حتى شعرت إني مزنوق في سياق معين لا يعبر عن الواقع بالضرورة».

يتابع أحمد: «أنا كنت طول الوقت بحاول أعرض أفكار مختلفة لكن دي مش رؤية الموقع اللي أنا شغال فيه، هما شايفين إننا نشتغل الحاجات اللايت المنوعات، التي لا تشتبك مع الوضع السياسي العام، مع الوقت بتلاقي المساحات بتضيق قدامك فبتُحبط».

يتفق حازم (اسم مستعار) مع أحمد في رأيه. حتى أربعة أشهر مضت، عمل حازم بأحد الصحف الخاصة الكبرى، التي التحق بها متدربًا في بداية عام 2013. في النصف الثاني من العام الوحيد لحكم الرئيس السابق محمد مرسي، كان هناك طريقة أكثر مهنية لتناول الموضوعات، كما يقول حازم، مفسرًا ذلك «بنوعية الفئة الغالبة من الصحفيين [في الجريدة] كان هناك رغبة ألا نكون مثل [صحيفة] اليوم السابع مثلًا، وإذا انتقدنا الإخوان يبقى بمهنية، ومبني على معلومات حقيقية، بدأ ذلك يقل تدريجيًا»، يقول حازم. لكن خلال السنوات اﻷخيرة، «أصبح ممنوعًا عليّ الاقتراب من بعض المواضيع مثل الحبس الاحتياطي، وأوضاع المعتقلين».

أصعب مشكلة بالنسبة لحازم وأحمد هي عدم وجود معايير محددة لرفض نشر القصص الصحفية. خلال العام الماضي، تعرضت صحيفة حازم لأزمة تسببت في حجب موقعها اﻹلكتروني لفترة كبيرة بسبب تغطيتها الانتخابات الرئاسية اﻷخيرة، وانغلق الهامش بعدها.

«كل موضوعاتي كان لها علاقة بصورة أو أخرى بالسياسة، بعد الأزمة أصبح لها علاقة بالمحاصيل الزراعية وأزمة الطماطم، والصرف الصحي، والقرى الأكثر فقرًا، وفوانيس رمضان»، موضوعات «عبيلوا واديلوا» كما يصفها حازم، مضيفًا: «كنت أشعر بالانزعاج منها، ما فائدتها بالنسبة لي؟ هي خارج تخصصي واهتماماتي، لم أكن أكشف بها معلومات جديدة، أو فكرة مبتكرة، فضلًا عن أن تلك الموضوعات كنا نتناولها بصورة نمطية لأجل ملء المساحات، حتى على المستوى الشخصي لا تساهم تلك الموضوعات في رفع اسمي».

«الموضوع أصبح شخصي للغاية، هنا ممكن شخص يحدد ذلك الموضوع يُنشر والآخر يرفض»، يقول أحمد: «مع الوقت أنت من تضع السقف والمعايير لنفسك، هناك صحفيون يحاولون البعد عن المواضيع الشائكة وهناك من يعافر، وهناك من يُصاب بالإحباط، أصبحت من النوع الثالث».

مع الوقت، يبدأ الصحفي في فرض رقابة ذاتية على عمله. «أرفض من نفسي طواعية في بعض الأحيان تقديم أفكار لعلمي بعدم إمكانية تطبيقها»، يقول أحمد.

ولهذا بدأ في الامتناع عن اقتراح أفكاره. «في الاستفتاء الأخير تمنيت كتابة معايشة لمشهد المصطفين أمام الكراتين والمشادات التي حدثت بينهم، لكن لم أستطع طرحها لفهمي من السياق العام أن فكرة مثل تلك لن تُنشر، مفيش أي جريدة أو موقع نشروا حاجة عن الكراتين، فالموضوع مش ماشي بسيستم، مع الوقت يدفعك التيار لعدم الذهاب لنقط محددة».

لا يحتاج أحمد أن يقول له أحد بشكل مباشر إنه يجب البُعد عن تناول مواضيع بعينها؛ بالخبرة عرف كيف يحكم على الوضع: «عندما أجد أخبار المنوعات متصدرة دائمًا الموقع أو الأخبار العاجلة تافهة، أستشف من هنا ما يجب أن أغطيه».

يتفق حازم مع أحمد في كون المنع لا يحدث بصورة مباشرة، لكن يكون في الأغلب عن طريق التصريح بأن تلك الفكرة ستجلب مشكلة، أصبح هناك هاجس دائمًا من رد فعل ما ننشره.

ويضطر عدد كبير من الصحفيين إلى قبول الوضع القائم بسبب انخفاض فرص العمل في السوق الصحفي، خصوصًا في ظل تدهور اﻷحوال الاقتصادية العامة وارتفاع اﻷسعار، وضعف رواتب الصحفيين بشكل عام.

يُشير أحمد إلى أن تضييق المساحات ينتج عنه عدم قدرتك على تنفيذ بعض المشاريع التي كنت تطمح إلى تنفيذها، فضلًا عن أنك أصلًا تواجه صعوبات أخرى مثل ضعف المرتب، مع مشكلة اختلاف معايير تقييم الجمهور للمادة، موضحًا أنه عندما تُركز في أنواع العمل التي تحقق «ترافيك» ، تبدأ تأتي إليك عروض، أو جوائز كبرى لها توجهات سياسية مثل جائزة دبي، ويُصبح عليك طلب أكثر مما يدخلني في صراع داخلي بين تصوراته المثالية عن الصحافة أو الانسياق لما يحقق دخلًا أكبر دون أهمية صحفية حقيقية.

يتفق أحمد وحازم على أن الصحفيين يحاولون إيجاد زوايا غير مباشرة لتناول المواضيع، والتحرك في المساحة الرمادية المتاحة كسبيل للهروب من الرقابة.

يضرب حازم مثلًا: «في تغطية استفتاء التعديلات الدستورية الأخيرة قد لا أستطيع ذكر وقائع توزيع الكراتين، لكن من الممكن تناول الشباب الراقصين أمام اللجان وخلفياتهم الاجتماعية، والسياسية، أما أثناء كتابة الموضوع أراعي أن يكون العنوان لا يوضح بصورة كافية ما في متن التقرير. أظن في أزمة صحيفتي العام الماضي، لو كان العنوان مغايرًا لما حدثت الأزمة. وبالفعل لجأنا في الصحيفة لعناوين لا تتعلق بمتن الموضوع مباشرة في قصص عدة بعد ذلك». بجانب العنوان يلجأ أحمد أثناء الكتابة لاختيار الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى في بعض الجمل التي يخشى أن تحدث أزمة.

لكن مساحات المنع اتسعت بشكل كبير لتشمل مواضيع أو ملفات غير سياسية، بحسب مصدر صحفي تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم نشر اسمه أو اﻹشارة إلى منصبه، صدرت تعليمات مؤخرًا بمنع تناول مواضيع كأزمة ارتفاع أسعار تذاكر كأس الأمم الإفريقية الأخيرة، أو التطرق إلى أسباب عدم ظهور عادل إمام في رمضان.

هذا الاتساع يحد من قدرة الصحفيين على التحايل على المنع، بحسب عبد الحفيظ، خاصًة أن الرقيب حاليًا أصبح يعي طرق التحايل المختلفة.

يقول عبد الحفيظ إن ما يحدث في حالة تناول موضوع سياسي تم التحدث فيه، مثلًا، إلى قيادات ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية البرلمانية، يشار إلى تصريحات قيادات الائتلاف فقط في العنوان وفي أغلب متن الموضوع، ثم فقرة في النهاية لصوت المعارضة، بحسب قوله، فإن هذا الشكل من الرقابة «خيبة» لا حل لها سوى بإزالة تلك الرقابة من الأصل.

يرى عبد الحفيظ أن حالة الرقابة جعلت الصحف المختلفة متشابهة، فضلًا عن إثارة استغراب القارئ لغياب مواضيع تهم الساحة على الجريدة، وفي هذا الصدد اتفقنا في آخر جمعية عمومية لنقابة الصحفيين على عقد مؤتمر عام لمناقشة حصار المحتوى الصحفي، يُشارك في جلساته التحضيرية رؤساء تحرير الصحف المختلفة، ثم بعد ذلك ممثلين للمجلس الأعلى للإعلام، والحكومة، وسيتم طرح فكرة المؤتمر في مجلس النقابة لأخذ موافقته بعد الاتفاق على تشكيل هيئة مكتب المجلس.

لكن، بالنسبة لحازم، لا جدوى من الانتظار. «بدأت أشعر بالملل من المكان، لا أُقدم شيئًا جديدًا، ولا أستفيد … حتى أصبح لا أحد يقرأ لي، شعرت إننا أصبحنا نشبه أي مكان تاني موجود، فقدت الشغف تجاه الصحيفة، وتركتها».

اعلان
 
 
محمد أشرف أبو عميرة