ليفربول وبرشلونة.. ماذا نقول لإله الكرة؟

قبل أي شيء ربما تحتاج إلى تحذير، التالي قد يبدو مبتذلًا نوعًا ما، أحيانًا تصعب التفرقة بين ما هو مبتذل وما ليس كذلك في الكرة. أيضًا الدراما تلعب دورًا كبيرًا هنا بطبيعة الحال. عادة أكره الدراما في اللعبة لأنها غالبًا ما تكون مفتعلة، غالبًا ما تكون محاولة لتكييف الواقع على تصوراتنا العاطفية عنه، ولكن بعد مباراة كتلك لا يمكنك أن تلومني، وقد قررت تحذيرك على أية حال.

الساعة الآن التاسعة و11 دقيقة ولا أملك خيارًا سوى الصراحة. أفضل ما يمكن فعله في مناسبات كتلك هو أن تسكب نفسك على الورق كما يقول التعبير الشهير. الساعة الآن التاسعة و13 دقيقة وهناك غصة بحجم كتالونيا في حلقي، أشعر وكأنني قد تناولت فحمًا على السحور، ولكن ليس هناك ما هو أفضل من الكتابة لأفعله. بالمناسبة، هذه هي العبارة المبتذلة الأولى.

فاز فريقك خسر فريقك

كم العبثية والفراغ الذي يمكن أن تُشعرك به مباراة كرة قدم مبهر فعلًا، يعني لو كنت داعشيًا تؤمن بالحياة البدوية وتعتقد أن الحضارة والتقدم والتكنولوجيا مؤامرة من الغرب على الإسلام، فإن ما قدمه برشلونة مع فالفيردي سيكون دليلًا لا يدحض على ذلك؛ هذا واحد من أكبر وأفضل أندية العالم، ويمتلك مجموعة من أفضل لاعبي العالم، ولكنه وصل للوضعية الحالية عبر انتخابات حرة نزيهة.

الوضعية التي يرأسه فيها رجل مشبوه تم اتهامه بعدة قضايا فساد، وكان مساعدًا لروسيل الذي غادر السجن منذ أيام لنقص الأدلة بعد أن قضى عامين بين جدرانه، وهذا الرجل أتى بمدرب مسكين من بلباو أهم مميزاته أنه لا يقوم بمهام المدرب؛ لا يطلب الصفقات أو يعترض عليها، لا يجرؤ على إغضاب اللاعبين مهما ساء مستواهم، ويثير إعجابه لاعبين مثل جوميش، ويكره مالكوم لأنه أتى بـ 40 مليون يورو فقط، ويحب باولينيو رغم أنه أتى بـ 40 مليون يورو، ويشعر بفراغ قاتل يجعله يدفع بكوتينيو وروبرتو في كل مباراة ليتظاهر بأداء وظيفته عندما يستبدلهما لاحقًا.

الأدهى؛ أن الرجل على رأس هذه المنظومة تم انتخابه مرتين وليس مرة واحدة، وفي الثانية أيدته الأصوات ضد حملة جادة للإطاحة به وتوفير بديل أقرب لمنهج النادي وفلسفته. هذه عبارة أخرى صارت مبتذلة مع بارتوميو؛ «منهج النادي وفلسفته»، ولكن هذا لم يكن كافيًا لعزله، بل وقد لا يكون كافيًا حتى لرحيله بعد انتهاء مدته الحالية. إن كنت تبحث عن مثال صارخ على فشل الديموقراطية غير ترامب فهذا هو. في الواقع؛ أي مجلس رئاسي بدوي كان بإمكانه إنجاز كل ذلك لو تولى إدارة برشلونة، وبتكلفة أقل بكثير على الأرجح، وطبعًا سقف أدنى للتوقعات.

حجر الواقع

كم العبثية والفراغ الذي يمكن أن تُشعرك به مباراة كرة قدم مبهر فعلًا، لأن كل ما سبق يحدث على بعد آلاف الأميال، لا تملك التصرف فيه أو تغييره أو حتى رفاهية الاعتراض الشفهي عليه. لا تملك سوى الاشتباك مع ما ينتجه من نظريات في الدوائر المحيطة، ونظرياتك ونظريات الدوائر المحيطة بكل ما تحويه من لعنات وإشادات هي نظريات مثقوبة يستحيل أن تصمد، لأنها تنسى أصل المشكلة وتتعامل مع وجهها الإعلامي الذي يتصدر المشهد، تتصارع طيلة الموسم حول كون فالفيردي مدرب عبقري أو مجرد أرزقي آخر صنعه اسم الفريق، رغم أن الحقيقة الأهم في مكان آخر؛ هذا رجل مسكين فعلًا، لم يطلب تدريب برشلونة ولم يروج لكونه أحد أتباع كرويف المخلصين أو حتى لكونه مدربًا جيدًا، ما يقدمه هو حدود قدراته العقلية والنفسية والفنية، ووظيفته هي تصدر المشهد ليتلقى نظرياتك ونظريات الدوائر المحيطة بكل ما تحويه من لعنات وإشادات وهكذا، وعندما تنكسر هذه الحلقة سيتم استبداله بآخر  ببساطة.

كل المفروض مقبول. هذه عبارة ثانية مبتذلة تحاول السخرية من عبارة ثالثة مبتذلة، ولكن التجربة تثبت دائمًا أن الخراء يمكن أن يتحول للعكس إذا ساندته قوة جبرية تفرضه على الواقع وقليل من البجاحة. لا يملك الإنسان غريزة أقوى من البقاء، والبقاء يتطلب التأقلم، والتأقلم يجعلك تنسى أن هذه هي المباراة المئة التي يبدأ فيها روبرتو، والمباراة المئة التي يفشل فيها كوتينيو، والمباراة المئة التي يمنع فيها شتيجن أهدافًا محققة، والمباراة المئة التي تحتاج فيها من ميسي لما هو أكثر من مجرد صناعة 3 فرص محققة للتسجيل وإهدار واحدة، وطنين من المراوغات، والمباراة المئة التي يقضيها سواريز في الاعتراض والغطس واستفزاز الخصوم ولعب أقذر كرة قدم ممكنة، والمباراة المئة التي يفعل فيها كل ذلك بلا بديل واحد على الدكة، بل حتى بلا مهاجم إضافي ليجاوره في المنطقة في حال أردت توفير مزيد من الرؤوس والأقدام لتمريرات ميسي وآرتور، لأن البديل الوحيد المتاح هو مهاجم ليس بمهاجم، حتى فالفيردي الذي يحب باولينيو يخجل أن يدخله قائمة المباراة، ناهيك عن إشراكه.

كل ذلك صار بديهيًا ولم يعد يلفت النظر، والبديهي عادة ما يُلغى من المعادلة لأنه بديهي. أذكى منطق يمكنك الاعتماد عليه في تطويع البشر هو المنطق الذي يخاطب نوازع الكسل والاستسلام، الذي يخاطب القصور الذاتي، الذي يخبرك أن كل شيء على ما يرام، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان. أن الجميع أفضل منك حتى لو كانوا فريقًا مثل أياكس يفقد أبرز لاعبيه بانتظام، ويعاني محليًا وقاريًا في السنوات الأخيرة قبل الثورة الحالية. لا أعتقد أن الأمر كان ليتغير كثيرًا حتى لو كنا نملك حجر ثانوس لتغيير الواقع. لقد تأقلمنا بالفعل وتغيير الواقع يتطلب الكثير ونحن مرهقون. حجر يبدل الحقيقة؟ لا شكرًا، على الأرجح كنا سندخنه.

أهداف متوقعة

كم العبثية والفراغ الذي يمكن أن تُشعرك به مباراة كرة قدم مبهر فعلًا. يمكنني أن أخبرك من الآن أن زلزالًا كهذا لن يغير شيئًا، وأن الانطباع الذي سيتملكك بعد مشاهدة الآراء المنقلبة على الرجل في الأيام القادمة هو انطباع خادع، ليست هناك استفاقة من وهم العامين الماضيين، ولا تصحيح على وشك الحدوث. هذا الانقلاب، حتى وإن كان صادقًا، ليس ثورة على الواقع كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل تكريس له.

فكر في الأمر؛ هل اختلف الكثير عن المباراة الماضية؟ طبقًا لـ Total Football Analysis فإن نسبة الأهداف المتوقعة Expected Goals or xG لليفربول في مباراة كامب نو كانت أقل من برشلونة بـ 0.33 هدف فقط، ورغم ذلك خسروا بعشرة أضعاف هذا الفارق تقريبًا، دعك من حقيقة أن هناك هدفين محققين أهدرهما الكتلان بعد وصول النتيجة لـ 3-0 بالفعل، وإذا قارنت ذلك بما حدث في الإياب فستكتشف أن برشلونة كان بحاجة لعدد أقل بكثير من الفرص ليتأهل؛ كونه يكفيه هدف واحد فقط في الأنفيلد لإحباط كلوب وفريقه. هناك انفراد لسواريز وآخر لألبا ومثله لروبرتو ورابع لميسي، برشلونة لم يصنع هذا الكم من فرص التسجيل المحققة في الذهاب أصلًا، وما فعله ليفربول فعلًا هو أنه سجل من فرص شبيهة جدًا لما أهدره في الذهاب؛ تذكر كرة ماني التي علت العارضة بسوء تقدير مبالغ فيه، والعرضية الخطيرة التي أعادتها رأسه من حيث أتت بلا سبب مفهوم، وكرة ميلنر التي سجل فينالدوم مثيلتها بالضبط.

بقليل من التجرد ستدرك أن الانقلاب على فالفيردي ليس تخليًا عن منطق النتائج المزيفة بل هو في حقيقته تمسكًا بائسًا به. أخطاء التشكيل لم تتغير، التبديلات لم تتغير، شتيجن اكتفى بنفس الإنقاذين الإعجازيين، الأداء لم يتغير أبدًا بما يتوافق مع تغير النتيجة لهذه الدرجة.

أتعلم ما الذي تغير؟ أن سواريز لم يسجل من ربع فرصة بعد عرضية سريعة صعبة في ظل زيادة عددية كاسحة لمدافعي ليفربول، أن ميسي اكتفى بمباراة جيدة ساهم فيها في كل فرص برشلونة المحققة وغير المحققة، أنه لم يسجل ركلة حرة من أبعد مسافة في تاريخه، أنه لم يلوي قدمه بشكل خزعبلي ليرسل بينية روبرتو التي أتى منها الهدف الثاني قبل تدخل فابينيو. قبل مباراة الذهاب سألني أحدهم عما يحتاجه برشلونة ليفوز بدوري الأبطال، والإجابة كانت أن برشلونة يحتاج أن يسجل ميسي هدفين في كل مباراة ذهابًا وإيابًا وحتى لو كان فريقه متقدمًا بأفضلية مريحة، ولا بد أن يكون أحدهما بمجهود فردي خالص. هذه قد تكون أتعس نظرية في تاريخ برشلونة.

فاز فريقك خسر فريقك

كم النشوة والسعادة التي قد تشعرك بها مباراة كرة قدم مبهر فعلًا، يعني لو كنت مثاليًا حالمًا تؤمن بالقيم المنقرضة في اللعبة وتعاني من سخرية الجميع طيلة الوقت فإن ما قدمه ليفربول مع كلوب عبر أربعة مواسم تقريبًا سيكون مسوغًا عظيمًا لكل ذلك؛ هذا كان أحد أكثر الأندية معاناة في العالم، وكان يمتلك مجموعة من أسوأ اللاعبين بين كبار إنجلترا، ولكنه وصل للوضعية الحالية عبر ملاك اشتروا النادي.

الوضعية التي يرأسه فيها مستثمر ذكي، لا يعلم الكثير عن كرة القدم، ولكنه يعلم ما يكفي ليدرك أنه لا يعلم، وهذا الرجل أتى بمدرب رائع أهم مميزاته أنه يقوم بكل مهام المدرب؛ يدير سوق الانتقالات ويتحكم في كل ما يخص الفريق، يرى في روبرتسون وأرنولد وصلاح وهندرسون ما لا يراه غيره، يمتلك موهبة استثنائية في الاستفادة من المنبوذين ويستطيع إخراج أفضل ما في أفضل لاعبيه، يخطىء ويتحامق ويطلق تصريحات هزلية في كثير من الأحيان، ولا يستطيع التقاط أنفاسه لأنه صار مطالبًا بلقب يبقى القيم المنقرضة على قيد الحياة، يعلم أنه ليس داهية تكتيكية ويتعايش مع هذه الحقيقة ليستطيع أن يثبت أنه عظيم في كل ما عداها.

الأدهى؛ أن الرجل على رأس هذه المنظومة لم يتم انتخابه، لم يأت عبر اقتراع لأعضاء النادي، ولكنه مثّلهم كأفضل ما يمكن في السنوات الأخيرة؛ الكثير من التعثر والكثير من الإخفاقات في الأمتار الأخيرة، ولكن منذ أتى كلوب كان هناك إحساس عام بأن النادي ذاهب في اتجاه ما، وأن هذا الاتجاه صحيح رغم خسارة البطولات واحدة تلو الأخرى. هذا الرجل عين مديرين تنفيذيين مثل مايك جوردون وبيتر مور حولوا النادي لقوة اقتصادية تستطيع جلب لاعبين مثل فان دايك وأليسون بأرقام ضخمة، ببساطة لأنها تستطيع بيع لاعبين مثل إينجز وسولانكي وبنتيكي بأرقام ضخمة، وعلى الرغم من أن ثروته لا تبلغ حتى نصف ثروة رجل مثل ستان كرونكي مالك أرسنال، إلا أنه لم يشتري النادي ليحوله إلى مزرعة.

حجر الواقع

كم النشوة والسعادة الذي يمكن أن تُشعرك به مباراة كرة قدم مبهر فعلًا، لأن كل ما سبق يحدث على بعد آلاف الأميال، لا تملك التصرف فيه، وتأييدك له من عدمه لا يغير شيئًا. لا تملك سوى تذكر هتاف جماهير الكوب منذ أعوام منادية بتعيين كلوب، والشكوك المتصاعدة مع كل هزيمة أو إحباط، والثقة البالغة والفخر الساذج الذي تحلى به الكثيرون منهم رغم أن النتائج النهائية لا تؤيده. يتصارعون حول ما إذا كان الألماني يتطور بما يكفي أم لا، إذا كان هذا الفريق قادرًا على انتزاع اللقب من ماكينة السيتي أم لا، حول خياراته العجيبة في الدفاع، حول تغييراته التي تبدو عبقرية أحيانًا وغارقة في التقليدية أحيانًا أخرى، حول ما إذا كانت الفوضى المتعمدة في الثلث الأخير أمر إيجابي أم العكس، ولكن أغلبهم يؤمن أن الرجل يفعل كل ما بوسعه، وأن ليفربول لم يكن ليعثر على مدرب أفضل وأكثر تعبيرًا عن جماهيره والتحامًا بهم.

ليفربول تمنى أن يمتلك حجر واقع ثانوس ليغير حقيقته في السنوات الأخيرة، ولكن برشلونة اشتراه بـ 146 مليون باوند ثم دخنه، فاضطروا لصناعة واقعهم الخاص بلا أحجار. هذه عبارة رابعة تبدو مبتذلة جدًا ولكنها حقيقية جدًا أيضًا. جون هنري وكلوب ورفاقهم صنعوا ناديًا فاشلًا بمعايير السوشيال ميديا ولكنه ناجح بأي معايير أخرى، ناد تختلق جماهيره ومدربه المبررات المضحكة أحيانًا، ولكن لاعبيه لا يفعلون ذلك في الملعب. هناك دائمًا أفضل، حتى لو كنا نواجه السيتي الذي يجلس على دكته محرز ودي بروينه وساني، حتى لو كنا نواجه برشلونة التي يلعب له إله كرة القدم.

منذ أيام طرح الفيلسوف الأيرلندي جو همفريز سؤالًا مهمًا في عموده بالتايمز؛ لماذا يجب أن نكون جيدين بينما يبدو أن العالم يحب من ليسوا كذلك؟ لماذا يجب أن تتمسك بمبادئ اللعب النظيف رغم وجود أمثلة كسواريز وراموس ودييجو كوستا كثيرًا ما تكافأ على العكس؟ هل الفضيلة قرينة النجاح أم قيمة منفصلة بذاتها؟ هذه الأسئلة، على وجاهتها، لا تعني ليفربول كلوب كثيرًا لأنه لا يمتلك الكثير من التفضيلات التكتيكية والأخلاقية في اللعبة، فقط الضغط والسرعة والقوة. في الواقع، خسر كلوب الاستحواذ بالأمس على ملعبه وبين جمهوره، وسجل هدفًا كان ليعتبر فضيحة أخلاقية لو كان من أحرزه سواريز مثلًا.

ما يعنيه فعلًا هو الخلاصة التي وصل لها همفريز في مقاله؛ النجاح، بمقاييس العصر الحالي، مبالغ في تقديره، أوفرريتد، ولو خيروني بين حياة ناجحة وأخرى جيدة لاخترت الثانية بلا تردد. بالطبع لن يمانع الرجل إن استطاع الجمع بين الإثنين، ولكن في حالات ككلوب كثيرًا ما يكون النجاح -بالمعايير الدارجة- على بعد ركلة واحدة صحيحة، أو تمريرة واحدة خاطئة، أو ضربة جزاء لم تحتسب، أو مزيد من الأموال، أو قرار خاطىء واحد لكلوب نفسه، المهم أنه ليس فارقًا تُوصم بالفشل من أجله.

الأهداف المتوقعة

كم النشوة والسعادة الذي يمكن أن تُشعرك بها مباراة كرة قدم مبهر فعلًا. يمكنني أن أخبرك أن زلزال كامب نو لم يغير شيئًا في ليفربول، وأن ما حدث في أنفيلد لم يكن إلا تكريس لإيمان الجميع بقدرات الفريق، رغم سوء التوفيق في الذهاب، ورغم صعوبة الظروف، ورغم اللعب في مواجهة إله كرة القدم.

فكر في الأمر؛ هل اختلف الكثير عن المباراة الماضية؟ طبقًا لـ  Total Football Analysis فإن نسبة الأهداف المتوقعة Expected Goals or xG لليفربول في مباراة كامب نو كانت أقل من برشلونة بـ 0.33 هدف فقط، ورغم ذلك خسروا بعشرة أضعاف هذا الفارق تقريبًا، إلخ.

بقليل من التجرد ستدرك أن ثقة جماهير ليفربول في فريقها لم تكن بهذه السذاجة، لأنهم يعلمون أن الروح لن تتغير، والإصرار لن يتغير، وحتى الأداء لن يتغير لأنه لا يحتاج لأن يتغير، وإن كنت تلعب بهذه الندية أمام برشلونة في كامب نو وتخسر بثلاثية نظيفة فغالبًا هي حالة استثنائية غير قابلة للتكرار.

أتعلم ما الذي تغير؟ أنهم دخلوا هذه المباراة متأخرين بثلاثة أهداف، وأن قائمة الإصابات صارت تشمل صلاح وكيتا بالإضافة لفيرمينو، وأن روبرتسون أصيب بدوره، وأن هندرسون لعب مصابًا كذلك، وأن السيتي تفوق في آخر اختبار قوي له في الدوري بشكل محبط، وأنهم لعبوا مباراة عصيبة قبلها بأيام ضد نيوكاسل، وأن هذه المرة أتت الأهداف من نقاط قوة برشلونة في المباراة السابقة؛ أخطاء متتالية من راكيتيتش وألبا، ثم فوز فينالدوم بالعرضية رغم وقوفه بين بيكيه ولونجليه اللذين أجادا في التعامل مع كل عرضيات ليفربول خلال مواجهة الذهاب، أن القدر الذي كتب لفالفيردي ألا يُعاقَب على إشراك روبرتو في المباراة الأولى، وأن يهدر ماني فرصتين محققتين للتسجيل بعد هروبه من رقابته، هو ذاته القدر الذي كتب أن تنهار أحد أهم نقاط قوته فجأة بلا مبرر مفهوم، ربما لكي يدفع الرجل وإدارة برشلونة نحو مزيد من العناد على اعتبار أن الهزيمة بهذا العدد من الأهداف غير منطقية، وكأن الفوز بهذا العدد من الأهداف في الذهاب كان منطقيًا.

ليس اليوم

أعلم ما يدور برأسك؛ لماذا يجب أن يقدم برشلونة كرة قدم مثالية لكي يفوز بالبطولة؟ ألم يفز بها دي ماتيو؟ ألم تَمِل ركلات الترجيح جهة فيرجسون في نهائي 2008 رغم إهدار رونالدو؟ ألم تجامل زيدان في 2016 و2018؟ نعم، نعم، ونعم، ولكن إن كانت هذه نظرية مفهومة لتفسير الماضي، فهي ليست كذلك أثناء الإعداد للمستقبل، لا أحد يبني فريقًا ناقصًا معيوبًا ثم يغضب عندما لا يخدمه الحظ، لا أحد يقوم باختيار ظهير غير مناسب للمباراة أو يتعاقد مع لاعب لن يفيده برقم فلكي ثم يأمل أن يصلح الحظ أخطاءه.

الأهم أن مبررات سوء الحظ ليست إلا وهم، لأن الحظ وقف بجانب برشلونة عندما فشل ليفربول في التسجيل ذهابًا، وقبلها كان الكتلان محظوظين عندما أخفق لاعبو يونايتد في تسجيل ولو هدف واحد من فرصتين أو ثلاثة محققين للتسجيل في بداية مباراة الإياب، وفي العام الماضي كاد الحظ أن يعبر بهم من روما منفردًا بعد أن سجل الذئاب هدفين في مرماهم وصنعوا إثنين غيرهم، وبعد أن فشل ريال مدريد في استثمار كل الفرص التي أتيحت له في ذهاب الكأس. إذا سألتني فجماهير ليفربول وكلوب ليسوا الوحيدين القادرين على الإتيان بمبررات مضحكة.

كم العبثية والفراغ والنشوة والسعادة الذي يمكن أن تُشعرك به مباراة كرة قدم مبهر فعلًا. صحيح أن عادات التشجيع الكريهة على السوشيال ميديا قادرة على إفساد السعادة أو إيجاد معنى للعبثية، ولكن فقط إن كنت تنتظر منها اعترافًا. عدا ذلك فالأمر متوقف على إحساسك بالإنجاز، على إيمانك بأنك قد فعلت كل ما في وسعك، على إخلاصك في البحث عن الأسباب بدلًا من المبررات، على شجاعتك في الوقوف أمام إله الكرة وقول ما عندك. هذه عبارات أوسعها التكرار والسخرية ابتذالًا ولكني لن أعتذر ما دامت صحيحة.

اعلان