«هُدنة هشة» في غزة.. والفصائل الفلسطينية تتوقع خطوات إسرائيلية لتخفيف الحصار
 
 

بدأ وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، بوساطة مصرية، في وقت مبكر صباح الإثنين -ولا يزال مستمرًا- ليوقف الهجمات التي شنّها الجانبان في نهاية الأسبوع الماضي.

لقي أكثر من 25 فلسطينيًا مصرعهم في قصف إسرائيل المكثف للقطاع المحاصر، بحسب وزارة الصحة في غزة، من بينهم امرأتان حاملتان وثلاثة أطفال أعُمارهم بالترتيب أربعة أشهر،  وعام ونصف، و 12عامًا. من جهة أخرى، قُتل أربعة إسرائيليين جرّاء إطلاق وابل من الصواريخ الفلسطينية، بحسب الجيش الإسرائيلي.

وأعلنت قناة تلفزيونية تديرها حركة حماس الفلسطينية في الساعات الأولى من صباح اﻹثنين عن اتفاق لوقف إطلاق النار؛ يبدأ سريانه في الساعة الرابعة والنصف صباحًا بالتوقيت المحلي. ولم تؤكد إسرائيل الهدنة، على الرغم من إعلان الجيش الإسرائيلي عن رفع التدابير الاحترازية -مثل القيود المفروضة على التجمعات العامة وإغلاق المدارس- المعمول بها في جنوب إسرائيل منذ اندلاع المواجهات.

على الرغم من عدم الكشف رسميًا عن شروط الهُدنة، التي توسطت فيها مصر والأمم المتحدة، فإن كبار مسؤولي حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزة أخبروا «مدى مصر» أنها «هُدنة لمدة أسبوع»، ومن المتوقع أن تتخذ خلاله إسرائيل تدابير لتخفيف حصار غزة، عن طريق تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق جرى التوصل إليه بوساطة مصرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية أبريل الماضي.

ووفقًا للناطق باسم «حماس» عبد اللطيف القانوع، فإن التدابير تشمل ضمان دخول البضائع إلى غزة، وضمان سهولة نقل الأموال، وتوسيع المنطقة المسموح فيها بالصيد إلى 15 ميلًا بحريًا بعد أن قصرتها إسرائيل على ستة أميال بحرية مرة أخرى، فضلًا عن وقف الهجمات على المتظاهرين المشاركين في المظاهرات الأسبوعية لمسيرة العودة الكبرى، المستمرة منذ مارس 2018.  

ويؤكد مسؤولو «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أن تصاعد العنف في نهاية الأسبوع جاء نتيجة عدم وفاء إسرائيل بالتزاماتها الواردة في الاتفاق الذي جرى التوصل إليه الشهر الماضي.

يقول عضو المكتب السياسي لحركة حماس صلاح البردويل إنه خلال الأسبوعين الأولين، بدأت إسرائيل العمل على تنفيذ بنود المرحلة الأولى للاتفاق، إلا أنها أرجأت تنفيذ بقية البنود بعد ذلك، ومن بينها إنشاء خط إمدادات الغاز إلى محطة الكهرباء الوحيدة في غزة، أو ربط خط كهرباء جنوب إسرائيل [المعروف باسم الخط 161] بغزة مباشرة للمساعدة في تخفيف أزمة الكهرباء في القطاع. مضيفًًا أنه على الرغم من أن قطر قدمت الأموال إلى تل أبيب من أجل خط الكهرباء، إلا أن إسرائيل لم تتخذ أي خطوات تنفيذية خلال أبريل الماضي.

يشير البردويل أيضًا إلى استمرار إطلاق النار على المشاركين في مسيرات العودة، قائلًا: «[إسرائيل] غير ملتزمة بعدم إطلاق النار على المتظاهرين المسالمين على الحدود إلا في الحالات التي تحدث فيها مصادمات عنيفة. لكن الجنود الإسرائيليين يطلقون النار على أي فلسطيني يقترب من الحدود مسافة 150 مترًا، حتى وإن لم يشتبك مع القوات الإسرائيلية. وجرى الاتفاق [قبل شهر] على أن تستخدم إسرائيل قنابل الغاز المسيل للدموع ضد أي شخص يصل إلى الأسلاك الشائكة على الحدود بين غزة وإسرائيل. إلا أن الأخيرة لم تفِ بهذه التعهدات، لذا اتخذت الفصائل الفلسطينية قرارها بالتصعيد».

موضحًا: «بسبب عدم التزام إسرائيل بأي من تلك التفاهمات أعلنت الفصائل الفلسطينية التصعيد، فضلًا عن اغتيال أحد قادة القسام وهو [عبد الله] أبو ملوح، والمرافق الخاص به [قُتلا في قصفٍ لأحد مواقع كتائب القسام الجمعة الماضي]. كما قُصفت منازل مواطنين داخل قطاع غزة». ويضيف عضو المكتب السياسي لـ «حماس»: «الإسرائيليون ضحكوا علينا بسبب الانتخابات.. لذلك ضربناهم». موضحًا أن التصعيد من البداية جاء بسبب أن الأجواء العامة غير مشجعة على هدوء ميداني، وأن هناك تباطؤ كبير من إسرائيل في تنفيذ التفاهمات التي تمّ الاتفاق عليها مثل إدخال خط الكهرباء [ المعروف بـ 161] ، فضلًا عن إنشاء منطقتين صناعيتين بشرق غزة، وعدم قتل المتظاهرين أو إطلاق النار على الصيادين.

ووفقًا لمصدر مطلع على المفاوضات من حركة حماس، تحدث لـ «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، أبلغ مسؤولو «حماس» الوسطاء المصريينفي 28 أبريل الماضي- أنه ردًا على رفض إسرائيل تنفيذ التزاماتهم من الاتفاق، فإنهم لن يمنعوا متظاهري «مسيرات العودة» من تكتيكات المواجهة، ومن بينها إطلاق البالونات الحارقة.

في اليوم التالي؛ 29 أبريل، سقط صاروخ أُطلق من غزة في البحر قُبالة ساحل إسرائيل. وفي حين وصفت «حماس» الصواريخ السابقة التي أطلقت على إسرائيل الشهر الماضي بأنها «غير مقصودة»، إلا أن مصدرًا من «حماس» يقول إن هذا الصاروخ «لم يُطلق بالخطأ». وكانت الفصائل الفلسطينية في غزة تسعى لإجبار إسرائيل على تخفيف الحصار «خاصة الجهاد الإسلامي»، بحسب المصدر الذي يضيف: «حماس والجهاد الإسلامي قالا إن هدفهما الرئيسي هو جعل إسرائيل تلتزم باتفاقياتها، حتى وإن أدى ذلك إلى مواجهة عسكرية». كما حذرا من أنهما سوف يردان على أي استهداف مستقبلي للفلسطينيين المشاركين في مسيرات العودة والتي تجاوز عدد القتلى من الفلسطينيين المشاركين 279، وقُتل معظمهم برصاص القناصة الإسرائيلية، وفقًا للأمم المتحدة.

يوم الجمعة، 3 مايو، أطلق قناصة إسرائيليون النار على فلسطينيين اثنين أثناء «مسيرات العودة». ورد مقاتلو حركة الجهاد الإسلامي بإطلاق النار وإصابة جنديين إسرائيليين. فيما ردت إسرائيل بغارة جوية أسفرت عن مقتل عضوين من «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ «حماس». ما أدى إلى تفاقم الوضع.

أطلقت الأجنحة المسلحة لـ «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وابلًا من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بلغ مجموعها نحو 700 صاروخ في نهاية الأسبوع. وقال مصدر عسكري من «حماس» لـ «مدى مصر»: «الإسرائيليون لا يحترمون أي اتفاقات وعلينا الانتقام لشهدائنا». مضيفًا: «يجب أن يتعلم الإسرائيليون الدرس الآن».  

دعمت إسرائيل هجومها بقصف جوي مكثف وقصف بنيران الدبابات وأصابت 350 هدفًا، وفقًا للجيش الإسرائيلي. وسوى القصف عدة أبنية متعددة الطوابق بالأرض، من بينها مكتب غزة لوكالة الأنباء التركية الحكومية؛ «الأناضول». كما زعم الجيش الإسرائيلي أنه قتل أحد قادة «حماس» في عملية اغتيال مُدبرة، ونشر مقطع فيديو للعملية.  

جاء وقف إطلاق النار يوم الإثنين بعد أن أجرى رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل محادثات في القاهرة في مطلع الأسبوع مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غزة، يحيى السنور، وأمين عام الجهاد الإسلامي زياد النخالة.

دُعيّ السنور والنخالة في وقت سابق إلى القاهرة لحضور اجتماع لمناقشة أمور متعلقة بأمن الحدود بين مصر وغزة، وفقًا لعضو المكتب السياسي لحركة حماس صلاح البردويل. وأثناء تواجد المسؤولان في القاهرة بدأت أعمال العنف، وتحوّل محور المحادثات بسرعة إلى التفاوض من أجل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.

ويخبر القيادي بحركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل «مدى مصر» بأن الحركة ستحترم وقف إطلاق النار لكن سلوك إسرائيل هو الذي سيحدد النتيجة. ويؤكد أنه إذا لم تنفذ إسرائيل البنود، مثل فتح المعبر الحدودي للسماح بدخول البضائع إلى غزة والامتناع عن إيذاء المتظاهرين، فلن تتمسك «الجهاد» بالهُدنة. ويضيف أن مسيرات العودة ستستمر حتى تنفذ إسرائيل المرحلة الأولى من اتفاق الشهر الماضي.

«الأوضاع مستقرة إلى حد ما، نتيجة للجهود المصرية»، يقول عضو المكتب السياسي للجهاد الإسلامي، يوسف الحسيني، لـ «مدى مصر». إلا أنه يضيف أن لدى إسرائيل مهلة لمدة أسبوع واحد فقط للبدء في تنفيذ التزاماتها من الاتفاق.

في الوقت نفسه، يخبر المتحدث باسم الجهاد الإسلامي «مدى مصر» مصعب البريم أن مصر تضغط على إسرائيل لاحترام شروط الاتفاق وستقف إلى جانب الفصائل الفلسطينية إذا تخلّت إسرائيل عن التزاماتها. ويؤكد أن وقف إطلاق النار هش للغاية ويعتمد على مدى تلبية إسرائيل لمطالب تخفيف الحصار والسماح بحياة كريمة للفلسطينيين في غزة.

وعلى مدى الـ 12 عامًا الماضية -منذ أن سيطرت «حماس» على قطاع غزة في 2007- فرضت إسرائيل حصارًا خانقًا على القطاع وتدهورت الأحوال المعيشية على نحو مطرد، لتصبح الأسوأ عالميًا. وفي العام الماضي، خلُصت الأمم المتحدة إلى أن غزة أصبحت «غيرة صالحة للحياة».  

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الإثنين، إنه أصدر تعليمات بالإبقاء على المدفعية الإضافية والقوات المدرعة المنتشرة على طول الجدار الفاصل في القطاع المحاصر. ومع ذلك، وافق نتنياهو في اليوم التالي على تجديد إرسال شحنات الوقود إلى غزة، بحسب صحيفة «هاآرتس». ومن المتوقع استئناف نقل البضائع عبر المعابر الحدودية منتصف ليل الخميس. وفي يوم الثلاثاء أيضًا، أعلنت قطر أنها سترسل 480 مليون دولار إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. وخصصت قطر 300 مليون دولار لدعم ميزانية السلطة الفلسطينية لقطاعي الصحة والتعليم. وسيُخصص مبلغ الـ 180 مليون دولار المتبقي لعمليات الإنقاذ العاجل والجهود الإنسانية.

فيما رحّب زعيم «حماس»، إسماعيل هنية، بالمساعدة القطرية، قائلًا: «هذا القرار المُشرِف هو استمرار للمواقف القطرية الثابتة التي تدعم الشعب الفلسطيني سياسيًا وماليًا».

يقول المتحدث باسم «الجهاد الإسلامي» مصعب البريم إن الفصائل الفلسطينية ترفض معادلة التهدئة مقابل التهدئة؛ ولن تتحقق هذه التهدئة إلا عندما تفي إسرائيل بالتزاماتها بموجب الاتفاق. «يجب تنفيذ آليات الاتفاق في الفترة المتفق عليها. لن نتابع ما يحدث ونحن مكتوفي الأيدي» يوضح البريم.

*تم تعديل بعض المعلومات الواردة في التقرير بعد النشر.

اعلان
 
 
أحمد جمال شحادة 
مروان مصطفى