سهرة بصحبة هوانم جاردن سيتي
لماذا تشعر الهوانم بالحزن بعيدًا عن جاردن سيتي وبالقرب من دوائر صنع القرار؟
 
 
 

يخرج حسين فهمي من خلفية سوداء، وسط ضوء خافت، ويجلس على كرسي خشبي. تبدأ الكاميرا في الاقتراب منه، يكتب على ورقة يحملها بيده، ونسمع ما يكتبه: «نحن لا ندين أحد، ولا أي عهد من العهود، نحن نذكّر فقط، حتى لا تقع الأجيال القادمة في نفس الأخطاء، ولولا حرية الفكر والديمقراطية التي نمارسها حاليًا لما خرج هذا العمل إلي النور». هكذا يبدأ تتر مسلسل «هوانم جاردن سيتي» الجزء الأول.

عُرض الجزء الأول من «هوانم جاردن سيتي» (إنتاج قطاع الإنتاج- اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري وتوزيع قطاع الشؤون المالية والاقتصادية) في ديسمبر 1997. أما الجزء الثاني والذي ظهر في مستوى فني ودرامي أقوى من الأول، فقد عُرض على القناة الثانية على التلفزيون الأرضي في ديسمبر 1998 في شهر رمضان، بتصورات جديدة لكل الشخصيات ولتطور الدراما، وأيضًا بتغيير في بعض الأدوار الرئيسية، وبإضافة بعض الشخصيات، وبتوقعات من صانعيه بالنجاح وجذب الاهتمام، نظرًا لكم النجوم المشاركين فيه.

المسلسل من تأليف منى نور الدين، وإخراج أحمد صقر (حديث الصباح والمساء، أوبرا عايدة، أميرة في عابدين) .ألّف راجح داوود موسيقى المسلسل، أما كلمات تتر البداية والنهاية فكانت لسيد حجاب، ومن غناء هدى عمار.

للمؤلفة مسلسل آخر عُرض عام (1999)، بنفس الوجوه التي ظهرت في «هوانم جاردن سيتي» ويزيد عليهم مجموعة ممثلين أخرى، وهو مسلسل «كلمات»، ويدور في نفس الأجواء والثيمات. ولها عمل آخر مع المخرج أحمد صقر لم يتمّ تنفيذه، لوفاتها عام 2015،  ويحمل اسم «كحل الهوانم».

بشكل عام، منى نور الدين، مهتمة بالدراما الرومانسية التي تدور داخل  القصور والطبقة الأرستقراطية في مصر، منطلقة تحديدًا من موقع هذه الطبقة في التغيير الحاصل في البنية الاجتماعية المصرية بعد سنة 52، وبسؤال الزمن وسردياته المختلفة. تحاول في أعمالها تصوير تداعي تلك الطبقة بعد 1952، ومحاولتها  الدؤوبة البحث عن خلاص أو حل، يمكِّنها من الاحتفاظ بمكتسباتها الاجتماعية بعد التقلبات التي شهدتها البلد. وكل ذلك في الإطار الكلاسيكي الذي تحبه الدراما المصرية: العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة. الرجل هنا هو المؤسسة العسكرية بالطبع، والمرأة هي سيدات الطبقة الأرستقراطية.

في «هوانم جاردن سيتي» وصلت منى نور الدين لتصوّر معيّن عن العلاقة بين المؤسسة العسكرية المتمثلة في الضباط الأحرار، والضباط الشرفاء، والصحفيين المناصرين والمحبين والمخلصين لقائد الحراك جمال عبد الناصر، وبين هوانم الطبقة الأرستقراطية المصرية المدللات في عز الملكية والمنتفعات منها بشكل مباشر. هذا التصور، لا يلقي اللوم علي أحد الطرفين ولا ينحاز لأحدهما بشكل قاطع.

تتعاطف الكاتبة مع الطرفين، وتضع في مسلسلها  من المبررات والحيل الدرامية ما يكفي لأن يجعل المشاهد يتورط عاطفيًا مع كافة الرُتب العسكرية وأيضًا مع الهوانم، في تنويعات درامية وحوارية استهلكت في التليفزيون والسينما بالقدر الكافي، لكن رغم ذلك استطاعت بناء مسلسل مشدود ومسلٍ في نهاية الأمر، يحسِب بدقة توقيت تحولات الشخصيات، وكيفية تطورها على مدار الحلقات.

بانسيابية، تتسلل الكاتبة  للعلاقات الاجتماعية الرومانسية بين الضباط والصحفيين وبين الهوانم، حيث كانت دوائر السلطة  في ذلك الوقت تبحث عن فُرص للترقي الطبقي والمهني. وفي المقابل تبحث سيدات المجتمع الملكي عن فرصة للاندماج في قلب التغيير السائد في مصر طامحات لمكان لهن في الجمهورية الجديدة.

هذا البحث المستمر أوجد نقطة التقاء مشتركة بين الطرفين، حيث أراد كلا منهما تحقيق ذاته من خلال الآخر، و«الحب» هو السبيل بالطبع. لذلك تقع السيدات في حب شبكة العلاقات المدنية العسكرية التي تصورتها الكاتبة يغلب عليها الود والتسامح والمصلحة المشتركة، والتي على رأسها الضابط أحمد البحيري (خالد زكي)، الذي تورَّط بدوره في حب السيدة الأولي بالمسلسل: شهرت هانم (صفية العمري).

تمشي الكاتبة وراء خيوط تلك العلاقات الرومانسية، وتطوِّر الدراما في اتجاه معيّن، يحمل في طياته التصور الكلاسيكي للطبقة الوسطى عن «الطبقة الأرستقراطية»، وهو أن سيدات القصور يكتشفن أن الزواج مسؤولية كبيرة عليهن، وأنهن غير مهيئات بعد لهذا القدر من تحمل المسؤولية وتقديم التنازلات حتي تستمر العلاقة، لأنهن ببساطة لم يتعودن علي تقديم تنازلات في حياتهن قبل الزواج، وكل طلباتهن كانت مُجابة وتنفذ دون عناء، إلى آخر ذلك، بدون أن تخفي تعاطفها معهن كونهن رموزًا لـ«شياكة» و«أناقة»  و«رقي» عصر ملكي.

يتابع المسلسل جيلين مختلفين من تلك الطبقة. فهناك الجيل الكبير الذي يقدّم النصائح والإرشادات العائلية، ويحتفظ بأقوى الجمل الحوارية الأخلاقية التي تناسب الأُسر العريقة،  فنجد أمينة هانم (ليلى فوزي) وخديجة هانم (مديحة يسري)، وزبيدة هانم (عايدة كامل)، عنايات هانم (نادية عزت)، لبيبة هانم (إحسان القلعاوي) والأميرة ميسليار (شويكار) وهي القاعدة الأساسية التي بنَت الكاتبة عليها معظم العلاقات داخل المسلسل.

وهناك الجيل الأصغر، المتذبذب بين انتمائه القديم وبين متطلبات الزمن الجديد، ومن هذا الجيل هناك شهرت (صفية العمري)، منيرة (صابرين)، سعاد كاظم (ندى بسيوني)، وهناك أيضًا شكران التي أدت شخصيتها عبلة كامل التي تفوقت في هذا الدور، وأضافت للشخصية جانبًا كوميديًا تلقائيًا جعلها تخطف الأنظار والتعليقات من كل جمهور المسلسل.

من ناحية أخرى، بالمسلسل جدال مستمر، حول موقع تلك الطبقة في المجتمع الجديد، فمن ناحية نرى دفاع الصحفي عمر عز الدين (حسين فهمي) المستمر عن  ضرورة إدماج الهوانم وأصحاب القصور في المجتمع، وعدم إقصائهم، وهو ما يقابله هجوم ناعم يشتد، في النهاية، من الصحفي رشدي هدايت (رياض الخولي) على أصحاب القصور، وفي مجمل الأحداث سنلاحظ حديث عن لجان تصفية الإقطاع، لكن حديث مبهم وغير واضح التصورات.

وبعيدًا عن التمثيل والدراما،  يعتبر الديكور (من تنفيذ فاتن كامل) من أقوى عناصر المسلسل، بجانب الأزياء (بسمة عبد المجيد وبسمة كمال).  فكانت هناك دقة واعتناء بكل تفاصيل بناء الديكورات وأزياء السيدات في قصر جاردن سيتي، وقصر الأميرة شاهندة: السلالم الطويلة الفخمة الرخام، الأثاث المُذهَّب، وجميع الإكسسوارات التي نتوقع أن نجدها في أي قصر. هذا بالتعاون مع  أحد أبرز مُنسقي المناظر في الدراما المصرية: عباس صابر.

في النهاية، استطاعت منى نور الدين أن ترسم ملامح لمرحلة مهمة في تاريخ مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بتصورها الشخصي، وبعمل يغلب عليه الطابع النسائي أمام ووراء الكاميرا، فخرجت بعمل ضخم، ومسلسل أخذ مكانه في كلاسيكيات الدراما المصرية، بل استطاع بغناه الدرامي، وشخصياته المتعددة أن ينافس أعمال أسامة أنور عكاشة الملحمية، كـ «ليالي الحلمية» و«أرابيسك»، على الشهرة.

اعلان
 
 
نور الملاح